مر تاريخ التعليم الروماني بأربع مراحل : المرحلة الأولى ، وقد استمرت حتى عام ٢٥٠ ق . م ، كان التعليم فيها بعيدا كل البعد عن تدخل النفوذ الأجنبي . بيد أنه في الرحلة الثانية التي دامت حتى عام ١٠٠ ق . م ، تأثر بالنفوذ الإغريقي ، وظل كذلك طوال المرحلة الثالثة ، أي من عام ١٠٠ ق . م . حتى عام ١٠٠ ميلادية ، أما المرحلة الرابعة فتعرف بمرحلة الأضمحلال ، وجدير بنا أن نعلم أن هذه التواريخ كلها تكاد تكون تقريبية .
وكان التعليم في المرحلة الأولى عمليا يهدف إلي بث روح الخصال الحميدة والأخلاق الفاضلة في نفوس النشئ وإيقاظ النعرة الوطنية في عنقول أبناء الوطن . وتنشئة الطفل تنشئة صالحة تتيح له القيام بواجبه نحو بيته ووطنه خير قيام ، وقد كان التعليم في ذلك الوقت محافظا شديد التمسك بعادات السلف وتقاليدهم ، وبتربية الأبناء على نهج تربية آبائهم وأجدادهم فيخرجون صورة طبق الأصل منهم .
وكانت الأم هي المعلم الأول للطفل ، ويقول ناكتيوس
إن الأم أفضل من الخادمة في تنشئة ولدها ؛ فما يزيدها فخرا أن تدبر شئون منزلها وترعي أطفالها بنفسها ، غير أنه في بعض الأحابين كان يعهد أمر الأطفال إلى امرأة عجوز من الأقارب فيتركون في كنفها تنشئهم حسبا تعودت ؛ ويحدثنا ناكتيوس كذلك عن هذه الشمطاء ، فيقول : إنها كانت تنظم أوقات فراغهم وتشرف على ألعابهم وترتبها لهم ، ولكنه لا يذكر لنا شيئا عن هذه الألعاب ، على أنها لا يمكن أن تتعدى الدمي والعرائس وركوب الجياد الخشبية واللعب بعكازة " البهلوان " ومختلف ألعاب الكرة ، وإذا ما اشتد ساعد الأطفال جاء دور الآباء في تربية أولادهم فيتمون اهتماما زائدا بما يقوي أبدانهم وينشط أجسادهم ويبعد عنهم الخمول والكسل ، محاولين جهد طاقتهم أن يعودوهم على احترام القوانين والخوف من الآلهة والاعتدال في القول والتصرف في الأمور بحكمة وروية ، والاقتصاد والاعتماد على النفس ، بينما كان الأبناء الكبار يلازمون اباءهم باستمرار ، كي يتعلموا عنهم ما يجب عليهم في المستقبل
من مساهمة في خدمة الآلهة ، ويحفظوا عنهم النصائح التي قد يوجهونها إلى عملائهم وزبائنهم ، وتقاليد الأسرة وأبطال الوطن القوميين ، كما كانوا يصحبونهم إلى مجلس الشيوخ والولائم . أما الفتيات فكن يتعلمن من أمهاتهن تدبير شئون المنزل والغزل والنسج وخياطة الملابس ، بينما كان يتعلم الصبيان طرق الحرث والبذر والحصد علاوة على ما يدربهم عليه آباؤهم من التمرينات الرياضية التي تقوي الجسم ، وتجعله صالحا للقتال حين يدق ناقوس الحرب ؛ فكانوا يتدربون على العدو والقفز والمصارعة والملاكمة والسباحة وركوب الخيل واستعمال أدوات القتال .
وكان الصبيان يتعلمون كذلك من الحساب والقراءة والكتابة مايتيح لهم إدارة شئون البيت وأعمال المصالح الحكومية ، على أن يقوم الوالد ببعض المساعدة في هذا التعليم الثقافي ، ولا ريب أن تعليما كهذا لم يكن يحتاج لأن تخصص له مدارس بالمعنى المفهوم ، غير أنها وجدت على مر الوقت ، وإن كان عسيرا علينا أن تحدد بالضبط متي حدث هذا .
وقد ازداد النفوذ الإغريقي في روما بسرعة إبان القرن الثالث قبل الميلاد . وسبب ذلك اتصالها الوثيق بالمستعمرات الإغريقية في إيطاليا ، وتدفق العبيد الإغريق إليها ، هذا فضلا عما كان لذهاب الرومان إلى بلاد الإغريق من أثر لاتصالهم شخصيا بالحياة الإغريقية والفن والأدب في تلك البلاد .
ففي الحرب البونية الثانية كان ليتيوس أندرونيكوس يعطي في روما دروسا في الأدب اقتصرت في باديء الأمر على بعض البيوتات الخاصة ، إلا أنه ما كاد ينصرم عام ١٦٩ في . م حتى بدأ كرانيس - الذي حضر من مالتوس - ينفي في روما محاضراته العامة في الأدب . وأصبحت طريقته مثلا يحذو حذوه الآخرون ، وقد اقتصر عماد التعليم في ذلك الوقت على تحليل شخصية وقصائد شاعر إغريقي كهوميروس مثلا ، واستخدموا كذلك ترجمة ليقيوس اندرونيكوس للأوديسة ، وعندما نشأ الأدب
اللاتيني بالمعنى الصحيح كان تعليمه يسير على نهج الأدب الإغريقي .
وفي تلك الحقبة افتتحت مدارس للبلاغة كانت في أول الأمر إغريقية بحتة تعلم فيها الخطابة العامة ، وقد ظهر أثر هذا التعليم الذي كان مقصورا على طبقات المواطنين الأشراف في القرن الثاني قبل الميلاد وبالرغم من أثر النماذح الإغريقية ؛ فإن الرومان لم يوقفوا إلي منهج تربوي يتفق وتباين العقول وتفاوتها .
ففي العصور الأولى كان التعليم البدني في روما لا يرعى إلا إلى إعداد رجال أقوياء صالحين للقتال ، بينما كان في أثينا يهدف إلى سلامة الجسم وقوة البنية وجمالها .
وقد بدأ البنون والبنات يمارسون الرقص والموسيقي اللذين لم يكونا في يوم من الأيام جزءا أساسيا من منهج التعليم ، بل كانا يعتبران من ضروب التسلية ، حتى إن الشخص الروماني كان يعتبر الرقص - بصفة خاصة - عارا عظيما .
وفي القرن الأول قبل الميلاد تساوي التعليم الروماني والتعليم الإغريقي ، كما يظهر جليا في النحو والبلاغة والهندسة والحساب وعلم الفلك والوسيقي والطب والزراعة .
ولدينا كثير من المصادر عن نظم التعليم في الفترة ما بين عام ١٠٠ ق. م . وعام ١٠٠ بعد الميلاد ، تساعدنا على تصويره في شئ من الكمال . هذا على الأقل فيما يتعلق بأطفال طبقة الأثرياء .
وتحت ضغط النفوذ الإغريقي ، كان يعهد بتربية الطفل إلي مرضعته الإغريقية ، ثم يرعاه بعد ذلك فيما بين السابعة والسادسة عشرة ، عبد يهتم بأموره وينظر في شئونه ويعني بأخلاقه وسلوكه ، ويلقنه كيف يتكلم الإغريقية . وقد أصبح هذا العبد فيها بعد ضرورة لا يستغني عنها عندما انشئت المدارس ورغب الآباء في تعليم أبنائهم فن المحادثة باللغة الإغريقية . إذ كان على العبد أن يلازم الصبي في غدوه إلى المدرسة وينتظر فيها حتى يعود به منها .
وفي باديء الأمر لم تشيد مبان خاصة للمدارس ، بل كانت الدراسة عبارة عن حجرة في الطابق السفلي بشرف
مدخلها على الطريق ، ثم أصبحت فيما بعد عدة غرف تلقي فيها المحاضرات . وكانت هذه المدارس مؤثرة في غير ترف . فإذا كانت المدرسة رحبة واسعة ، قسم التلاميذ إلي فرق وجلسوا على مقاعد من الخشب ، حتى إذا ما أرادوا الكلام وقفوا ، أو الكتابة أسندوا ألواحهم على ركبهم .
وكانت المصابيح ضرورية ، لأن الدراسة كانت تبدأ كل يوم قبل أن يهنك الفجر ستار الظلام . فكان يخرج الصبي مع عبده أحيانا قبل صياح الديك والكواكب منثورة على صفحة السماء القائمة، فإن كان من الآثرياء تبعه عبد يحمل حقيبته الملوءة بالكتب والألواح . ولا جرم كان يسمح للصبي أن يشتري وهو في طريقه إلى المدرسة رغيفا من الخبز يسد به رمقه ريثما يحين الظهر فيعود إلى بيته لتناول طعام الغداء . ثم يقفل راجعا إلي المدرسة عودا علي بدء . ولا نعرف بالضبط متى كان ينتهي اليوم المدرسي .
وتتميز المدارس الرومانية سواء الأولية منها أو الثانوية بنظامها الصارم . ففي حالة العقاب الخفيف كان يضرب بالعصا ، بينما عند الشدة كان السوط يلهب الظهر المعري .
ولم يكن جميع الأساتذة مبالين إلي معاملة التلاميذ بالشدة والقسوة ، فكان بنو طارخوس وكونتليانوس يريان أن العقاب الجسماني لا يجدي نفعا . فضلا عن كونه وصمة عار في جبين المدرس . وجرت العادة أن يدفع للأديب والنحوي وعالم البلاغة راتب شهري يختلف باختلاف الزمان والمكان ومقدرة المدرس . ويحدثنا هوراثيوس عن تلاميذ بلدته . فيقول : إن التلميذ كان يدفع لمعلمه ثمانية مليمات في الشهر . أما في أيام ديوقليتيان فكان أقصي ما يدفعه التلميذ شهريا للأديب خمسين دينارا ، والنحوي مائتي دينار ، ولمدرس البلاغة مائتين وخمسين . ويستطيع مدرس الأدب أو البلاغة أن يزيد دخله كثيرا حسب مهارته وحصافته . فقد كان النحوي كيونتوس ريميوس بالأيمون يربح من مدرسته ١٦٠٠٠٠٠ مليم في العام . وفي بعض الأحايين كان يتعاقد المدرس مع الوالدين على أن يدفعا له مرتبا خاصا كل سنة ، وأحيانا كان يترك هذا الأمر لتقديرهما وسخائهما . هذا
فضلا عن الهدايا التى كانت تقدم للمدرس في مناسبات خاصة كل عام .
ويبدو أن العطلات المدرسية كانت غير قليلة في ذلك الوقت ، وأن الدارس كانت تغلق أبوابها في عبدي مينيرفا وساتورن ، وأيام السوق ، وربما في أعياد فلورا وفكتوريا وكيربس وأيولي كذلك . كما كانت تمنع الإجازات العارضة في مناسبات خاصة كالانتصارات ومباريات السيوف . وكانت أطول العطلات في أيام الصيف القائظ عندما يهجم الحر بلفحاته فيجعل العمل المدرسي غير مثمر وغير مربح ، وعندما تكون الحاجة ماسة في القري إلي أبناء الدارس ليحصدوا الزرع ويقطفوا عناقيد العنب من الكروم . وهناك من يذكر أن العطلات المدرسية كانت تستمر من منتصف شهر يونيه حتى منتصف شهر أكتوبر ، غير أنه لا يوجد ما يثبت صحة هذا القول .
وسواء كان يتعلم البنون مع البنات جنبا إلى جنب . أو كل منهما على حدة ، فهذه مسألة جديرة بأن نغض الطرف عنها لما يكتنفها من غموض وشك . إذ من يدري ؛ فربما كانوا في بعض الأماكن يتلقون العلم جنبا إلى جنب .
وكان للتلميذ أن يذهب إلى المدرسة الأولية متي بلغ السابعة من عمره ، غير أن الطفل ، كما يقول كونتيلياتوس . كان يبدأ تعلم الحروف الهجائية في منزله قبل هذه السن . ويقضى الطفل في هذه المدرسة خمس سنوات يتعلم خلالها القراءة والكتابة والحساب ، كما يتدرب على النطق الصحيح للمقاطع والقراءة السليمة . ويبدأ في كتابة الحروف الهجائية في نفس الوقت الذي يبدأ فيه تعلم قراءتها . وأحيانا كان المدرس يمسك يده في كتابتها . ثم يعكف التنفيذ بعد ذلك على محاكاة نماذج من الخط عبارة عن مجموعة من الحكم والأقوال المأثورة الجديرة بالحفظ والفهم .
ولم نسمع قط أن التلاميذ كانوا يستعملون المداد في كتاباتهم إلا في العصور المتأخرة وحتى ذلك كان نادرا . وكان المدرس يملى كثيرا من الحكم والأمثال المختارة من الأدب الرفيع على شرط أن يحفظها التلميذ عن ظهر قلب . إذ كانت تنمية الذاكرة في ذلك الحين تلعب دورا عظيما في التعليم
الروماني . أما الحساب فكان يعلم عقليا أو بالعد على الأصابع أو باستعمال الحصى .
وعندما يبلغ التلميذ الثانية عشرة من عمره ، يذهب إلى النحوي ليعلمه الأدب ويستمر هناك حتى يرتدي الشملة ، وكان يبدأ دائما بدراسة الأدب الإغريقي قبل الأدب اللاتيني ، ويري كونتليانوس أن هذه خير طريقة . وكانت طرق تعليم الأدبين واحدة ، فيجيدون دراسة الشعر ، غير أن عنايتهم بالنثر يحوطها شئ من الشك ، ولا يعرف ما إذا كانوا يعتنون به عنايتهم بالنظم . وعلى أية حال كان التلاميذ يقرأون النثر ويملي عليهم وبدونه كمادة إنشائية .
ويحتل هوميروس المكانة الأولى عند الإغريقي ، ويليه هسيود ، ثم كتاب الدراما والأغاني . أما الشعراء الرومانيون الذين كانوا يقرأون لهم ، فهم ليثيوس أندرونيكوس وأنيوس ، وبلاوتوس ، وتبرنيس ، وفرجيل ، وهوراس ولوكان ، وستاثيوس . ويري كونتليانوس أن أنجح طريقة هي البدء بفرجيل حتى ولو لم يفهمه التلاميذ من أول وهلة ؛ وكان يحاول النحوي جهد طاقته أن يوقف تلاميذه على كل منظومة ثم دراستها ، فيجعلهم يقرأونها بنطق سليم مع مراعاة الترقيم والتعبير الصحيح . وكان درس النحو يشمل دراسة الأصوات والتغييرات التي طرأت على الكلمات وتصريفها . وكان يقضي النحوي جل وقته في شرح قصائد الشعراء . وكان يحاضر في القافية وفي الشعر بصفة عامة .
ومميزات كل شاعري ، وما تحوي المنظومات والقصائد من معلومات تاريخية ، ومن ميثولوجيا وفلسفة وفلك .
وكانت البلاغة ، أو فن الخطابة العامة ، عماد التعليم الروماني . ولا يبدأ التلميذ دراستها إلا إذا ارتدي الشملة أولا . وكانوا يعلقون أهمية عظمي علي القدرة الخطابية إبان عصر الجمهورية للدفاع في المحاكم ، والتحدث في المحافل العامة أو في مجلس الشيوخ . أما في عصر الإمبراطورية ، فقد قل الاهتمام بها . ولكن دراسة البلاغة ظلت حتى صارت فيما بعد أكثر تنسيقا وأعظم تنميقا .
وفي نهاية عصر الجهورية اعتاد الشباب الروماني أن يذهب إلى البلاد الأجنبية لدراسة البلاغة والفلسفة ، ولو أنه كان يستطيع البدء في دراسة الفلسفة في روما ، غير أنه
لا يتمكن من استيعابها كما يجب إلا إذا ذهب إلى أثينا . ولدا رحل شيشرون وقيصر وأوغسطس وهوراس واوفيد إلى الخارج طلبا للعلم ، وكانت أثيتا كعبة العلوم لمن يرغب في المزيد منها . كما كانت رودس وميثيليني وإيفيسوس وبرجاموس وسميرنا والإسكندرية من البلدان الأجنبية الأخرى التي كان يسعي إليها الشباب الروماني لارتشاف العلم من منهله العذب .
وقد ظل التعليم الروماني مدة ثلاثة قرون بعد عام ١٠٠ ميلادية ، يسير على وتيرة واحدة وعلي نفس الطريقة السابقة ، غير أن ازدياد انهيار الإمبراطورية قد ترك آثاره البغيضة في التعليم . فكف النحوي عن إعداد التلاميذ لمدارس البلاغة كما عانت الأخيرة بعض التغير . فالفرق بين الجمهورية والإمبراطورية قد فصل البلاغة تماما عن الحياة الحقة ، فأصبحت ضيقة النطاق مملوءة بالتكلف وبريق الصناعة ، ولا ترتكز في نفس الوقت على أسس متينة . كما حذفت اللغة الإغريقية التي كانت تعتبر فيما مضي عنصرا هاما في منهج التعليم
وبعد القرن الثاني للميلاد ، داوم عدد قليل من التلاميذ على الدراسات العالية ، حتى أصبحت هذه الدراسات قصرا على فئة الأدباء المحترفين .
وقد حدث بعض التغيير في هذه الفترة ، إذا عفا يوليوس قيصر عن جميع مدرسي الفنون الحرة وكان اغلبهم من الإغريق . أما قاسياسيان فكان أول من اهتم بقدر العلم ورفع مستواه ، فجعل لمدرسي البلاغة ، الإغريق والرومان ، مرتبا قدره ٤٠٠٠٠٠ مليم يدفع لهم من الخزانة العامة ، ثم طفق الأباطرة بعد ذلك يعطفون على المدرسين ويمنحوهم امتيازات خاصة . فأعفوهم من الضرائب ومن الخدمة العسكرية . ونتيجة لذلك خضع التعليم للاشراف الحكومي . ولم يهتم الأباطرة الأوائل بإدارة المدارس بأنفسهم ، غير أن الآباطرة المتأخرين تدخلوا في تعيين المدرسين وتقدير أتعابهم . فلما أصبح الأساتذة طبقة ممتازة ، بدأت الحكومة تحدد عددهم .

