هل يجب على الطفل ان يترك حرا في فصله يعمل حسب طبيعته ام هل يجب ان يقع توجيهه على حسب برامج مسطرة ؟
تلك هى المسألة التى تجابه المربى على الاطلاق وتلك هى المشكلة التى يريد تفهمها التونسيون وقد اصبحوا يحملون ما يحملون من المسؤوليات نحو انفسهم ونحو اطفالهم على حين ان اخذوا يدفعون بهم الى الامام يريدون منهم رجالا يكيفون بلادهم احسن تكييف ويجعلون منها ارضا خصبة اينعت فيها اشجارها وازدهرت فيها انوارها .
وكان الناس كلهم في هذا الظرف من الحياة التونسية ينادون بالحرية ، بحرية الانسان على الاطلاق حتى يتخيل انهم لا يضعون لذلك حدا ولا يقبلون منه استثناء وكأن المربين بدورهم قد انتقلت بهم عاطفتهم من الاجتماع الى التربية فاخذو يرومون للطفل حرية مطلقة او كادت تكون مطلقة يفعل فيها حسب ما تمليه عليه غرائزه او اذواقه .
وكأن الناس ايضا قد استشاطت انفسهم من السلطة في جميع مظاهرها فنفروا منها نفورا وحملوها انواع الخزى ففازت انفسهم يطلبون كسر القيود الاجتماعية ويطالبون فى ميدان التربية بكسر قيود التوجيه وحصره فى برامج مسطرة لا تخلو من شيء من التضييق على انفس فتية غضة قد لا تتحمل التوجيه وقد لا تستكين الى السلطة .
نحن في بلادنا اذن في طور التفتيش عن طريقة تمكننا في ما نعتقد من ان نخرج من دور غلبت فيه مظاهر الظلم الى دور آخر تتغلب فيه مظاهر العدل ويسترجع فيه الانسان ما كان قد فقده من دافع النخوة ومن ينبوع الحرية .
ونود - ونحن نحن وطنا ومقرا ولغة واتجاها - ان نلتحق بطبيعة الامر بتلك الامم التى رفعت بنود الحرية عاليا وانارت الطريق لغيرها من الامم يهتدون بهديها ويقتفون اثرها .
وما دامت الحرية صفة قائمة فى النفس قد تتجلى احيانا وقد تخفت احيانا اخرى فلم لا نلقنها للطفل من حالة الصغر بل قل ولم لا نترك الطفل من باديء الامر يعمل حسب طبيعته لان الطفل على زعمهم ولد حرا وانما المجتمع هو الذي حد من حريته وضيق على نفسه واذاقه الوان السلطة والضغط ؟
ذلك هو الاتجاه الذى يتجه اليه جملة من المربين فهم يقفون وقفة ثابتة في وجوه اولائك الذين لا يدركون للتربية معنى الا اذا اقترنت بشىء كثير او قليل من التوجيه يذهب بهم احيانا الى حدود الترهيب والقمع ويرون في ما يدعيه الآخرون حرية اهمالا لملكات الطفل وتفريطا فى مكنونات نفسه لا يسوقانه الا الى ضرب من التشويش والتشريد لا ينشأ عنه خير ولا تنجر من ورائه فائدة .
وان نحن تتبعنا اقوال هؤلاء واقوال اولائك لما امكننا - والحق يقال - ان نضع الحق كل الحق فى صف اناس دون آخرين ولا ان نضع الباطل في صف هؤلاء دون اولائك .
فليست المشكلة مبدئية وانما هى فى معرفة المقدار الذي يجب ان يجعل للحرية وفى معرفة مقدار التوجيه الذى يجب ان يؤخذ به الطفل وبعبارة اخرى اذا اعتبرنا ان التربية عمل اجتماعى ضرورى يقع فى المدرسة وخارج المدرسة فالمسألة اذن هي ان نعرف ما هو نصيب التوجيه فى هذا العمل وما هو نصيب الحرية التى تترك للطفل فى نفس هذا العمل .
وكأن جملة من المربين اذا اعتبروا الطفل اعتبروا مخلوقا لا يتجزأ فهو هو فى طبيعته وغريزته وميوله واتجاهاته مهما كان العمر الذى عاش فيه ومهما كانت التربة التى نبت فيها .
وهذا غلط لا محالة فالطفل في العصور القديمة غير الطفل في القرن العشرين ثم ان الطفل فى الولايات المتحدة غير الطفل فى افريقيا الوسطى .
والطفل التونسي يخالف اولائك جميعا من حيث الطبيعة والمنشأ والاخلاق والعوائد والاتجاه وكذلك من حيث تطلعه للحرية او فراره من السلطة .
فالطفل التونسي يجب ان يعالج باعتبار انه مخلوق يختلف عن بقية اترابه من مواليد الاصقاع الاخرى فيجب الا يحشر فى زمرتهم والأ يقاس فى تربيته بما يقاس به غيره .
فليس على المربين اذا ان يقتنعوا باستجلاب مذاهب التعليم من الخارج الى بلادهم كما تعود غيرهم استجلاب البضاعات التى تباع وتشترى .
فمذاهب التربية التي تصلح باطفالنا انما يجب على المربين ان ينكبوا على الوسائل المؤدية اليها وان يخلقوها خلقا وان يتبينوها حتى تكون موافقة لطبائعهم واخلاقهم واتجاهاتهم ومكنونات انفسهم .
فنحن ان جلبنا لهم ما يسمى بالحرية فى اصقاع ارادوا ان يعرفوا انفسهم بها فإنا نكون قد ادخلنا على اطفالنا شيئا من الضيم لا يحتمل وكذلك ان نحن جلبنا لهم ما يسمى في اصقاع اخرى بالتوجيه فانا نكون قد البسناهم لباسا ربما كان لباس الذل والعار .
فعلى التونسيين وعلى التونسيين وحدهم ان يجدوا لاطفالهم ما يلائم تطلعهم للحرية ويلائم حاجتهم الى النظام فليس هناك حرية بلا نظام وليس هناك نظام بلا حرية .
وان نحن فرقنا بين التونسى وغير التونسى كذلك وجب ان نميز بين مختلف السكان فليس البدوى فى حاجة الى نفس المذاهب التربوية التى يحتاج اليها الحضرى والعكس بالعكس وكذلك اهل المدينة الواحدة او اهل القرية الواحدة لا يحتاجون الى ضرب واحد من التربية تقام على اللين او على العسف مبدؤها الحرية او السلطة اذ كل طفل يمتاز عن غيره بمزاجه وقابليته وشذوذه وحاجته للحرية او حاجته للسلطة وانا لندخل على اطفال مدينة واحدة شيئا غير قليل من الضيم ان نحن عاملناهم معاملة واحدة معاملة الراعى لقطيع من الغنم فهم لم يولدوا على فطرة واحدة ولم يرثوا مؤهلات واحدة ولم تثقل اعصابهم سوابق واحدة ولم تتفتح اذهانهم الى آفاق واحدة .
فالرأي عندي ان يقع حشر الاطفال ثم توزيعهم توزيعا محكما باعتبار جميع ما يتصفون به من ملامح فطنة وذكاء وانتباه وادراك وحفظ وتخيل الى غير ذلك ...
فادا ضبط كل ذلك - ونحن نعلم ان التربية قد اصبحت تعمد فى ما تعمد اليه الى اختبار الجهاز العضلى والعصبى والعقلى بشتى الوسائل ومختلف الآلات بحيث اصبح من المستطاع ان تضبط عمليا وحسابيا مكنونات كل طفل باعتبار سنه - فاذا ضبط كل ذلك امكننا ان نوزع التلاميذ على حسب مؤهلاتهم الفطرية وان نجعل منهم
فصولا وفرقا فيعامل هذا الفريق معاملة مقامة على الحرية بالخصوص ويعامل ذلك الفريق معاملة تقام على التوجيه اكثر من الحرية لانه لا تنفع فيه الحرية وانما ينفع فيه التوجيه اذ الحرية حيث يلزم التوجيه لا ينشا عنها الا الاضطراب والتهويش والتهور واذ السلطة حيث يجب الحرية تضغط على النفس وتميت الملكات وتذهب بالاطفال مذاهب شتى لا ينجر عنها الا فسادهم وفساد بلادهم .
فالطريقة العملية عندى اذا هى ان يقع فحص الاولاد فحصا طبيا نفسيا اجتماعيا بالطرق المعروفة الآن والتى شاع ذكرها بين غالب الامم حتى نتمكن من حشر الاطفال اصنافا اصنافا يمتاز كل صنف منها بطريقة تربوية تختلف فيها نسبة الحرية ونسبة التوجيه .
واذا قام المربى بتهذيب صنف من هذه الاصناف وجب عليه امران اولهما ان لا يشتغل فى الآن الواحد بعدد كبير من الاطفال حتى يتمكن من معرفتهم معرفة صحيحة ثابتة وثانيهما ان يكون حريصا على ان ينتبه الى نمو مدارك الاطفال حتى اذا وقع فحص التلاميذ فى آخر السنة المدرسية لمعرفة من وجب في حقه ان ينتقل من صنف الى صنف آخر كان خير عون على ان يرشد القائم بالفحص (psyeho -technicien ) خير ارشاد وان يمهد له السبيل فى اعادة توزيع الاطفال اصنافا اصنافا باعتبار ما قد ظهر عليهم اما من ركود وخمول واما من انتباه وحذق اذ البليد ان تركت له الحرية اكثر مما يجب ساء فعلا بخلاف الفطن فانه ان تركت له الحرية بقدر ما يحتاج اليها فانه سرعان ما تنمو مداركه بنظام وتتفتح له الآفاق المعروفة لديه وغير المعروفة ويسمو بعقله الى اسمى المدارك ويعرج بروحه الى اجمل الاذواق .
وهذا السبيل الذى اشير اليه ليس بالمستحيل بالمرة فى بلادنا بل هو من الامور المتيسرة وان كان من المتعذر تطبيق هذه القاعدة على الاطلاق فليس من المتعذر ان يقع تطبيقها تدريجيا وان تنشأ لها المدارس او ان تخصص لها بعض مدارس الحاضرة حتى تبدو النتيجة للعيان وحتى يظهر النفع .
أما اذا اكتفينا بالحديث عن الحرية وعن وجوب اخذ الطفل بها مطلقا من غير تمييز ولا قيد او اكتفينا بالركون الى طريقة التوجيه المطلق فانى اخشى ار نبقى طويلا فى ميدان الكليات والمعميات التى لا اظن انها تأتي بما نصبو اليه جميعا من رفع مستوى التونسيين فى جميع الميادين وجعل هذه الامة امة وسطا ليكونوا شهداء على الناس ويكون العالم عليهم شهيدا ،

