الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 631 الرجوع إلى "الرسالة"

التعليم ووحدة الأمة

Share

يسر الباحث في مسائل تربية الجيل الجديد وتعليمه أن ری آراءه التي يدلى بها بين آن و آن موضع عناية وتقدير من الجهات ذوات الشأن ، فإن التصريحات التي قام بها معالى وزير المعارف عن مشاكل التعليم الأصيلة والمؤقتة ، وعن الخطوط الأولى للسياسة التعليمية العامة ، وعن ضرورة توحيد المرحلة الأولى فى التعليم العام ، وعن العمل لتحسين حال المعلمين ورفع العين عنهم . وأن ما قرأناه في الصحف عن التفكير في ضم طوائف المعلمين بعضها إلى بعض ، وتوحيد صفوفها لتدل كلها دلالة واضحة على صحة الاتجاهات التي اتجهنا إليها في إثارة هذه السائل ويحتها .

كما وأن ذلك لما يشجعنا على المضي في بحوثنا عسى أن نساعد على إنارة الطريق أمام العاملين على النهوض بالتربية والتعليم عندنا الأم العربية الشقيقة التي قد زادت رابطتنا بها وبيضتها و بثقافتها هذه الجامعة العربية الفتية . وعسى أن يمكن ذلك من إيجاد أسس قوية موحدة في بناء نهضة هذه الأمة ، وتوحيد صفوفها ، ورفع شأنها بين الأمم عن طريق العناية بناشتها ، وتسليحهم في مستقبل حياتهم بأسلحة العلم الحديث والتفكير السليم مع تقوية أسباب التناصر والتعاون بينهم آملين ألا يعضى وقت طويل حتى مجتمع لجنة الثقافة في الجامعة العربية لبحث هذه المسائل الهامة ، كما اجتمعت لجنتنا الزراعة والاقتصاد فإن توحيد الثقافة هو أساس التفاهم والتعاون كما أنه هو أساس التكوين والتدعم .

إن اتجاهات الإصلاح التعليمي في مصر لم تتناول في مختلف أطوارها مع الأسف التفكير الجدى في تنشئة المعلم وتكوينه واختياره والعناية به إلا في حدود ضيقة جداً ؛ فقد اعتدنا الانفكر فيه إلا إذا اضطرتنا الحاجة الملحة إلى ذلك التفكير وعند

ولم توضع سياسة ما من قبل لإعداد المعلمين المتآخين المتحابين المتجانسين المتعاونين وتنشتهم بل كان أمر إعدادهم يتبع ظروف إنشاء المدارس الجديدة أو فتح فصول في القديمة ، فإذا وجدنا ضغطاً فى هذه الناحية قمنا على وجه السرعة بإيجاد معهد ما لتخريج عدد من المعلمين ، ثم لا تلبث أن نستغنى عنه ، ونعلق أبوابه إذا ما خف الضغط وقل الطلب ، ولذا ترى معاهد ومدارس لتخريج المعلمين كثيرة وجدت ثم أغلقت حسب الظروف . ومن هنا نشأت هذه التشكيلة المختلفة من المعلمين في التعليم العام التي لا نظير لها فى تعدادها وتفاوتها وتنافرها وقلة انسجامها وعدم تعاونها فى أى بلد آخر من بلاد الله مما كان له الأثر الملموس في جمود المدرسة ومحمود روحها ، وضعف أثرها في أبنائها ، وانعدام روح التعاون بينهم مع ضعف الروح العلمية ، وقلة الإقبال على الاستزادة من العلوم والفنون إلا ما كان خاصاً بالامتحان وضعف روح الإقبال على العمل الحر المنتج إذا ها انهوا من الدراسة وحصلوا على الأجازة التي تسلمهم إلى الوظيفة خصوصاً بعد أن . وضعت لها التسعيرة الجديدة المغرية .

فإذا كان معالى وزير المعارف قد ذكر فى بياناته أن نجاح المشروعات الجديدة في التعليم يتوقف أساسياً على المدرس فإن هذا هو الحق لا ريب فيه . ولذا فقد ذكر معاليه أنه قد عنى عناية شديدة بأمور المعلمين ، ولديه مشروعات عديدة لترقية معاهد إعداد المعلمين ، وتهيئة الوسائل تتكميل ثقافة الحاليين منهم ، و أنه حفظه الله يعمل على إزالة الشعور بالغين المستولى على نفوسهم . وإن فى هذا كله ما يدل على الروح الطيبة المحبة للأصلاح والخير التي أملت على معاليه هذه العناية وهذا التقدير وهذا الاتجاة المستقيم. فما أقى هذا الشعور بالغين الذي يحز في نفوسهم . وما أشد أثره في أعمالهم ومسئولياتهم ! وما أعمق تأثيره في الرسالة الملقاة على المدرسة وواجباتها ! وإذا كان معاليه قد سبق أن قسم مشاكل التعليم إلى أصيلة ومؤقتة ؛ فإن مشاكل المعلمين وهى فرع هام من مشاكل التعليم فيها كذلك الأصيلة وفيها المؤقتة ، فأما مشكلتهم الأولى الأصيلة في رأينا فقد سبق أن تناولناها بالبحث وهي تنحصر في تعدد طوائفهم ، واختلاف ثقافاتهم ، وتباين تفكيرهم ، وتنوع نظراتهم إلى واجباتهم وأعمالهم وإلى

الحياة العامة كلها ، ولعل هذا هو السبب الأساسي فيها نامه من انعدام فكرة التعاون في الدرسة ، ومن جود فى حركتها ومن انحطاط في روحها ، ومن نمود في اتباع أساليب التربية الحديثة فيها . ومن تجاهل لرسالها الحقيقية التي لا تتعدى النجاح في الامتحانات والعمل لها

من أجل ذلك سرنا ذلك الاتجاه الجديد الذي أخذت الوزارة في بحثه وبدت بشاره على صفحات الجرائد من الميل إلى ضم طوائف المعلمين بعضها إلى بعض في اتحاد واحد ثم ظهر أثره فعلا في ضم ناديي دار العلوم وتوحيدهما في ناد واحد . ولعل هذه الخطوة الطبية تتبعها خطوات أجرأ منها وأعظم في وضع أساس الوحدة المنشودة التي يجب أن تمتلى بالإيمان بها قلوبنا وعقولنا ، والتي بها نستطيع أن ترفع مستوى المدرسة رفعاً يليق بكرامتنا ونهضتنا :

لهذا نرى أن من واجبنا الأول أن نضع في رأس سياستنا التعليمية الجديدة توحيد معاهد تخريج المعلمين لأنا نؤمن أن في هذا التوحيد الخير كل الخير لمعاهدنا العلمية .. فإذا كنا قد آمنا بأن التوحيد ضرورى وأنه لازم المدارس المرحلة الأولى من التعليم الإلزامي والأولى والابتدائى فإنه لا شرك ألزم المعاهد المعلمين المكلفين بالسهر على تكوين النشء وتثقيفهم حتى تتركز في تضافر المعلمين وتآزرهم وتعاونهم تلك للياني السامية العظيمة التي تنشدها في مدارسنا ومعاهدنا وأبنائنا بل وفى وحدتنا العامة وجامعتنا العامة وأخوتنا العامة .

أما المشكلة الأصيلة الثانية في تكوين المعلم فتنحصر في العمل الجدى على تقوية روحه وشخصيته وخلقه وضميره والسمو بها جميعاً إلى المكانة التى تشعرها حقاً يجليل رسالتها وعظيم مسئوليتها أمام الله وأمام الوطن وأمام الأمة جمعاء . ولن نتمكن من السمو بالمعلم هذا السمو المنشود إلا يتمهيد السبيل الحق إلى انتقائه من بين الصفوة الممتازة يخلقها وبحبها الحقيقى للمهنة ، ولن نستطيع أن نصل إلى هذه الأمنية مطلقاً إلا إذا سوينا على الأقل بين المعلمين وبين زملائهم وإخوانهم من رجال القضاء والمهندسين والأطباء وغيرهم من أرباب المهن المحترمة الأخرى . صحيح أن هذا سيكلف الدولة بعض المال ولكنه في الوقت ذاته كفيل

برفع مستوى المعلمين رفعاً يؤثر في الجيل الناشي، تأثيراً كبيراً لأن هؤلاء المعلمين الذي ينجون المهنة حباً في المهنة والذين تختارهم من الصفوة سيدفعهم حهم لعملهم دفعاً إلى بذل الجهود الحقة في تنشئة الجيل الجديد على المبادي السليمة التي تنشي أبناءها عليها الأمم القوية العزيزة فيكون مكسبنا من وراء عملهم مكسباً لا يقدر بمال ، فعلينا أن نبنى سياستنا الجديدة على تكوين هؤلاء الرجال حتى نضمن لمصر والامة العربية كلها نهضة رائعة تعيد إليها سالف مجدها وغاير عزها .

هاتان هما المشكلتان الأساسيتان من مشاكل التعليم والمعلمين وحلهما كفيل برفع مستوى المعاهد الدراسية وبحل مشكلة تكوين الجميل الجديد . فإذا عملنا حقاً على حلهما فقد ضمنا لهذه الأمة حياة مستقبلة سعيدة وقوة حافزة جديدة تضعها في مصاف الأم المحترمة العزيزة ، أما المشاكل المؤقتة في حياة المعلم فستفرد لها مقالا آخر إن شاء الله

اشترك في نشرتنا البريدية