يبتكر الحلفاء الذين يحتلون ألمانيا عسكريا الآن أساليب جديدة لاستنزاف دم ذلك الشعب المقهور . وهم إذ يفعلون ذلك يتحدثون طويلا عن سوء حالة الاقتصاد الألمانى وعن عبء ، الاحتلال الذى يكاد ينوء بحمله كامل بريطانيا . وتدأب الصحف البريطانية خاصة فى الحديث عن التضحية الواجبة لإطعام ألمانيا الجائعة العارية . وأقل ما يوصف به هذا القول هو أنه يصور جانبا واحدا من الحقيقة . أما الجانب الآخر فهو أن الحلفاء يأخذون من ألمانيا أضعاف ما يعطون ، وإن كانوا يسلكون فى ذلك طرائق جديدة مبتكرة .
والتعويضات العلمية هى أحد أساليب التعويض التى تدفع بها ألمانيا ثمن هزيمتها . فقد ألفت خلال مراحل
الغزو الأولى جماعات من رجال العلم والصناعة الأمريكيين والبريطانيين ، وكانت مهمة هذه الجماعات مصاحبة الفصائل الأمامية للمحافظة على المرافق العلمية والمصانع والمعاهد والمكاتب ، وكذلك البحث بدقة عن جميع المستندات والبيانات الخاصة بالكشوف والاختراعات الحربية وغير الحربية على السواء . فكانت هذه الجماعات تنقض على الجامعات فتأسر العلماء والإخصائيين وترحلهم إلى انجلترا وأمريكا. وقد نقل بهذه الوسيلة الأستاذ أو توهاهن مكتشف الانفلاق الذرى ومئات غيره من كبار رجال العلم الألمان . وقد برر الحلفاء عملهم هذا ، الذى لا يتفق بداهة مع الروح الديموقراطية السمحة ، بأنهم إنما يبغون التوصل إلى تحسين أسلحة الحرب المستعملة ضد البابانيين حتى يقصر أجل الحرب وتنقذ آلاف الأرواح من أن تزهق فى أتون المحيط الهادئ .
واسترسل الأمريكيون بصفة خاصة فى اقتناص العلماء ، والحصول على نتائج أبحاثهم الصناعية والعلمية ، ووجدوا أن فائدتهم المالية محققة عن هذا الطريق ، فأنشأوا مكتبا خاصا فى وزارة التجارة الأمريكية ، تقتصر مهمته على جمع المعلومات الفنية والعينات الصناعية ثم توزيعها على الشركات والمؤسسات الأمريكية التى يمكن أن تفيد منها . ويقوم المكتب بعمل إحصائيات كاملة عن التقدم الصناعى الألمانى فى جميع الفنون ، ويشمل ذلك تصوير المستندات الأصلية تصويرا فوتوغرافيا ، وكثيرا ما يرسل المكتب إخصائيين أمريكيين ليدرس كل منهم فرع تخصصه فى ألمانيا . وقد بلغ عدد هؤلاء المبعوثين ٥٠٠ حتى أوائل هذا العام . وبلغ عدد صفحات المستندات المستولى عليها ٣٥٠٠ مليون صفحة ، بما فيها التصميمات الفنية والتقارير السرية ، وقد اختير من هذه الصفحات العديدة أربعة ملايين صفحة فقط لكى تصور وتوزع فى أمريكا ؛ منها مليون صفحة من إدارة تسجيل الاختراعات فى برلين ونصف مليون صفحة من المتحف الألمانى فى ميونخ ومائتا ألف صفحة من مصانع ليتز الضوئية وحدها . وأهم المصانع الكبرى التى ينقب فيها الأمريكيون مصانع شركة فارين اندسترى الكيميائية وشركة كروب فى إسن وشركة سينمز فى برلين ، وكذلك الجامعات الكبرى ومعاهد بحوث القيصر ولهلم العديدة . وقد أعدوا ٧٠٠ ألف رطل من العينات والآلات والأدوات لكى تنقل إلى أمريكا للدراسة والمحاكمة ، من بينها النماذج الكيميائية الدقيقة والآلات الصاروخية الجديدة والمحركات الميكانيكية الثقيلة .
وقد نتج عن هذه التعويضات العلمية العظيمة وفر ضخم للصناعة الأمريكية فى المال والرجال ، ومكن لها فى الأرض بحيث أصبحت قادرة على ملء الفراغ التجارى الناشئ عن انقطاع الصادرات الصناعية والعلمية من أوربا عامة وألمانيا خاصة فى مختلف أسواق العالم الاستهلاكية . ويكفى للدلالة
على قيمة هذه التعويضات أن نذكر نقلا عن مجلة تقدم العلم التى تصدرها وزارة التجارة الأمريكية ، أن عدد الطلبات التى تتقدم بها الشركات والمؤسسات الصناعية الأمريكية للحصول مجانا على المعلومات الألمانية يبلغ ١٤٠٠ طلب كل أسبوع ، نذكر منها على سبيل المثال عملية فيشر - تروبش لإنتاج البترول صناعيا وعملية بيك لصناعة الألومنيوم الخردة ، والتفاعلات الكيميائية لمننتجات الأسيتيلين الرخيصة التى تحل محل منتجات البترول ، وغيرها كثير .
ويتعاون الأمريكيون مع البريطانيين تعاونا كاملا فى الحصول على المعلومات والإفادة منها ، ولكنهم لا يدخلون المنطقتين الفرنسية أو الروسية إلا بعد تصريحات وتأ كيدات خاصة . وتعلن المصادر الأمريكية الرسمية أن الفائدة التى ستعود على الصناعة الامريكية من التعويضات تقدر بسبعة آلاف مليون دولار فى السنوات القليلة القادمة ، إلا أنها ، فى رأيهم ، لا تكلف الألمان شيئا ، لأنهم ليسوا الآن فى حالة تسمح لهم باستثمار ثروتهم العلمية الضخمة . وهذا تعليل باطل من أساسه . ولكنه يمثل المنطق السائد الآن فى الدوائر التجارية العليا التى تسيطر على سياسة أمريكا وبريطانيا .
ويعترف الحلفاء اليوم بأنهم يلجأون لهذه الوسيلة بعد أن فاتهم الانتباه إليها بعد الحرب العالمية الاولى ، فقد اهتموا حينئذ بتقدير التعويضات تقديرا عدديا ماليا ، ثم اضطروا إلى ترك الصناعة الألمانية تنمو وتزدهر ، حتى يمكنهم جمع التعويضات المطلوبة . فكان لازدهار تلك الصناعة أثره البالغ فى إعداد ألمانيا إعدادا فنيا قويا مكنها من شن الحرب . ويلحظ العلماء أن العلم الألمانى قد بلغ أوج محدده وأعلى مراتب السمو بعد انهزام ألمانيا فى الحرب الماضية ، بينما فرح الفرنسيون بالمال الذى تدفعه ألمانيا لهم ، وخذلو
العلم فى ديارهم ، فارتد الخذلان إلى صدورهم حرابا تشرعها أيد ألمانية فنية وتدفعها عقول ذكية شحذها الحرمان وملأها السخط والحقد .
ويقول خبير أمريكى : إن الصناعة الأمريكية ، إذا قورنت بالصناعة الألمانية ، تتسم بالإسراف والمبالغة فى المظاهر ، بينما تحرص الصناعة الألمانية على الوفر والتدبير الكامل . ولا غرو , فألمانيا عاشت محرومة من موارد الخام ومن حرية الأسواق المالية ، فأتقنت صناعات رخيصة لتتغلب بها على تلك العقبات الكئود ، بينما نشأت الصناعة الأمريكية مترفة غنية لا ينقصها مال ولا تقوم فى سبيلها عقبات .
ويقول الخبير الأمريكى إن أعظم ما سيعود على الصناعة الأمريكية من النفع عن طريق الاتصال بالصناعة الألمانية هو أنها ستتعلم الوفر والتدبير وأساليب المنافسة التجارية . وهى صفات لازمة فى هذا العصر .
لقد ورث الحلفاء إرثا علميا كبيرا فى طياته جاه عريض وسؤدد ومجد . وهو ثروة جمعتها ألمانيا من عصارة أذهان مفكريها وخبرتهم قطرة قطرة ، حتى جاء الغزاة فاغترفوها غرفا ، فرويت بها نفوس كانت إلى العلم عطشى ، وتفتحت بها أذهان كانت خامدة . وسبحان القادر الجبار .

