ميز هذا العصر بيقظة الأمم المتخلفة عن ركب الحضارة بسبب وقوعها في حبائل الاستعمار . فهذه الأمم التي كاد كفاحها في سبيل استرداد حريتها وسيادتها يعم مناطق النفوذ الاستعماري ، تحاول النهوض واللحاق بالأمم التي سبقتها أشواطا في مضمار الرقي ، وهي تتوسل لبلوغ هذا الأرب بمقارعة الاستعمار من ناحية ومحاولة رفع مستواها الحضاري من ناحية اخرى .
أما ثوراتها على الاستعمار فلم تعد خافية على أحد بعد أن جرت أنهر الصحف اليومية ، واهتزت موجات الأثير في كل صقع بأنبائها . وأما الوسائل التي تتذرع بها للنهوض من كبوتها ، والخلاص من أسباب تخلفها ، والتمكن من الوصول إلى الرقي الحضاري المأمول ، فهي موضوع هذا المقال .
من الطبيعي أن يكون ازدهار الدول الكبرى المادي أول ما يخطف أبصار الأمم المتخلفة الفيقة من غفلتها ، ويستأثر باهتمامها ، ويغريها بالاقتباس منه ، والنقل عنه . ومرد ذلك إلى ما يأتي :
التقدم المادي واضح المظهر والأثر للكافة ، فلا يحتاج إدراكه إلى بعد نظر ، أو واسع معرفة وثقافة . ومن مظاهره التي لا تخطفها النظرة العابرة ، الغنى والقوة والنفوذ الغلاب في المحيط الدولي ، وهي الميزات الثلاث التى يعلم المتخلفون وغير المتخلفين على السواء أنها هي التي أدت إلى تسلط الدول المتمتعة بها علي الأمم الضعيفة واستغلالها والاحتفاظ بسلطاتها عليها . ولكن التقدم الأدبي والفني على خلاف ذلك . فالناس لا يدركون كنهه ، ولا يقدرونه قدره . ولا يفطنون إلى أثره الفعال ، إلا من أوتي منهم الفهم الصحيح ، والإدراك العميق . ثم إن هناك فرقا آخر جوهرياً
بين التقدمين المذكورين ، وهو أن العلوم التي تؤدي إلى الازدهار المادي ، وهي علوم الطبيعة والميكانيكا والكهرباء والكيمياء والمعمار والتجارة والزراعة والصحة وما شاكلها سهلة التناول ، دانية القطوف بالقياس إلى صعوبة دراسة الآداب والفنون ، وتعذر التمكن منها على غير ذوي المواهب ، وبطء ما تحدث من أثر في موكب التقدم الحضاري . . ولعل هذا أهم ما يفسر انصراف الأمم المتطلعة إلى الرقي عن ميدان الأدب والفن ، وتهالكها على الأخذ بأسباب الحضارة المادية .
وإذا كانت الدعوة إلى ضرورة اهتمام الأمم الناهضة بالجانب الأدبي والفني من نهضاتها دون الجانب المادي ، تبدو في العصر الحاضر مضحكة ، فإن القول بعكس ذلك ، أى بضرورة حصر الاهتمام بماديات النهضات دون معنوياتها فيه كذلك شطط كبير . لأن كلا من التقدم المادي والتقدم الأدبي الفني يقيد من الآخر ويفيده . وقد سبق أن شرحنا ذلك في من مثال آخر فقلنا إن الرقي المادي لا بد أن يسفر عن ظهور آراء ومعتقدات ومثل جديدة ، فيرتقي بذلك المستوي الفكري والفني ، ولا يلبث هذا الرقي أن يساعد على رفع التقدم المادي إلى مستوى أعلى . ويستمر هذا التأثير والتأثر أو هذا الفعل ورد الفعل الدائران على شكل حلزوني فيكفلان بذلك دوام التقدم .
وقد يقول قائل : إن هذه النظرية ، أى نظرية الفعل ورد الفعل ، تنقض ما تؤكده من ضرورة الاهتمام بنهضتنا الأدبية الفنية . فما دام ازدهار هذه النهضة مكفولا بالأزدهار المادي ، فيكفي أن نهتم برفع مستوانا المادي ثم تدع نظرية الفعل ورد الفعل تؤدي عملها ، وتكفل وحدها رقينا الأدبي ورقينا المادي معا !!. . ولكن الرد على هذه الملاحظة
واضح لمن يعمل فكره . فإن الوصول إلى النتيجة من طريق ترك الأمور تسير على طبيعتها يستغرق زمنا قد يطول دهورا ، ولكن التدخل المباشر أو غير المباشر يوفر الوقت والجهد في هذا العصر الذي يلقى فيه المهمل المتراخي مصرعه في زحمة التنافس ، فما دام النشاط الفكري ، والرقي المادي يتعاونان على التقدم ، فإن دعم كل منهما على حدة يجعل تعاونهما أشد مفعولا وأبلغ أثرا .
وننتقل الآن من الميدان النظري إلي ميدان التطبيق ، فنبحث في نهضتنا المعاصرة على ضوء ما قدمنا . فقد كثر حديثنا عن الوسائل الكفيلة بتوطيد نهضتنا ودفعها إلي الأمام ، ولكن العناية بمشكلاتنا المادية طغت على جانب نهضتنا الأدبي الفني . ونحن إذا قلبنا صفحات التاريخ وعدنا إلى مستهل القرن التاسع عشر نجد أن الإصلاح المادي فاز بالقسط الأوفر من عناية أولي الأمر وأولي الرأي في مصر ، فتضافرت الجهود على تحسين حالة الزراعة التى كانت ولا تزال عماد اقتصادنا . واستغرق بناء القناطر ، وشق الترع والمصارف في سبيل التوسع الزراعي وزيادة الخصب ، القدر الأكبر من مصروفات الميزانية وجهد المواطنين . ولم يحل ذلك دون تشييد المنشآت الصناعية التي استطاعت تموين الجيوش والأفراد بحاجاتها على السواء . وإذا انتقلنا من القرن الماضي إلى هذا القرن وجدنا أن النهضة التي أعقبت ثورة عام ١٩١٩ تميزت بالتقدم الصناعي الملحوظ ، وقيام المؤسسات المالية والاقتصادية الكبرى ، ونشاط التجارة ، وانتعاش العمران وتهذب مظاهره ، والاهتمام بالبحث عن الثروات المكنوزة تحت الأرض وتحت الماء . وقد اتجهت سياسة التعليم ، منذ أيام محمد على باشا الكبير ، إلى إعداد شباب مصر المتعلم ليتولى تسيير هذه النهضة المادية . وتوالت السنون دون أن يفكر أحد في إنشاء معهد لدراسة الآداب ، حتى اضطلع الملك فؤاد الكبير بهذا العمل الجليل ، فغرس نواة الجامعة المصرية في مستهل هذا القرن .
ونحن لم ننكر أن الجانب الأدبي من نهضتنا نال منذ البداية بعض العناية ، ولكنها كانت عناية ضئيلة القدر ،
ضعيفة الأثر . فلم تغفل الحكومة عن إيفاد البعوث إلي أوربا لتلقي العلم ، ولم تخل برامج مدرسة الإدارة والألسن من بعض الدراسات الأدبية . وعنيت المطبعة الأميرية منذ بدء إنشائها بطبع عدد من كتب الأدب القديمة . وشيدت دار الكتب ، ثم أخذت المدارس التجهيزية تلقن تلاميذها شيئا من علم البيان ، وتفرض عليهم حفظ مختارات من الشعر والنثر . ولكننا لم نتطلع إلي النهضة الأدبية الفنية الأوربية ونقتبس منها إلا يوم انشئت دار الأوبرا ثم امتاز عهدنا الحاضر بإنشاء معاهد الفنون ، والمجمع اللغوي ، والجمعيات العالمية ، والنوادي الأدبية ، والمكتبات العامة ، وكليات الأداب في جامعاتنا المختلفة ، والإدارة العامة للثقافة التابعة لوزارة المعارف . ولكن هذا كله لا يمكن أن يكفل ازدهار النهضة الأدبية المرجوة ، لأن هذه النهضة لا تقوم إلا على انتعاش الإنتاج الأدبي الممتاز ورواجه . ومثل هذا الإنتاج لم يتح ظهوره إلى اليوم ، لأن ظهوره يتوقف على تشجيع الأدباء وكفالة رغد العيش لهم من ناحية ، وحث الطلبة وغير الطلبة بشتى الوسائل على قراءة الذخائر الأدبية حتى يتمكن منهم حب الإطلاع من ناحية اخري . وبيان ذلك ورد كذلك مفصلا في مقال سابق . .
وقبل أن نوالي البحث فيما اتخذ وما يجب اتخاذه في سبيل تسديد خطانا إلى الغاية المرجوة من نهضتنا ، قلم إلماما بما بذله الاستعمار الغربي لتعويق تلك الخطى ، أو قطع الطريق عليها .
تمكن الاستعمار الغربي من التدخل في شئوننا لأول مرة في أعقاب حرب الشام الثانية حين ارسل أساطيله إلى المياه المصرية ، وأرغم محمد على باشا على قبول الشروط المبحفة لمعاهدة الإسكندرية ، تلك الشروط التى كانت أولى نتائجها المخربة المشئومة تصدع مشروعاتنا الاقتصادية ، وتوقف مصانعنا الحديثة الإنشاء عن العمل ، وما أعقب ذلك من انحطاط مستوى المعيشة ، وتضعضع الروح المعنوية ، وذبول الحركة الثقافية التي كانت تبشر بالتفتح والإبداع
ولكن الاستعمار لم يتمكن من تسديد الضربة القاصمة إلى نهضتنا إلا بعد أن تم لبريطانيا احتلال أراضينا عسكريا.
ولسنا نحسب أن أحدا يجهل ما بذلته الدولة المحتلة من جهد لتعويق تقدمنا من ناحيتي الاقتصاد والثقافة العامة معا . فقد كتمت الأنفاس الأخيرة لمشروعاتنا الصناعية ، وفرضت على مصر أن تظل بلدا زراعيا ، وأن يعتمد اقتصادها على غلة أراضها دون غيرها . أما ما بذله الاستعمار في سبيل القضاء علي حركتنا الأدبية فيتمثل في سياسته التعليمية التي كانت ترمي إلي خنق لغتنا القومية بالالتجاء إلي تلقين مختلف العلوم في مدارسنا باللغة الإنجليزية بدل العربية . ثم يقصر الدراسة على قشور العلوم التي لا تؤدي إلا إلى إعداد الموظفين لشغل وظائف الحكومة الثانوية المخصصة للمصريين . وإذا كان هناك من لا يزال يشك في سوء نية الاستعمار في هذا الصدد ، فيكفي أن تحيله إلى الوثائق التي تبودلت بين الحكومة الانجليزية ومعتمدها في مصر على أثر احتلالها لبلادنا ، تلك الوثائق التى كشف أمرها أخيرا بعد أن حرص الاستعمار حقبة من الزمن على إخفاء أمرها ، فقد تضمن بعض تلك الوثائق أوامر صريحة صادرة لذلك المعتمد بأن يلجأ إلى كل وسيلة لخنق النهضة الثقافية المصرية .
وما دمنا نحاول اليوم أن نتخلص من البقية الباقية من نفوذ الاستعمار . ونشق طريقنا إلى ذروة الحضارة التي نصبو إليها ، فعلينا أن نعمد إلى العقبات التي وضعها الاستعمار في طريقنا فنقوضها بكل ما أوتينا من عزيمة وقوة . فأما تلافي ما بضرر نهضتنا المادية من نقص فهو من واجب رجالنا المختصين بهذا الشأن . وأما عقبات نهضتنا الأدبية الفنية ، فهي التي نساهم مع غيرنا من المعنيين بحركتنا الفكرية في سبيل التغلب عليها . وقد سبق لنا أن أدلينا بما عن لنا من آراء في هذا الصدد . وفيا يلى استطراد لما بدأناه .
إن النشاط الفكري عامل أساسي في تقدم أي مجتمع من المجتمعات ، ومجال النشاط الفكري هو المؤسسات الثقافية من جمعيات ونواد ومعارض ودور للتمثيل المسرحي وحفلات موسيقية ، فمثل هذه المنشآت تنفخ في روح الحركة الأدبية الفنية بتوجيه الأنظار إليها . وزيادة عدد هواتها . وتمكين الولع بها من النفوس . وبين جدران هذه المحافل التسع آفاق التفكير ، وينضج الوعي ، ويرتقى الذوق بتبادل الآراء وتصادمها . . وإذا كان قولي هذا مقنعا ، فلعله
يكون من واجب كل من يقتنع به وبأهميته ، أن يطالب أولى الأمر منا وأولى النفوذ بأن يعملوا على التوسع في إنشاء مثل هذه المؤسسات ، وتمكينها بالتشجيع المادي والمعنوي من أداء رسالتها التي توهنا عنها . واليوم الذي تعم فيه هذه المؤسسات مختلف أصقاعنا ، وتطرد المقاهي وصالات اللهو الرخيص ، وتحل محلها ، نصبح أقرب إلي أهداف نهضتنا من أي وقت آخر .
وهناك مسألة تعودنا أن نهمل شأنها على خطورتها ، وهي التوسع في نقل المؤلفات الأجنبية إلي العربية . إننا لا نكاد نهتم من مختلف العلوم الأجنبية إلا بجانبها التطبيقي ؛ أما جانبها النظري . وهو أقرب جانبيها إلي الفلسفة والأدب ، وأقواهما أثرا في رفع المستوي الفكري ، فنصيبه منا الإهمال . ولعل سبب ذلك يرجع إلي تعجلنا في تحقيقي رخائنا المادي ، أو سد نقصه, فجامعاتنا تعني بتخريج القضاة والمحامين دون علماء القانون . والأطباء دون علماء الطب ، ومدرسي الأدب دون الأدباء وهكذا ؛ فالمهنة العملية ما زالت مأرب طلاب العلم عندنا . وفي يقيني أن من أهم وسائل رقينا أن نولى الجانب النظري من العلوم العناية الجديرة به . فتنقل موسوعاته المدونة في المجلدات العديدة الضخمة إلي العربية ، دون أن تضن بما يحتاج إليه مثل هذا العمل الضخم من جهد ومال . وإذا توفرت المؤسسات الثقافية التي تحدثنا عنها آنفا . فإنها تستطيع بمعاونة وزارة المعارف العمومية أن تضطلع بهذه المهمة ، فيعمل كل فرع منها على نقل العلوم الداخلة في دائرة نشاطه . وإذا دعمت وزارة المعارف برامج الآداب والفنون في مدارسها الابتدائية والثانوية . واستطاعت أن تغرس في نفوس التلاميذ ، في مختلف مراحل التعليم ، حب الإطلاع . ففي زعمنا أن هذا يكون كفيلا يخلق الظروف الملائمة لانبثاق فجر النهضة الأدبية المرتقبة .
وإذا أعددنا المجال لظهور النهضة الأدبية علي ذلك النحو ، وأعد رجال العلم المجال لتقدم نهضتنا المادية ، فإن تفاعل هاتين النهضتين القويتين ، وتعاونهما على تحقيق نهضتنا الحضارية الكبرى يكون أجدى وأبلغ اثرا .

