الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 205 الرجوع إلى "الثقافة"

التفكير العلمي الحديث (1)

Share

لاشك في أن علم هذه الأيام أعظم من علم الأيام الماضية ، على الرغم من أننا لم نكشف عن كل ما كان يعلمه آباؤنا وأجدادنا الأقدمون . إلا أن العلم قد صادفته من غير شك فترات ركود في بعض اجزاء العالم ، أو في معظم أجزائه ، ظل فيها واقفا عند الحد الذي بلغه قبل ذلك الركود ، ولم يتقدم عنه كثيرا او قليلا ، ولم تزد جهود الناس العلمية في هذه الفترات على دراسة ما كان يعلمه الأقدمون ، وإصابته كذلك فترات انتكاس ارتد فيها إلي الوراء وامتزج فيها العلم بالخرافة ، ثم غلبت الخرافة علي العلم ، فطمست معالمه كما حدث في العصور الوسطي في أوربا ، وكما حدث في البلاد العربية بعد نهضتها في زمن العباسيين

لكن هذه الفترات ، فترات الركود والانتكاس لم تكن داعمة ، بل كانت مجرد عقبات في سبيل تيار العلم الجارف ثم تعقه إلا إلي حين ، ثم طغي عليها فاكتسحها أمامه وسار في طريقه لا يلوي على شيء .

لكن علم هذه الأيام رغم تفوقه على علم الأيام الماضية ، أو إن شئت فقل بسبب تفوقه على علم الأيام الماضية ، أكثر منه تواضعا وأكثر اعترافا بعجزه ، ذلك أن العلماء كلما زاد علمهم بالكون وأسراره ، زاد ايضا علمهم بما في الكون من اسرار لم يدركوها بعد . على أن هذا ليس رأيا جديدا ، فقد طالما كرر العلماء في الماضي هذا القول نفسه ، وذكروا انهم كلما زادوا علما زاد عليهم بجهلهم ، فليس الإقرار بالعجز إذن هو الشئ الجديد ، وليس هو

كل ما يمتاز به التفكير العلمي الحديث . أما الجديد فهو ان العلم في هذه الأيام لايميل إلي إصدار الأحكام القاطعة ، وبخاصة في بعض المسائل الصعبة التي قد تبقى دائما بعيدة عن متناول العقل البشري ، وفي ذلك يقول السير جيمس جينز في كتابه " الكون الغامض " إننا مهما أكبرنا من شأن ما وصلنا إليه فإننا لا نستطيع أن ندعي أننا قد تبينا أكثر من بريق ضئيل ، وقد لا يكون هذا البريق كله إلا وهما وخداعا ، لأنا لم تستطع أن نلمح منه شيئا إلا بعد أن أجهدنا عيوننا في التطلع إليه . وبذلك لا يكون أهم ما تريد أن نقرره أن لدي علم اليوم أحكاما يصدرها ، بل يجب ان يكون ما تقرره ان من واجب العلم ان يمتنع عن إصدار الأحكام - ذلك أن نهر المعرفة كثيرا ما يلتوي على نفسه

ومعنى هذا أن القوانين العلمية التي بنيت على أساس قوي من التجارب والمشاهدات ، أو استنبطها العقل على أساس المنطق السليم ، قابلة للتغيير والتبديل إذا جاءت التجارب والمشاهدات أو جاء الاستدلال المنطقي فيما بعد مما ينقضها أو يعدل من أساسها . ويقول العلماء في هذه الأيام إن التفكير العلمي إذا قال غير هذا وأصر على أنه قد وصل في شيء ما إلي الحقيقة الكاملة ، فامتنع عن قبول ما يعدل من أحكامه أو ينقضها من أساسها في بعض الأحيان ، ناقض نفسه بنفسه ، وكان خائنا للمبادئ العلمية الصحيحة التي قام على أساسها .

وكم من قوانين وأحكام علمية كان يؤمن بها العلماء في الأزمان القريبة ، ويقدسونها تقديس الآيات المنزلة ، ولا يقبلون فيها جدلا أو طعنا ، كم من قوانين واحكام من هذا القبيل قد تصدع أساسها ، أو على الأقل بدأ الشك يتطرق إليها ؛ بل إن البديهات البسيطة التي ظلت مئات السنين يقبلها العقل دون حاجة إلي تفكير كبديهات

إقليدس الهندسية قد أصبحت هي الآخرة للشك في هذه الآيام

ومن القوانين التي استمسك بها العلماء زمنا طويلا وفسروا بها تركيب الكون ونظامه ، والتاريخ وحوادثه ، قانون السببية ، ذلك القانون الذي كان له شأن عظيم في التفكير القديم ، والذي نقرأ عنه الشئ الكثير في كتب فلاسفة العرب ؛ فالعلة والمعلول ، والسبب والمسبب ، الفاظ يتردد ذكرها في هذه الكتب على الدوام .

وعاد هذا القانون إلي الظهور وأعجب به العلماء ، وملك عليهم عقولهم ، في القرن السابع عشر الميلادي ، فقالوا إن كل شئ في الوجود ناتج من ظروف سبقته قد حتمت وجوده ، وإن هذه الظروف قد حتيمتها هي الأخرى ظروف سابقة ، وكان لابد من حدوثها كما حدثت ؛ وهكذا دواليك . والنتيجة المنطقية لهذه العقيدة ان تجري الحوادث كله قد حددته الحالة التي فطر العالم عليها في أول لحظة من تاريخه ، أي أن عملية الخلق لم تتناول خلق الكون فحسب بل رسمت له أيضا كل تاريخه في المستقبل

ونشأ من هذه العقيدة ذلك الرأي الذي بلغ غايته في النصف الثاني من أواخر القرن التاسع عشر ، وهو الذي يرمي إلي تفسير الكون المادي كله ، بل وغير المادي ايضا ، على أنه آلة محكمة ؛ وكانوا إذا عجزوا عن تطبيق هذا المبدأ على ناحية من نواحي الكون غير المادي ارجعوا عجزهم إلي نقص في علمهم بالقوانين الآتية ، وقالوا إنهم إذا ضاعفوا جهودهم ظهرت الطبيعة غير الحية في نهاية الامر سافرة عن آلة كاملة دقيقة في عملها

ولما تبين العلماء أن الخلايا الحية تتكون أيضا من نفس الذرات الكيماوية التي تتكون منها المادة غير الحية ، بدأوا يظنون أن ذرات أجسامنا وعقولنا خاضعة أيضا القوانين السببية ، وأن كل ما تعمله عقولنا هو أن تستجيب

بدقة للمؤثرات التي تستقبلها من الخارج ، وبذلك لم يكن ثمة مجال للاختيار ولا للإرادة الحرة ؛ أي أن علماء القرن التاسع عشر كانوا يؤمنون بمذهب الجبرية ، كما كان بعض الفلاسفة العرب يؤمنون به في الأيام الماضية .

ثم بدأت هذه العقيدة - عقيدة السببية والآلية في الكون الجامد والحي - تتزعزع حين أصبح من المبسور إجراء التجارب على جزيئات دقيقة جدا من المادة ، فقد تبين العلماء أن هذه الجزيئات الدقيقة لا تسلك مسلكا آليا ، وان بين سلوك القطع المادية الكبيرة وسلوك الحزيئات البسيطة الدقيقة ما بين سلوك الجماعة وسلوك أفرادها من بون شاسع ، ثم أثبت العلم أيضا أن ظواهر معينة كالإشعاع والجاذبية قد هزات بكل ما يبذل من محاولات لتفسيرها تفسيرا محضا آليا .

وأبد هذا إنشتين صاحب نظرية النسبية التي زعزعت أساس كثير من القوانين العلمية القديمة ، ومنها قانون الجذب نفسه . ومن ذلك الحين أخذ فانون السببية بفقد قيمته ، وظهر في الوجود قانون آخر يعرف بقانون الاحتمالات ، لقد كان قانون السببية يقرر تقرير الواثق أن الطبيعة لا تستطيع إلا أن تسلك طريقا واحدا هو الطريق الذي رسم لها من قبل ، تسير فيه من بداية الزمن إلي نهايته في تسلسل مستمر بين علة ومعلول ، فالعلة أ لابد ان يتبعها المعلول ب . أما العلم الحديث فكل ما يستطيع ان يقوله هو أن الحالة أ قد تتبعها الحالة ب أو ج أو د أو غيرها من الحالات الأخرى التي لا يحصيها العد ، وفي وسعه أيضا أن يقول أي هذه الحالات أكثر احتمالا من الآخر ، وأن يحدد درجة احتمالها بعضها بالنسبة إلي بعض ؛ ولكنه لا يستطيع أن ينبئ عن يقين أي الحالات تتبع الآخر حتما ، لأن ذلك في رأيه موكول إلي الأقدار مهما تكن حقيقة تلك الأقدار . ذلك هو ما يعرف عند العلماء

بقانون الاحتمالات

غير أن العلم الحديث أمين كل الأمانة لمبادئه ، فهو لا يحب أن يجزم بشيء حتى بعدم قدرته على الحزم ، أي أنه لا يستطيع أن يقول إن قانون الاحتمالات هو القانون الذي تسير عليه الطبيعة ؛ فقد يجد العلماء بعد ان يتقدم العلم ان قانون الاحتمالات نفسه ، أي ان الشذوذ الظاهري في أمور الطبيعة وعدم سيرها على قاعدة واحدة معروفة ، ليس إلا نتيجة لازمة لفعل قانون العلة والمعلول ، وان هناك عوامل خفية لم يدركها بعد هي التي تجمل النتائج الواحدة غير مرتبطة دائما بالأسباب الواحدة ؛ أي أن التجاء علم الطبيعة الحديث إلي الأخذ بقانون الاحتمالات ليس إلا ستارا يغطي به جهله حقيقة النظام الذي تسير عليه الطبيعة ، كما يتحدث الناس عما يرجي لجواد من الكسب والخسارة في سباق ، ويعللون رأيهم هذا بما عرفوه عن هذا

اجحواد ، ولكنهم قد لا يعلمون أن ساقه مكسورة ، أو أن صاحبه قد أعده بطريقة خفية للكسب في هنا السباق .

وهناك عدد من علماء الطبيعة - ولكنه عدد آخذ في التناقص بسرعة كبيرة - يتوقع أن قانون السببية الصارم سيستعيد في آخر الأمر ما كان له من المكانة في العالم الطبيعي لكن الاتجاه الحديث في تقدم العلم لايقوي مركزهم في ذلك ، ولهذا فإن السببية الصارمة ليس لها الآن مكان في صورة الكون التي يرسمها علم الطبيعة الحديث وقد نتج من هذا ان صار في هذه الصورة ، كثر مما كان في صورة الكون الآلية التي كان يقول بها العلماء قبل هذه الأيام ، متسع للحياة والشعور والإرادة الحرة والقدرة علي تغيير الكون إلي حد ما بوجودنا فيه .

اشترك في نشرتنا البريدية