منذ نحو ثلاثة أشهر صدر في لندن كتاب ضخم في بضع مئات من الصفحات ، يتضمن مقترحات لإصلاح شؤون المجتمع البريطاني في زمن السلم . وقد سمي هذا الكتاب تقرير بفردج باسم واضعه ، ورئيس الجماعة التي عاونته في الدرس والبحث حتى اهتدي إلي تلك المقترحات ، بعد أن قضى في هذه الدراسة بضعة عشر شهرا . والسر وليم بفردج لم يكن من رجال السياسة في يوم من الأيام ، ولم ينتم إلي حزب من الأحزاب ، شأنه في ذلك شأن الكثيرين من قادة الرأي والفكر في بريطانيا ، الذين هم دعامة الحكم والإصلاح في كل عصر ، وفي كل حكومة . تناولت دراسته وهو طالب علوما عديدة أخصها الرياضة والفلك والتشريع ، ولكنه اتجه بعد ذلك إلى دراسة
المشاكل الاجتماعية ونظم الحكم ، وتقلد مدة طويلة رئاسة مدرسة الاقتصاد ، وهي من اشهر كليات جامعة لندن ، والمعقل الاكبر في بريطانيا لدراسة العلوم الاجتماعية والسياسية ، ثم انتقل بعد ذلك رئيسا لإحدي الكليات في أكسفورد . وعند ما تولي مستر تشرشل رئاسة الحكومة ، أدرك أن لا بد من المبادرة بالتفكير في المشاكل التي ستنشأ بعد الحرب ، ووضع خطط البنيان والإصلاح منذ الآن .
واختار المستر تشرشل من بين وزرائه رجلا من قادة حركة العمال في بريطانيا ، وهو ارثر جرينوود ، وجعله وزيرا من غير وزارة لكي يتفرغ لدراسة مشاكل كل الإصلاح بعد الحرب ، والتمهيد لها بالدراسة الوافية اثناء الحرب . ووقع
اختيار هذا الوزير على وليم بفردج ليكون ممعاونه الا كبر في الأضطلاع بهذا الامر الخطير . وكان ثمرة هذه الجهود تلك المقترحات التي صدرت منذ ثلاثة أشهر تحمل عنوانا متواضعا ، وهو " تقرير عن التأمين الاجتماعي وخدمات اخري وبالرغم من صدور هذا الكتاب عن ديوان من دواوين الحكومة ، ووزارة من وزاراتها ، فإنه لم يكن ملزما للحكومة ، وإنما وضعته تلك الورارة لكي يكون أساسا للمناقشة بين ممثلي الأمة وقادة الرأي فيها . ولإشك في أن هذه الوثيقة الهامة قد قوبلت باهتمام كبير ، وأحدثت ضجة عظيمة في جميع الأقطار لا في بريطانيا ؛ وحتي نحن في مصر قد عنينا بأمرها ، وأخذنا نفكر في ترجمتها إلي العربية ، لكي تكون في متناول المفكرين في مصر ، خصوصا إذا ذكرنا ان صعوبة المواصلات تحول دون الحصول علي الأصل الانجليزي .
ولا شك في أن كثيرا من الناس قد عجبوا كيف تصرف حكومة من الحكومات جهدا كبيرا للتفكير فيما يحدث او لا يحدث بعد الحرب ، وتشغل نفسها بالدراسة ووضع التقارير عن أمور لا تزال بعيدة ، والعدو على الأبواب ، والخطر مائل قائم ، وهي في حاجة لان تكرس كل جهد جسدي وعقلي لأمر واحد لا يشغلها عنه شاغل ، وهو الحرب ذاتها . وقد يكون من بين هؤلاء المعترضين من يذهب إلي ابعد من هذا ، فيزعم ان صدور مثل هذا التقرير قد لا يخلو من الخطر لما يحدثه من تحويل للأنظار عن الغرض الأسمي وهو الانتصار في الحرب ، ولما يحدثه ايضا من انقسام في الرأي حول التقرير ونصوصه ومقترحاته ، في وقت اشتدت فيه الحاجة إلي توحيد الكلمة والجهود . وامثال هؤلاء المعترضين هم في العادة ممن لم يفهموا بعد مظاهر الحياة الديمقراطية الصحيحة ، فيخيل إليهم أن الاختلاف على أمر معناه الاختلاف على كل أمر .
والحقيقة أن المجهود الحربي الهائل الذي لا بد من بذله مهما جل وعظم ، لا يمنع مطلقا من التفكير في شؤون السلم ، وفي المشاكل التي تولد من هذه الحرب بل يجوز لنا ان تذهب إلي أبعد من هذا ونقول إن العمل للسلم جزء لا يتجرأ من مجهود الحرب نفسه ، والعمل للسلم يتناول ميدانين عظيمين الميدان الدولي كما يمثله اتفاق مثل الاتفاق الأطلنطي ، والميدان القومي كما تمثله وثيقة بفردج .
لقد أصبحت الحرب اليوم حرب أمة لأ حرب حكومة ، فتتطلب جهودا جبارة ونفقات باهظة وتضحيات بالنفس وبالمال من كل رجل وكل امرأة . والحكومة التي لا ينصرها كل فرد من أفراد أمتها وكل طائفة من طوائف شعبها ، لن تستطيع الوصول إلي النصر مهما جمعت من العدة وكدست من الأسلحة ، ومهما برع قادتها وأمراء جيوشها . وكلا الفريقين المتخاصمين قد اتخذ بأساليبه الخاصة الوسائل التي تمكنه من السيطرة علي جماهير الأمة وأفرادها . ففي المعسكر الدكتاتوري قد تولي القادة تعليم أفراد الأمة تمجيد الزعيم وعبادته ، وأن طاعته فرض ولذة ، والتضحية من أجله مجد وسعادة ؛ وفي المعسكر الديمقراطي يهيبون بالفرد أن يعمل ويضحي من أجل مستقبل اسعد وعيشة ارغد ، وعهد سلم يغشاء الأمن والطمأنينة . لهذا كان تقرير بفردج جزء لا ينفصل عن المجهود الحربي العظيم الذي تبذله الأمة البريطانية
وفي أوقات السلم يتمشى الإصلاح الاجتماعي بخطا بطيئة ، ويعتذر عن التفسير فيه بأن النفقات كثيرة ، والضرائب باهظة ، وان لابد من التدرج والتطور ، بدلا من الطفرة والمشروعات الثورية التي لم تختمر تفكيرا ولم تجرب طويلا . ودعاة الإصلاح في زمن السلم لا يكفون عن دعايتهم وإلحافهم ، وبذل كل مجهود في
الإبانة عن مواضع العيب في النظم الاجتماعية ، واستصراخ الحكومات في المبادرة بالعمل لمساعدة الطبقات المحدودة في أن تنال حاجتها من التعليم والترفيه المادي .
وفي زمن السلم تلبي الحكومات مثل هذه النداءات بالتدريج وعلي مهل ، وبقدر ما تسمح به الميزانية . ومن الظلم ان يزعم أحد أن حكومة بريطانيا لم تعمل شيئا لإصلاح شعبها في زمن السلم ، فإن معالجة المشاكل الاجتماعية قد لقيت عناية عظيمة في بريطانيا منذ زمن بعيد . ولكن او ان الحرب فرصة لا مناص من أن ينهزها دعاة الإصلاح ؛ والحكومة التي تنادي رعيتها ببذل كل تضحية في النفس والمال ، لابد لها ان تري هذا الشعب بأنها جادة في إعداد عهد يتمتع فيه بنصيب وافر من الصحة والرخاء ، والتعليم والترفيه .
والحجة القديمة التي تتذرع بها الحكومات ، وهي ضرورة الاقتصاد ، وان إرهاق دافعي الضرائب امر غير مرغوب فيه ، تغدو في زمن الحرب ، الذي تنفق فيه آلاف الملايين من غير أدنى تردد ، حجة لا تجد من يصغي إليها .
وهنالك اعتبار آخر لعله يخص هذه الحرب أكثر من أي حرب سواها ، وهو أن روسيا صاحبة النظام البلشفي قد اشتركت فيها حليفة للدول الديمقراطية ، والنظام الاجتماعي في روسيا ليس شيوعيا بالمعنى القديم . ولكنه على كل حال نظام يكفل لطبقات العمال والزراع نصيبا وافرا من الرخاء . وكان الناس فيما مضي ينفرون من الإشارة إلي أن نظام الحكم في روسيا نظام صالح ، بل زعم كثير من الناس أن التجربة الروسية فشلت في تحقيق أغراضها ، وهي الترفيه عن جميع طبقات الأمة . ولسنا الآن في مكان نستطيع فيه أن حكم بصلاح الحكم الروسي أو فساده ، ولكن ليس من شك في أن مقاومة
روسيا للغزو الألماني يحمل علي الإعجاب بجهودها . ومع أن المنطق الصحيح لا يستدعي أن انتصار روسيا علي ألمانيا ، حتى على فرض أنه سيكون انتصارا ساحقا باهرا ، سيقضي علي النظم الرأسمالية وينشر الشيوعية في دول أخري غير روسيا ، فإن هذه الفكرة قد وجدت من ينادي بها ؛ وقد تذرع بها الألمان أنفسهم لكي يخوفوا الدول الديمقراطية الخطر البلشفي ، ويوهموهم ان سلامتهم تقضي مؤازرة ألمانيا النازية في درء هذا الخطر .
ولكن مع التسليم بأن انتصار روسيا الباهر إذا حدث لن يؤثر تأثيرا كبيرا في نظم الحكم في سائر الدول المتحدة ، فإن وجود روسيا إلي جانب الدول الديمقراطية ، وما هو معروف من عطف العمال في مختلف البلدان على روسيا ، كل هذه من العوامل التي تدفع قادة الدول إلي العمل على رسم خطة واسعة للإصلاح الاجتماعي منذ الآن . وألا تدخر جهدا ومالا في هذا السبيل ، على أن يبدأ تنفيذ هذه الخطة بعد أن تضع الحرب أوزارها ، ويبدأ عهد السلم الجديد
وقد اشتهرت بريطانيا من بين جميع الدول بأنها تسلك في الإصلاح سبيل التطور لا سبيل الطفرة والثورة . وقد نهجت هذا المنهج في النظام الديمقراطي نفسه ، فكانت تنتقل فيه من مرحلة إلى مرحلة اوسع واعمق ، حتى بلغت به تدريجيا إلي الحالة الراهنة التي يعد فيها نظام الحكم مثالا يحتذي ، وقدوة لجميع الشعوب التي تنشد النظام النيابي .
كذلك كانت بريطانيا في الإصلاح الاجتماعي تمشي بخطأ وثيدة ، ولكن بتدرج وتمهل ، فلا تقدم على عمل جديد حتى تحس أن هنالك حاجة لمثل ذلك العمل ؛ وحكومتها شديدة الإحساس ، بفضل ما وهبه الشعب من حرية الرأي والتعبير عن كل خلجة تخطر بالقلوب ، وكل فكرة تدب في الأذهان ، ولهذا استطاعت ان تستل سخيمة
كل حركة تنذر بأن تنقلب إلي ثورة ، بأن تبادر بتنفيذ نصيب عظيم من الإصلاح المنشود فترضي المعتدلين من دعاة الإصلاح ، وتجعل المتطرفين قلة ليست بذات خطر وسرعان ما يطغي عليها تيار الاعتدال فتهدأ حدتها ، وبقل خطرها .
والذين ينظرون إلي مشروع بفردج اليوم ، كما نفعل نحن في مصر اليوم ، دون ان يكون لهم علم سابق بتطور الإصلاح الاجتماعي في بريطانيا في هذا القرن وحده - بصرف النظر عن العهود السابقة - يخيل إليهم أنه مشروع ثورة ، وانه يمثل انقلابا عظيما في النظم الاجتماعية البريطانية . بل لقد خيل لبعض البسطاء في مصر اننا ما علينا إلا أن نتناول هذا المشروع ونطبقه على مصر ، فتحظي جميع طبقات الامة المصرية بالنعم التي يكفلها مشروع بفردج للأمة البريطانية . ونحن في هذا كمن يريد ان يطير قبل أن يتعلم كيف يحبو ، أو كمن يريد للطفل أن يطعم البفتيك قبل أن يتجاوز عهد الرضاعة
ولأول وهلة يبدو مشروع بفردج انقلابا كبيرا ، لأنه سيكلف الحكومة البريطانية بعد أن يتم تطبيقه في جميع مراحله في ظرف عشرين عاما مبلغا من المال يعادل ٨٢٥ مليونا من الجنيهات سنويا ، أي مقدار ميزانية الحكومة البريطانية كلها قبل الحرب الحاضرة .
ولكن مشروع بفردج لا يمكن أن يفهم إلا إذا أدركنا انه مرحلة جديدة في تطور قدع للإصلاح الاجتماعي في بريطانيا ، وانه حلقة من سلسلة تمتد إلي قرون مضت منذ قررت الحكومة البريطانية في عهد الملكة إليصابات في عام ١٦٠١ أن تعلي بالفقراء المعوزين تماما ، وأن تتولى امرهم ورعايتهم . ومع ان المساعدات التي سنها قانون الفقر كانت حقيرة ، وكان ينفر منها كثير من الفقراء ، فإنها هي من غير شك النواة التي تولد منها في النهاية مثل
هذا المشروع الضخم الذي لفت الأنظار في هذه الأيام .
في عام ١٩٠١ كانت الحكومة البريطانية تنفق في المشروعات الاجتماعية مبلغا لا يزيد على ٣٦ مليونا من الجنيهات ؛ وقد ارتفع هذا المبلغ في عام ١٩٢١ إلى نحوا ٢٠6 مليونا ، ثم ارتفع في عام ١٩٣٨ إلي ٤٥٥ مليونا ؛ فإذا ارتفع بعد ذلك مشروع بفردج بهذا المقدار إلي الضعف ، فإن هذا ليس بالشئ الغريب ، بل إن هذا يتمشى تماما مع التطور السريع في الإصلاح الاجتماعي الذي كانت تسير فيه الحكومة البريطانية
هذا من حيث مقدار المال المخصص للإصلاح ، فإذا نظرنا إلي أبواب الخدمات الاجتماعية رأينا ان هذه تطورت تطورا عظيما في القرن الحاضر . فكانت هذه الخدمات في عام ١٩٠١ تشتمل على ثلاثة أبواب فقط : وهي التعليم والمستشفيات وإعانة الفقراء . ولكن هذه الأبواب أزدادت واتسعت حتى اصبحت قبل الحرب الحاضرة تشتمل على هذه الأبواب الثلاثة مضافا إليها : إصلاح المساكن ومعاشات الأرامل والأيتام وكبار السن ، والتأمين ضد المرضي ، وإعانات العمال العاطلين .
فإذا جاء تقرير بفردج اليوم بمقترح نواحي جديدة للتأمين الاجتماعي ، وخدمات جديدة تؤديها الحكومة ، فإن هذا تطور طبيعي ، وهو مألوف في الاتجاهات الخيرية التى كانت الحكومة البريطانية سائرة فيها منسد بداية القرن الحالي ، والتي ترجع أسسها إلي أوائل القرن السابع عشر ،
وعلي ضوء هذا التمهيد نستطيع في مقال آخر أن ننظر في مشروع بفردج ، وما يتضمن من الاقتراحات لخدمة المجتمع وطبقاته المختلفة في بريطانيا .

