الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 219 الرجوع إلى "الثقافة"

التفكير فى شؤون السلم

Share

منذ نحو ثلاثة أشهر صدر في لندن كتاب ضخم في بضع مئات من الصفحات ، يتضمن مقترحات لإصلاح شؤون المجتمع البريطاني في زمن السلم . وقد سمي هذا الكتاب تقرير بفردج باسم واضعه ، ورئيس الجماعة التي عاونته في الدرس والبحث حتى اهتدي إلي تلك المقترحات ، بعد أن قضى في هذه الدراسة بضعة عشر شهرا . والسر وليم بفردج لم يكن من رجال السياسة في يوم من الأيام ، ولم ينتم إلي حزب من الأحزاب ، شأنه في ذلك شأن الكثيرين من قادة الرأي والفكر في بريطانيا ، الذين هم دعامة الحكم والإصلاح في كل عصر ، وفي كل حكومة . تناولت دراسته وهو طالب علوما عديدة أخصها الرياضة والفلك والتشريع ، ولكنه اتجه بعد ذلك إلى دراسة

المشاكل الاجتماعية ونظم الحكم ، وتقلد مدة طويلة رئاسة مدرسة الاقتصاد ، وهي من اشهر كليات جامعة لندن ، والمعقل الاكبر في بريطانيا لدراسة العلوم الاجتماعية والسياسية ، ثم انتقل بعد ذلك رئيسا لإحدي الكليات في أكسفورد . وعند ما تولي مستر تشرشل رئاسة الحكومة ، أدرك أن لا بد من المبادرة بالتفكير في المشاكل التي ستنشأ بعد الحرب ، ووضع خطط البنيان والإصلاح منذ الآن .

واختار المستر تشرشل من بين وزرائه رجلا من قادة حركة العمال في بريطانيا ، وهو ارثر جرينوود ، وجعله وزيرا من غير وزارة لكي يتفرغ لدراسة مشاكل كل الإصلاح بعد الحرب ، والتمهيد لها بالدراسة الوافية اثناء الحرب . ووقع

اختيار هذا الوزير على وليم بفردج ليكون ممعاونه الا كبر في الأضطلاع بهذا الامر الخطير . وكان ثمرة هذه الجهود تلك المقترحات التي صدرت منذ ثلاثة أشهر تحمل عنوانا متواضعا ، وهو " تقرير عن التأمين الاجتماعي وخدمات اخري وبالرغم من صدور هذا الكتاب عن ديوان من دواوين الحكومة ، ووزارة من وزاراتها ، فإنه لم يكن ملزما للحكومة ، وإنما وضعته تلك الورارة لكي يكون أساسا للمناقشة بين ممثلي الأمة وقادة الرأي فيها . ولإشك في أن هذه الوثيقة الهامة قد قوبلت باهتمام كبير ، وأحدثت ضجة عظيمة في جميع الأقطار لا في بريطانيا ؛ وحتي نحن في مصر قد عنينا بأمرها ، وأخذنا نفكر في ترجمتها إلي العربية ، لكي تكون في متناول المفكرين في مصر ، خصوصا إذا ذكرنا ان صعوبة المواصلات تحول دون الحصول علي الأصل الانجليزي .

ولا شك في أن كثيرا من الناس قد عجبوا كيف تصرف حكومة من الحكومات جهدا كبيرا للتفكير فيما يحدث او لا يحدث بعد الحرب ، وتشغل نفسها بالدراسة ووضع التقارير عن أمور لا تزال بعيدة ، والعدو على الأبواب ، والخطر مائل قائم ، وهي في حاجة لان تكرس كل جهد جسدي وعقلي لأمر واحد لا يشغلها عنه شاغل ، وهو الحرب ذاتها . وقد يكون من بين هؤلاء المعترضين من يذهب إلي ابعد من هذا ، فيزعم ان صدور مثل هذا التقرير قد لا يخلو من الخطر لما يحدثه من تحويل للأنظار عن الغرض الأسمي وهو الانتصار في الحرب ، ولما يحدثه ايضا من انقسام في الرأي حول التقرير ونصوصه ومقترحاته ، في وقت اشتدت فيه الحاجة إلي توحيد الكلمة والجهود . وامثال هؤلاء المعترضين هم في العادة ممن لم يفهموا بعد مظاهر الحياة الديمقراطية الصحيحة ، فيخيل إليهم أن الاختلاف على أمر معناه الاختلاف على كل أمر .

والحقيقة أن المجهود الحربي الهائل الذي لا بد من بذله مهما جل وعظم ، لا يمنع مطلقا من التفكير في شؤون السلم ، وفي المشاكل التي تولد من هذه الحرب  بل يجوز لنا ان تذهب إلي أبعد من هذا ونقول إن العمل للسلم جزء لا يتجرأ من مجهود الحرب نفسه ، والعمل للسلم يتناول ميدانين عظيمين  الميدان الدولي كما يمثله اتفاق مثل الاتفاق الأطلنطي ، والميدان القومي كما تمثله وثيقة بفردج .

لقد أصبحت الحرب اليوم حرب أمة لأ حرب حكومة ، فتتطلب جهودا جبارة ونفقات باهظة وتضحيات بالنفس وبالمال من كل رجل وكل امرأة . والحكومة التي لا ينصرها كل فرد من أفراد أمتها وكل طائفة من طوائف شعبها ، لن تستطيع الوصول إلي النصر مهما جمعت من العدة وكدست من الأسلحة ، ومهما برع قادتها وأمراء جيوشها . وكلا الفريقين المتخاصمين قد اتخذ بأساليبه الخاصة الوسائل التي تمكنه من السيطرة علي جماهير الأمة وأفرادها . ففي المعسكر الدكتاتوري  قد تولي القادة تعليم أفراد الأمة تمجيد الزعيم وعبادته ، وأن طاعته فرض ولذة ، والتضحية من أجله مجد وسعادة ؛ وفي المعسكر الديمقراطي يهيبون بالفرد أن يعمل ويضحي من أجل مستقبل اسعد وعيشة ارغد ، وعهد سلم يغشاء الأمن والطمأنينة . لهذا كان تقرير بفردج جزء لا ينفصل عن المجهود الحربي العظيم الذي تبذله الأمة البريطانية

وفي أوقات السلم يتمشى الإصلاح الاجتماعي بخطا بطيئة ، ويعتذر عن التفسير فيه بأن النفقات كثيرة ، والضرائب باهظة ، وان لابد من التدرج والتطور ، بدلا من الطفرة والمشروعات الثورية التي لم تختمر تفكيرا ولم تجرب طويلا . ودعاة الإصلاح في زمن السلم لا يكفون عن دعايتهم وإلحافهم ، وبذل كل مجهود في

الإبانة عن مواضع العيب في النظم الاجتماعية ، واستصراخ الحكومات في المبادرة بالعمل لمساعدة الطبقات المحدودة في أن تنال حاجتها من التعليم والترفيه المادي .

وفي زمن السلم تلبي الحكومات مثل هذه النداءات بالتدريج وعلي مهل ، وبقدر ما تسمح به الميزانية . ومن الظلم ان يزعم أحد أن حكومة بريطانيا لم تعمل شيئا لإصلاح شعبها في زمن السلم ، فإن معالجة المشاكل الاجتماعية قد لقيت عناية عظيمة في بريطانيا منذ زمن بعيد . ولكن او ان الحرب فرصة لا مناص من أن ينهزها دعاة الإصلاح ؛ والحكومة التي تنادي رعيتها ببذل كل تضحية في النفس والمال ، لابد لها ان تري هذا الشعب بأنها جادة في إعداد عهد يتمتع فيه بنصيب وافر من الصحة والرخاء ، والتعليم والترفيه .

والحجة القديمة التي تتذرع بها الحكومات ، وهي ضرورة الاقتصاد ، وان إرهاق  دافعي الضرائب امر غير مرغوب فيه ، تغدو في زمن الحرب ، الذي تنفق فيه آلاف الملايين من غير أدنى تردد ، حجة لا تجد من يصغي إليها .

وهنالك اعتبار آخر لعله يخص هذه الحرب أكثر من أي حرب سواها ، وهو أن روسيا صاحبة النظام البلشفي قد اشتركت فيها حليفة للدول الديمقراطية ، والنظام الاجتماعي في روسيا ليس شيوعيا بالمعنى القديم . ولكنه على كل حال نظام يكفل لطبقات العمال والزراع نصيبا وافرا من الرخاء . وكان الناس فيما مضي ينفرون من الإشارة إلي أن نظام الحكم في روسيا نظام صالح ، بل زعم كثير من الناس أن التجربة الروسية فشلت في تحقيق أغراضها ، وهي الترفيه عن جميع طبقات الأمة . ولسنا الآن في مكان نستطيع فيه أن حكم بصلاح الحكم الروسي أو فساده ، ولكن ليس من شك في أن مقاومة

روسيا للغزو الألماني يحمل علي الإعجاب بجهودها . ومع أن المنطق الصحيح لا يستدعي أن انتصار روسيا علي ألمانيا ، حتى على فرض أنه سيكون انتصارا ساحقا باهرا ، سيقضي علي النظم الرأسمالية وينشر الشيوعية في دول أخري غير روسيا ، فإن هذه الفكرة قد وجدت من ينادي بها ؛ وقد تذرع بها الألمان أنفسهم لكي يخوفوا الدول الديمقراطية الخطر البلشفي ، ويوهموهم ان سلامتهم تقضي مؤازرة ألمانيا النازية في درء هذا الخطر .

ولكن مع التسليم بأن انتصار روسيا الباهر إذا حدث لن يؤثر تأثيرا كبيرا في نظم الحكم في سائر الدول المتحدة ، فإن وجود روسيا إلي جانب الدول الديمقراطية ، وما هو معروف من عطف العمال في مختلف البلدان على روسيا ، كل هذه من العوامل التي تدفع قادة الدول إلي العمل على رسم خطة واسعة للإصلاح الاجتماعي منذ الآن . وألا تدخر جهدا ومالا في هذا السبيل ، على أن يبدأ تنفيذ هذه الخطة بعد أن تضع الحرب أوزارها ، ويبدأ عهد السلم الجديد

وقد اشتهرت بريطانيا من بين جميع الدول بأنها تسلك في الإصلاح سبيل التطور لا سبيل الطفرة والثورة . وقد نهجت هذا المنهج في النظام الديمقراطي نفسه ، فكانت تنتقل فيه من مرحلة إلى مرحلة اوسع واعمق ، حتى بلغت  به تدريجيا إلي الحالة الراهنة التي يعد فيها نظام الحكم مثالا يحتذي ، وقدوة لجميع الشعوب التي تنشد النظام النيابي .

كذلك كانت بريطانيا في الإصلاح الاجتماعي تمشي بخطأ وثيدة ، ولكن بتدرج وتمهل ، فلا تقدم على عمل جديد حتى تحس أن هنالك حاجة لمثل ذلك العمل ؛ وحكومتها شديدة الإحساس ، بفضل ما وهبه الشعب من حرية الرأي والتعبير عن كل خلجة تخطر بالقلوب ، وكل فكرة تدب في الأذهان ، ولهذا استطاعت ان تستل سخيمة

كل حركة تنذر بأن تنقلب إلي ثورة ، بأن تبادر بتنفيذ نصيب عظيم من الإصلاح المنشود فترضي المعتدلين من دعاة الإصلاح ، وتجعل المتطرفين قلة ليست بذات خطر وسرعان ما يطغي عليها تيار الاعتدال فتهدأ حدتها ، وبقل خطرها .

والذين ينظرون إلي مشروع بفردج اليوم ، كما نفعل نحن في مصر اليوم ، دون ان يكون لهم علم سابق بتطور الإصلاح الاجتماعي في بريطانيا في هذا القرن وحده - بصرف النظر عن العهود السابقة - يخيل إليهم أنه مشروع ثورة ، وانه يمثل انقلابا عظيما في النظم الاجتماعية البريطانية . بل لقد خيل لبعض البسطاء في مصر اننا ما علينا إلا أن نتناول هذا المشروع ونطبقه على مصر ، فتحظي جميع طبقات الامة المصرية بالنعم التي يكفلها مشروع بفردج للأمة البريطانية . ونحن في هذا كمن يريد ان يطير قبل أن يتعلم كيف يحبو ، أو كمن يريد للطفل أن يطعم البفتيك قبل أن يتجاوز عهد الرضاعة

ولأول وهلة يبدو مشروع بفردج انقلابا كبيرا ، لأنه سيكلف الحكومة البريطانية بعد أن يتم تطبيقه في جميع مراحله في ظرف عشرين عاما مبلغا من المال يعادل ٨٢٥ مليونا من الجنيهات سنويا ، أي مقدار ميزانية الحكومة البريطانية كلها قبل الحرب الحاضرة .

ولكن مشروع بفردج لا يمكن أن يفهم إلا إذا أدركنا انه مرحلة جديدة في تطور قدع للإصلاح الاجتماعي في بريطانيا ، وانه حلقة من سلسلة تمتد إلي قرون مضت منذ قررت الحكومة البريطانية في عهد الملكة إليصابات في عام ١٦٠١ أن تعلي بالفقراء المعوزين تماما ، وأن تتولى امرهم ورعايتهم . ومع ان المساعدات التي سنها قانون الفقر كانت حقيرة ، وكان ينفر منها كثير من الفقراء ، فإنها هي من غير شك النواة التي تولد منها في النهاية مثل

هذا المشروع الضخم الذي لفت الأنظار في هذه الأيام .

في عام ١٩٠١ كانت الحكومة البريطانية تنفق في المشروعات الاجتماعية مبلغا لا يزيد على ٣٦ مليونا من الجنيهات ؛ وقد ارتفع هذا المبلغ في عام ١٩٢١ إلى نحوا ٢٠6 مليونا ، ثم ارتفع في عام ١٩٣٨ إلي ٤٥٥ مليونا ؛ فإذا ارتفع بعد ذلك مشروع بفردج بهذا المقدار إلي الضعف ، فإن هذا ليس بالشئ الغريب ، بل إن هذا يتمشى تماما مع التطور السريع في الإصلاح الاجتماعي الذي كانت تسير فيه الحكومة البريطانية

هذا من حيث مقدار المال المخصص للإصلاح ، فإذا نظرنا إلي أبواب الخدمات الاجتماعية رأينا ان هذه تطورت تطورا عظيما في القرن الحاضر . فكانت هذه الخدمات في عام ١٩٠١ تشتمل على ثلاثة أبواب فقط : وهي التعليم والمستشفيات وإعانة الفقراء . ولكن هذه الأبواب أزدادت واتسعت حتى اصبحت قبل الحرب الحاضرة تشتمل على هذه الأبواب الثلاثة مضافا إليها : إصلاح المساكن ومعاشات الأرامل والأيتام وكبار السن ، والتأمين ضد المرضي ، وإعانات العمال العاطلين .

فإذا جاء تقرير بفردج اليوم بمقترح نواحي جديدة للتأمين الاجتماعي ، وخدمات جديدة تؤديها الحكومة ، فإن هذا تطور طبيعي ، وهو مألوف في الاتجاهات الخيرية التى كانت الحكومة البريطانية سائرة فيها منسد بداية القرن الحالي ، والتي ترجع أسسها إلي أوائل القرن السابع عشر ،

وعلي ضوء هذا التمهيد نستطيع في مقال آخر أن ننظر في مشروع بفردج ، وما يتضمن من الاقتراحات لخدمة المجتمع وطبقاته المختلفة في بريطانيا .

اشترك في نشرتنا البريدية