الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 304الرجوع إلى "الثقافة"

التفوق العلمى، كيف يقدر وكيف يشجع

Share

لا يزال نصيب العلوم من التقدير والتشجيع في بلادنا ضئيلا ؛ فقد عرفت مصر قيمة الأداب وما يتصل بها من بعض الفنون واولتها شيئا من العناية ، ولكن العلوم ظلت إلي الآن مهضومة الحق بل منسية . فإذا استثنينا بعض الجهود الضئيلة التي يبذلها بعض المتحمسين من رجال العلم في مصر بتنظيم محاضرات ، أو نشر مقالات ، أو عقد مؤتمرات على نطاق ضيق ، قلنا إن الحركة العلمية من حيث التقدير والتشجيع تكاد تكون راكدة .

فوزارة المعارف عندنا لم تتنبه لعقد مسابقات من اجل التفوق العلمي إلا حديثا جدا ، وبصورة بدائية ، ولكنها على أي حال نواة نرجو أن تنمو وتتسع دائرتها . كذلك بدأت بعض الهيئات تنظم سلاسل محاضرات ، والبعض الآخر ينظم مؤتمرات لبحث بعض المسائل كتدريس المواد العلمية ؛ ولكنا نؤمل ان يتخذ هذا النشاط كله صبغة جدية ، وأن تزداد عمقا ، وان يدخلها بالتدريج عنصر المسابقة حتى يظهر التقدير ويتجلي التشجيع ، ففيهما حافز للكبار وللصغار على السواء إلي مضاعفة الجهود العلمية

ففي البلاد الراقية نجد الحركات العلمية التي يقصد بها تقدم العلم ، وبث الروح العلمية ، وتقدير مجهودات العلماء وتشجيع الناشئين ممن يرجى ان يكونوا في المستقبل من العلماء ، حركات في غاية النشاط ، وتتكرر باستمرار ،

ويشترك في تنظيمها والمساهمة فيها وسد نفقاتها ، الهيئات العلمية ، الرسمية وغير الرسمية ، والنوادي العلمية التي عم انتشارها في أنحاء تلك البلاد ، والشركات الصناعية التي تقوم بأعمال ترتكز على العلوم التطبيقية ؛ ومن ثم يهمها استمرار البحث العلمي واتساع دائرته ، واطراد تقدمه وتوالى

الاكتشافات العلمية التي قد تجني من وراء تطبيقاتها العملية في الصناعة أرباحا طائلة

وبين يدي الآن وصف بديع لأحد تلك المواسم العلمية العظيمة الشأن ، التي تعقد كل عام في امريكا ، نشرته إحدي المجلات العلمية العديدة ، في عددين متتاليين في ابرز مكان بها ، وحلته بصور كثيرة . وسأنقل إلي القراء صورة مصغرة من ذلك الموسم العلمي كما وصفته تلك المجلة ، وهو واحد من كثير ؛ فهذه الأحداث العلمية اصبحت عادية في أوربا وأمريكا ، وكثيرة العدد ، وتلقي اهتماما عظيما من جميع الطبقات

البحث عن الموهبة العلمية وجوائزها :

تقوم النوادي العلمية في أمريكا متضامنة ومستظلة برعاية علمية كبيرة تعرف   بالخدمة العلمية ومستعينة من الناحية المالية بتعضيد إحدي الشركات الكهربائية الصناعية العظيمة التى تبذل المال بسخاء ، تقوم في كل عام بحركة واسعة النطاق في جميع أنحاء أمريكا يطلق عليها اسم " البحث عن الموهبة العلمية "

وقد ظل هذا البحث عن الموهبة العلمية ، في هذه المرة التي نصفها ، مستمرا أربعة أشهر ، أعطيت في خلالها امتحانات صارمة ، وكتبت رسائل قيمة ، وعقدت اختبارات شفوية دقيقة ، للمتقدمين من طلبة الفصول النهائية من المدارس الثانوية الشهيرة ، في طول تلك البلاد وعرضها ، بلغ عددهم . . ١٥ طالب وطالبة . وكانت الهيئة المشرفة على امتحان المسابقة هذا مؤلفة من صفوة من المعلمين ، وعلى رأسهم ثلاثة قضاة محكمين من مشاهير رجال العلم الذين يشغلون ارفع المراكز العلمية .

وقد فاز في هذه المسابقة أربعون طالبا وطالبة ، وزعت عليهم جوائز مالية بلغ مجموعها . . ١١ دولار ، فنال كل من الفائزين الأولين ) وهما فتي وفتاة ( ٤٠٠ ر ٢

دولار ؛ وهذا مبلغ كبير يكفي كلا منهما لسد نفقات إتمام تعليمه العالي كله في آية كلية من كليات أمريكا . ونال كل من الثمانية التالين لهما ) فتاتان و6 فتيان ( ، ٤٠ دولار ، كما نال كل من الثلاثين الباقين من هذه الصفوة الممتازة المختارة ١٠٠ دولار

وقد روت المجلة عن الفائزين الأولين المعلومات الطريفة الآتية :

كان الفائز الأول من الفتيان ابن أحد العلماء البكتربولوجيين الذين فروا من المانيا ولجأوا إلي الولايات المتحدة ، ومن الإخصائيين في فصائل الدم ، ومكتشف خاصة الدم المعروفة بالعامل ؛ أما الفتاة التي تفوقت على الفائزات جميعا ، فبنت احد علماء النفس المشتغلين بدراسة خاصة لسيكلولوجية قيادة السيارات ، وما يتصل بها من تحليل نفسي لمن يكونون دائما عرضة للحوادث ، وكذلك التحليل النفسي المتصل بعوامل الأمن وغيرها .

وكان الفتى على حداثة سنه يدرس لزملائه الرياضة والطبيعة واللاتينية والإنكليزية ، وفاز في مسابقات عديدة إحداها في الخطابة ، كما كان رئيس تحرير المجلة التي تصدرها مدرسته . وأما الفتاة فكانت على صغرها تعاون أباها في دراساته النفسية ، وكانت مولعة بالموسيقي ومتفوقة في اللعب على الكمان ، و كثيرا ما ظهرت في الحفلات العامة ، وفازت بتقدير الجماهير لكفايتها ، كما كانت فنانة ممتازة ظفرت بعدة جوائز في الرسم ؛ ولها فوق ذلك كله موهبة عملية تتجلي في بعض أعمال كالتجارة .

صور أخري من التكريم :

ولم يقتصر تكريم أولئك الفائزين على الجزاء المادي السخي الذي ذكرناه ، بل تعداه إلى صور علمية وادبية واجتماعية طريفة نجملها فيما يلى :

نقل هؤلاء المتفوقون الاربعون من بلادهم إلى وشنجتن ليقيموا فيها خمسة أيام كاملة ، على ان يدفع المنظمون للمسابقة

كل نفقات سفرهم وإقامهم . وقسمت اوقاتهم في وشتنجتن بين استماع لمحاضرات نظمت خصيصا لهم ، وقام بالقائها رجال من ائمة العلم والهندسة والاختراع بأمريكا في معهد أقيم لهذا الغرض ، وسمي معهد الموهبة العلمية " وبين مشاهدة معالم المدينة وما فيها من ينابيع للبهجة والسرور ،

وبخاصة المتاحف ومعامل الأبحاث . وانتهت هذه الرحلة بمقابلتهم لنائب الرئيس روزفلت وهو المستر هنري ولس الذي كانت له شهرة في عالم البحوث البيولوجية قبل ان ينغمس في الحياة السياسية العامة

ومن مظاهر التكريم التي ظفر بها هؤلاء النابهون في خلال تلك الاجتماعات العلمية أن تبني كل واحد منهم أحد مشاهير رجال العلم الأمريكيين ، كل بحسب المادة العلمية التي ظهر حسن استعداد الطالب إلي متابعة الدراسة فيها أكثر من غيرها .

والآن نورد إلى القراء عينة مما ألقاه عليهم هؤلاء العلماء الفطاحل ، وهي خلاصة لمحاضرة احد كبار علماء الحياة ، فهي مثال يحتذي لما يقال في مثل تلك المناسبات :

التهنئة والحب

" أريد قبل كل شئ أن أهنئكم رجال العلم في المستقبل . وإني لا أدري الباعث الذي حدا بالمنظمين لهذه المسابقة ان يختاروا العدد ٤٠ للفائزين ، لكن لعلهم اقتبسوه من المجمع العلمي الفرنسي الذي يحدد عدد أعضائه " بالأربعين الخالدين " على أن اختيار أربعين من خمسة عشر الفا يدل على ان هؤلاء الأربعين صفوة ممتازة بلغت من التربية والتعلم أرفع الدرجات . ولكني أبيح لنفسي أن افشي سرا من اسرار الامتحان حتي لا يتسرب الغرور إلي انفسكم ، وذلك أننا معشر الممتحنين وجدنا صعوبة كبيرة في اختباركم من بين الكثيرين من زملائكم لعظيم التشابه بين قدراتكم " تأمل هذا الأسلوب الجميل في الاحتياط لعدم تسرب

الغرور إلى هؤلاء الفائزين ، وتأمل ما في هذا الكلام من مجاملة رقيقة لبعض من خانهم الخط من النابهين من غير الفائزين ، مجاملة تشجعهم على المضي في جدهم ، وتبعث فيهم الأمل في النجاح في المستقبل . ثم مضي الأستاذ المحاضر يقول :

" وأري من واجبى أن اذكركم بأنكم لن تنالوا في مستقبلكم درجات تنم عن التميز في العلوم إلا بالجد والكد .

فعندما كنت تلميذا في المدرسة كانت وسيلتنا لتحسين الخطوط تكرار كتابة بعض جمل قصيرة ، ومنها حكمة لم انسها أبدا ، وأرجو أن تعيها قلوبكم انتم أيضا ، وتلك هي : لا تميز بغير الجهد الشاق " أو بعبارة اخري شهيرة : من طلب العلا سهر الليالي

العلوم البحتة والعلوم التطبيقية :

" وهدف العلوم هو تفهم الظواهر الطبيعية والسيطرة عليها بقدر الإمكان . والعلوم التي ترمي إلي التفهم تكون من النوع المسمي بالعلوم البحتة ، أما التي ترمي إلي السيطرة فتسمى بالعلوم التطبيقية . وقد يكون العالم في وسط هذه الحرب الضروس اكثر اهتماما بالعلوم التطبيقية منه بالنظرية منها ، لكن التطبيقات العلمية كلها مؤسسة على نتائج العلوم البحتة

وإني لمعجب بالأستاذ الذي لفت النظر إلى الغلطة التي يقع فيها الكثيرون حين يفترضون ان الغرض الاساسي من العلوم هو النجاح المادي في الحرب وفي السلم ، وكلنا نعرف المثل القائل إن العلوم هي القوة ؛ وكثير من الناس يخالها الشهرة والثروة ؛ وهذه كلها قد تنتج من تطبيقاتها .

لكن العلوم البحتة لها فائدة أعم ، فإن نفعها لا يقتصر على جعل التطبيقات ممكنة ، وإنما يتجلي في إشباع رغبة البشر في المعرفة ، وفي توسيع الآفاق العقلية ، وفي التسامي بأخلاق الباحثين وراء حقيقة الأشياء وكنهها .

رسالة علم الحياة ومستقبله :

" على أنه قد طلب إلي كأحد المشتغلين بعلم الحياة ان أحمل إليكم إحدي رسالاته . وليس هناك شئ يهم الإنسان بقدر ما يهمه تفهم الحياة ، حياته هو ، وحياة الحيوان والنبات . فالدرس العظيم الذي نتلقاه عن التطور ليس أننا من سلالة القردة ) وهذا غير صحيح ( ، وإنما هو أن الحياة كلها - حياة النباتات ، وحياة الحيوان ، وحياة الإنسان متشابهة في اسسها . فنحن ندرس خلايا ثعبان البطن ) الأسكارص ( ، والوراثة عند حشرة الدروسوفيلا ، وآثار أشعة إكس في الداثورة ، وآلاف أخرى من الحيوانات والنباتات ، ندرسها لا لأنها تهمنا بالذات ، ولكن لأن لها جميعا تطبيقات تمس الإنسان .

" وقد اقترح على أن أحدثكم عن المستقبل البيولوجي ، ولست اميل إلى هذا النوع من الحديث ، وإن كانت الصحافة ترحب به ، والجمهور يتلذذ من قراءته ، ولا سيما إذا كانت تنبؤات الكاتب تحوي أمورا مغرية ومثيرة للخيال وللعواطف . فلا تنتظروا مني أن أخوض في حديث كهذا . ولكنى أعلم انكم صفوة مختارة ، وأنه سيكون منكم قادة في ميادين العلوم المختلفة ومنها علم الحياة .

 فأي فرص ستجدونها في ميدان هذا العلم تهييء لكم المساهمة في ترقيته وإنمائه ؟ إليكم قائمة بنواح قليلة العدد ستجدون فيها مجالات للعمل ، فالحاجة فيها ماسة لكثير من المعلومات الجديدة .

فتح مجالات للبحث :

" ١ - أيكم سيكون دارون المستقبل ليكشف عوامل التطور المجهولة ؟ فالعلماء كلهم يدركون ان عاملا أساسيا عظيما ، قد يضارع قانون الانتخاب الطبيعي ، لا يزال مجهولا ينتظر الكشف عنه ؛ فعلم الحياة في الوقت الحاضر في نفس الموقف الذي كان فيه علم الطبيعة قبل اكتشاف الفعل الراديومي ، فمن منكم سيكون مدام كوري فيكشف العنصر الذي ينقصنا ؟ !

٢ - ايكم سيكون باستور الغد فيكشف عن أسباب السرطان ، فقد يأتى هذا الا كتشاف  العظيم على يد احد البيولوجيين كما جاءت اكتشافات باستور في بيولوجية العدوي والمناعة على يد كيماوي . فمنذ عدة سنوات حدثني مدير معهد كروكر للسرطان بقوله إنا ننتظر منكم معشر علماء الحياة أن تقودونا إلي الطريق .

- من سيكون من بينكم مورجن المستقبل فيكتشف كيف تتحكم عوامل الوراثة الموجودة في الأناشيط ) الكروموسومات ( في توجيه نمو النبات أو الحيوان أو الإنسان ، فنحن نعلم أنها توجه هذا النمو ولكنا نجهل إلى حد كبير الكيفية التي تؤدي بها عملها .

٤ - واخيرا من منكم سيكون الكولبس الذي يجوب البحار التي تفصل بين عالم الحياة وعالم الموت

ولقد كان هذا أعظم ما خفي علينا ، حتى ظنه البعض منا غير قابل للكشف ؛ لكن اكتشافات جديدة لبعض البكتريا الصغيرة وغيرها من الكائنات التى بلغ من دقتها أنها تستطيع النفاذ من خلال ادق المرشحات الصينية ،

هذه الاكتشافات تبدو كأنها قادرة على اجتياز ذلك الخليج الذي يفصل بين الكائنات الحية والكائنات التي لا حياة فيها

والمجهر الحديد الذي ترمي الكهربات ) أو الكهارب ( من خلاله قد يكون في ذاته وسيلة نقل تعبر بنا إلي احدث العوالم . فمن منكم سيصحب اميرال هذا المحيط في سفراته ؟

" وإني أختم كلمتي بعبارة منقولة عن العالم الشهير لويس باستور ومنقوشه على جدران مقبرته في معهد باستور بباريس وهي : السعيد هو الذي له في نفسه وفي زوايا قلبه إله أو مثل أعلى يستمع له ويطيعه على الدوام - مثل أعلى للفنون ، ومثل أعلى للعلوم ، ومثل أعلى للفضائل . ففي هذه كلها تكمن ينابيع الفكر العظيمة والأعمال الخالدة . فهي جميعا تشع علينا نورا منعكسا من الأبدية

اشترك في نشرتنا البريدية