من بين المطبوعات الحديثة لهيئة الأمم المتحدة تقرير وضعته نخبة من صفوة رجال الفكر الاقتصادي العالميين عن "وسائل التنشئة الاقتصادية للدول المتخلفة ؛ وهو تقرير يجدر بكل من تهمه هذه المسائل أن يطلع عليه . ولفائدة من لا تمكنه ظروفه من هذا الاطلاع تنقل هنا بعض فقرات منه .
- لن يحدث التقدم الاقتصادي إلا إذا وجد الجو الملائم له . فلابد من وجود الرغبة أولا لدى أهل الدولة أنفسهم للتقدم . كما يجب أن تكون مؤسساتهم الاجتماعية والاقتصادية والتشريعية والسياسية ملائمة له .
لن تتولد الرغبة في التقدم الاقتصادي في مجتمع لا يعتقد أفراده في إمكان هذا التقدم . فإن التقدم لا يحدث إلا حيث يعتقد الناس أن الإنسان بوسعه ان يسيطر على الطبيعة بالسعي المتعمد وقد استغرق العقل البشري وقتا طويلا في تعلم هذا الدرس . ولكن الناس اينما تعلموه يصبحون تجريبيين في موقفهم من الأساليب المادية ، والمؤسسات الاجتماعية ، وما إليها . وهذا التكيف التجريبى أو العلمي هو أحد الشروط اللازم توافرها لحدوث التقدم . ويحدث التقدم في أعظم صوره في الدول التي يكون فيها التعليم منتشرا ومشجعاً للطريقة التجريبية .
- التقدم الاقتصادي السريع مستحيل بدون إجراء تعديلات مؤلمة . فلابد من التحرر من الآراء الفلسفية العنيفة ، وحل المؤسسات الاجتماعية القديمة ، وهدم حواجز الطوائف والمذاهب والأجناس وسوف يصطدم عدد كبير من الناس الذين لا يمكنهم مسايرة التقدم بعدم تحقق أملهم في حياة مريحة . وقليل جدا من المجتمعات تكون عندها الرغبة في دفع ثمن التقدم الاقتصادي السريع كاملا .
- في رأينا ان هناك عددا من الدول المتخلفة حيث يحمل تركيز السلطة الاقتصادية والسياسية في أيدي طبقة صغيرة - كل همها المحافظة على ثروتها وحقوقها - على تحطيم كل
أمل في تقدم اقتصادي ، إلا بقيام ثورة اجتماعية تؤدي إلي تعديل توزيع الدخل والسلطة.
- لا يمكن أن يحدث تقدم اقتصادي إلا إذا كان جميع قادة الدولة من سياسيين ، ومعلمين ، ومهندسين ، وقادة أعمال ، وزعماء نقابه عمال ، ورجال دين ، وصحفيين ، راغبين في التقدم الاقتصادي للدولة ومستعدين لدفع الثمن . ألا وهو خلق مجتمع تنعدم فيه الامتيازات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية . ومتى توفرت القيادة الصالحة والرغبة العامة في التقدم ، فإن جميع مشاكل التقدم الاقتصادي تخضع للحل . فمما لاشك فيه أن الشعوب تتأثر بطبيعة الحكام ، فإذا كان القادة رجعيين أنانيين فاسدين كانت الشعوب بدورها خائرة العزم ، عاجزة عن الابتداع ، أما إذا اكتسب القادة ثقفة الدولة وأثبتوا انهم جادون في استئصال شأفة الامتيازات والفروق البينة ، فإنه يمكنهم بلا شك أن يبثوا في الشعب روح التحمس الجارف للتقدم .
- المشاريع الخاصة سوف لا تؤتي أفضل ثمارها إلا إذا كان النظام التشريعي والاجتماعي يضمن للقائم بالعمل الحصول على ثمرة جهده . وأهم مجالات هذه المشاريع الخاصة التي لا تلقى العناية الكافية في الدول المتخلفة التعاقد بين المزارع والمالك . إذ ينبغي أن تكون تشريعات الإيجارات بحيث تحمى المستأجر من الاضطرابات الاستبدادية وتضمن له استمرار علاقات هادئة طالما يجيد زراعة الأرض . كما يجب أن تكفل له هذه التشريعات تعوضات عند نهاية مدة الإيجار عن كل تحسينات أدخلها ولم تستهلك بعد .
- في كثير من الأحوال يستدعي الأمر إصلاحا أعمق أساسا من تشريعات حماية المستأجرين . ففي كثير من البلاد المتخلفة نجد القائم بزراعة الأرض موضع استغلال قاس من طبقة الملاك الذين لا يقومون بأي عمل اجتماعي مفيد . هذه الطبقة تسعى إلي الحصول علي أكبر قسط من الزيادة في الإنتاج الزراعي ، فهي بمثابة حجر الرحي في عنق المستاجرين
تعوقهم من ناحية عن إدخال أي تحسينات على الزراعة ، ومن الناحية الأخرى تمتص كل دخلهم ، فلا يبقى لهم منه ما يكفي لادخار مبلغ يمكنهم استثماره في الأرض . ففي مثل هذه الدول يستلزم التقدم الزراعي التخلص من هذه الطبقة من الملاك . وليست هذه هي الخطوة الوحيدة اللازمة ، بل يجب أيضا تنظيم العمل ، وإعادة النظر في حجم الوحدة الزراعية ، وما إلى ذلك . ولكنها على أي حال أول خطوة لازمة لإطلاق الطاقة الإنتاجية للشعب من عقالها .
- يجب أن نعترف بأن هناك عقبات قوية في سبيل أي تقدم فني عام في الدول المتخلفة . فإن تفهم الطرق الفنية الحديثة بهذه الدول عملية صعبة باهظة التكاليف . وحتى في حالة التحسينات الزراعية البسيطة السابقة الإشارة إليها نجد الأمر يستدعي وجود إدارة منظمة في الهيئات الزراعية الحكومية تحتوي على الكفاية من الخبراء والفنيين وتستطيع توسعة نطاق خدماتها بحيث تصل إلى الفلاحين وتقوم بتعليمهم . وعلى العموم لابد من الوصول إلى مستوي أساسي معين للتعليم ومحو الأمية بين المنتجين لكي تضمن تقدما واسعا في الناحية الفنية . وهذا يستلزم نشر التعليم في جميع مراحله ، مما يستدعي إنشاء معاهد التعليم التي بدونها لا يمكن نشر التعليم والمحافظة على المستوي اللازم له . فكأن أولى الصعوبات العظمي في سبيل التقدم الفني في الدول المتخلفة هو عدم وجود دعامة تعليمية وإدارية تهيئ للمنتجين الفرصة كي يتعلموا الأساليب الفنية الحديثة .
- يجب أن تبدأ خطة التقدم الاقتصادي بتوسيع اختصاص المعاهد المحلية لتقوم بتدريب المستخدمين المطلوبين من جميع المستويات . فإن التدريب المحلى في نفس البيئة التي سيمارس الناس فيها عملهم له مزايا واضحة بجانب توفير تكاليف الفنيين الأجانب الباهظة لندرتهم . إذ لا يمكن للتقدم المفروض من السلطات العليا أو المستورد من الخارج أن يتخذ صفة الدوام أو التولد الذاتي . فالتعليم الحديث والأساليب الفنية الجديدة لا يمكن أن تؤتي خير ثمارها إلا إذا هضمت جيدا وبدأت تنمو علي أساس من التقاليد الوطنية .
- وتدريب الفنيين بسيط نسبيا ، والأصعب منه هو تدريب الهيئة الإدارية ، لأن الصفات اللازمة للادارة الناجحة من الصعب اكتسابها في أي معهد تدريبي ، بل لابد من
تعلمها في العمل نفسه . وهذه هي إحدي النواحي التي يتفوق فيها الأسلوب الديمقراطي في الحياة على كل ما عداه كشرط للتقدم الاقتصادي . إذ المرء يتعلم الإدارة بالمساهمة فيها . وعلي ذلك فإن التعلم يكون أسرع في الدول التي تنتشر فيها المعاهد ذات الحكم الذاتي ، بما في ذلك الهيئات الحاكمة المركزية والمحلية حتى إلى مستوي المجالس القروية ، والحركات التعاونية ، والنقابات العمالية ، والجماعات الحكومية أو الحرة العديدة الآخرى التي يميل الناس الأحرار إلى التكتل فيها . وعلى النقيض من ذلك تجد أن تعلم فن الإدارة مقصور على فئة محظوظة فقط في المستعمرات وفي الدول الأخرى التى تستبعد فيها أغلبية الشعب عن المشاركة في الحكم كإداريين أو سياسيين ، أو من الاشتراك في إدارة مشاريع خاصة . وهذا الإقصاء عن المشاركة يفسر أحيانا بأنه لرعاية المصالح المزعومة للشعب نفسه الذي يجب - على حد قولهم - أن يتعلم أولا فنون الإدارة قبل أن يؤتمن على القيام بها فعلا . هذا الدفاع في رأينا خاطئ ، إذ أنه ليست هناك وسيلة لتعلم الإدارة إلا بممارستها.

