الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 39الرجوع إلى "الثقافة"

التقسيم الرابع لبولونيا، وتطورات الموقف بعد تدخل روسيا

Share

قلنا في مقالنا في العدد الماضي من " الثقافة " تعليقا على موقف روسيا السوفييتية من الحوادث الأوربية ما يأتي :

" إن نصوص الميثاق الألماني السوفيتي لا تدلي في ظاهرها بشيء أكثر من تعهد بتبادل عدم الاعتداء ، وعدم انضمام أحد الفريقين المتعاقدين إلي كتلة معادية للاخر ؛ ولكن من المرجح أن يكون مصير بولونيا قد تقرر

بتفاهم الفريقين ؛ فهل يعيد التاريخ نفسه ؟ وهل تشاطر روسيا ألمانيا في الوقت المناسب مشروعها في تمزيق هذه الامة العريقة الباسلة واقتسامها من جديد ؟ في الأنباء الأخيرة أن روسيا تقوم بتعبئة جزئية لحيوشها من ناحية الحدود البولونية ؛ ولكنا لانعتقد أن روسيا تنوي أن يدخل الحرب إلي جانب ألمانيا ؛ وهي قد تنتهز هذه الفرصة فتحتل

بعض مناطق في بولونيا الشرقية والجنوبية تدعي حقوقا عليها ؛ ولكنها تؤثر بلا ريب أن تبقى بعيدا عن هذه المعركة التي تتحطم فيها قوي الدول "البورجوازية " .

هذا ما كتبناه قبل أن تقتحم الجنود الروسية حدود بولونيا الشرقية بأيام قلائل وقد اقتحم الجيش الإحمر بالفعل حدود بولونيا الشرقية من حدود لانافيا شمالا حتى حدود رومانيا جنوبا ، وذلك في فجر يوم الأحد ١٧ سبتمبر ؛ ووجهت الحكومة السوفيتية قبيل ذلك إنذارا إلي سفير بولونيا فى موسكو ، جاء فيه أن الحكومة البولونية قد انهارت ولم يبق لها وجود ، وأن الجيش السوفيتي سيعبر الحدود البولونية علي طول الحدود الشرقية ، ليقوم على حماية الأقليات الروسية من الروس البيض والأوكرايين في بولونيا ، وإن ذلك لا يؤثر في حياد روسيا في الحرب القائمة . . ولم تمض ساعات قلائل على هذا الإنذار الذي رفض أن يتسلمه السفير البولوني ، حتى دخل الجيش الأحمر بولونيا من عدة مواقع واعترضته الجنود البولونية حيثما استطاعت ، ونشبت بينهما وقائع محلية ؛ وأذاع الرفيق مولوتوف رئيس مجلس وكلاء السوفيت ، ووزير الخارجية الروسية بيانا قال فيه : إن نوغل الجيوش الألمانية في بولونيا قد أثار موقفا جديدا في أوربا الشرقية ، وإن انهيار بولونيا يهدد سلامة الاتحاد السوفيتي ، وإن القوات السوفيتية اجتازت حدود بولونيا لتقوم على حماية سكان الأقاليم الغربية من روسيا البيضاء وأوكرانيا ؛ وأكد الرفيق مولوتوف في الوقت نفسه في مذكرة وجهت إلي جميع ممثلي الدول بأن روسيا لا تنوي دخول الحرب وأنها باقية على حيادها .

على أنه فيما كان شأن هذه الأعذار التي تنتحلها حكومة موسكو لتبرير عملها ، فإنه بلا ريب اعتداء على بولونيا ، وطعن لها من الوراء ، واستغلال لمحنتها المؤلمة ؛ وهو خرق صريح لعهود موسكو تجاه بولونيا ، ونقض

الميثاق عدم الاعتداء المعقود بينها وبين بولونيا منذ سنة ١٩٢٣ ، والذي مدا أجله بعد ذلك إلي سنة ١٩٤٥ ، ونص فيه على أنه يستحيل على احد الفريقين المتعاقدين ان يتذرع بأي اعتبار سياسي أو اقتصادي أو عسكري لتبرير الاعتداء على الفريق الآخر ودخول أراضيه

وتعتمد روسيا السوفيتية في طعن بولونيا من الوراء على مسألة الأقليات ، وهو نفس العذر الذي تذرعت به ألمانيا الهتلرية لغزو بولونيا واجتياحها . ولا بد لنا من القول بأن مسألة الأقليات في أوربا الوسطى هي إحدي المسائل الشائكة التي خلقتها معاهدة فرساي ، ولم توفق إلى حلها ؛ وقد سقطت تشيكوسلوفاكيا صرعي مشكلة الأقليات ، وكانت سلاح المانيا في تمزيقها ثم ابتلاعها ؛ وفي الفجر وفي رومانيا وفي يوجوسلافيا أقليات ، تخشى هذه الدول أن تكون وما سبيل تمزيقها ومحنتها .

وقد كانت بولونيا حسبما أنشأتها معاهدة ثمرساي تضم بين سكانها الثلاثين مليونا نحو عشرة ملايين من الاقليات ، ومن هؤلاء نحو ستة ملايين من الاوكرانيين والروس البيض ، واوكرانيا كما هو معروف أحد الأقاليم الروسية وإحدي جمهوريات اتحاد السوفيات ، وهي تقع في شرق جنوبي بولونيا ؛ وتقع روسيا البيضاء وهي ايضا من الأفم الروسية شرقي بولونيا ؛ وقد استولت بولونيا منذ أواخر الحرب الكبرى على بقاع واسعة من هذين الاقليمين ، وحاولت روسيا السوقيتية استردادها في حرب نشبت بينها وبين بولونيا سنة ١٩١٩ ، ثم عقد الصلح بين الدولتين في سنة ١٩٢٠ ، واستطاعت بولونيا بمؤزارة الحلفاء أن تحتفظ بالاراضي التي تدعيها روسيا .

والآن نجد روسيا السوفييتية في محنة بولونيا الحاضرة ما يسهل لها سبيل الاستيلاء على هذه الأقاليم التي كانت قبل الحرب ، مثل بولونيا ذاتها ، جزءا من أراضيها .

وأهم ما يجب التساؤل عنه الآن هو : هل تقوم روسيا بهذه الحركة بناء على اتفاق سابق بينها وبين ألمانيا ؟ وهل يكون هذا التفاهم من ذيول الميثاق الآلماني السوفيتي؟ أم أن روسيا قد هالها توغل ألمانيا السريع في بولونيا ، فبادرت من تلقاء نفسها لاحتلال المناطق التي تدعي حقا عليها قبل أن تقع في يد الجيش الألماني ؟

وثانيا : هل تقف روسيا عند احتلال هذه المناطق وتبقى على حيدتها أم هل تكون هذه أول خطوة في برنامج واسع النطاق ترمي موسكو بتنفيذه إلى استرداد مناطق اخري علي حدود روسيا الغربية ، سواء في دول البلطيق أو رومانيا ؟ وماذا يمكن ان يترتب على ذلك من التطورات السياسية والعسكرية ؟

فأما عن الأمر الأول ، فإنه من المرجح والمعقول أن يكون سير يوثونيا قد تقرر بتفاهم ألمانيا وروسيا ؛ غير أنه يستفاد من جهة اخري من مختلف الأنباء والتعليقات أن حركة الجيش الأحمر ، إنما هي في الغالب حركة مستقلة ، وأن روسيا رأت أن تضع يدها على المناطق البولونية التي تسكنها أقليات روسية قبل أن تقع في يد الجيش الآلماني ؛ وقد احتل الجيش الأحمر بالفعل معظم هذه المناطق ، والتقى بالجبش الألماني في برست نتوفك شرقي وارسو . والظاهر أن الأنباء الأخيرة عن سير القتال في بولونيا تنبيء بأنه لن يمضي طويل حتي يتغلب الغزاة من الجانبين على مقاومة بولونيا الباسلة ، ويحتلها الجيشان الفاتحان بأسرها ، ويستقر الروس في الجبهة الشرقية كلها من الشمال إلي الجنوب ، ويستقر الألمان في المناطق الوسطي والغربية كلها ؛ ثم يجري الاتفاق بين الفريقين على تقسيم بولونيا ؛ والمرجح أن يقع التقسيم على الوجه الآني : تحتل روسيا شرفي بولونيا المنعم لاقليم روسيا البيضاء ، وجنوب شرقي بولونيا المنعم لاقليم اليوكرين بما في ذلك مدينة ليفوف  (أولبرج ) ؛ وتضم ألمانيا إليها منطقة وانزج والممر وسبليزيا ، وتضع بولونيا الوسطي تحت حمايتها ، علي محو ما فعلت ببوهيميا ومورافيا .

وهذا هو التقسيم الرابع لبولونيا ، يقع علي يد عدويها التاريخيين ألمانيا وروسيا .

وقد كانت بولونيا أمة حرة ومملكة عظيمة مستقلة ؛ فعملت المانيا ، او بعبارة اخري عملت بروسيا ، منذ أواخر القرن الثامن عشر على تمزيقها وتقسيمها بالاتفاق مع النمسا وروسيا ؛ ووقع هذا التقسيم على ثلاث مراحل في سنة ١٧٧٢ و ١٧٩٣ و ١٧٩٥ ؛ واستولت كل من الدول الثلاث على قسم من أراضيها ، ومحيت بذلك بولونيا من عداد الدول المستقلة ، بالرغم من دفاعها المجيد في كل مرة

عن كيانها واستقلالها ؛ ثم قامت بمعاونة نابوليون الأول دولة بولونية مستقلة عرفت " بدوقية وأرسو " ، ولكنها لم تمش طويلا ، وابتلعتها روسيا ؛ وليت بولونيا ترسف في أغلال الاستبعاد حتي أواخر الحرب الكبري ، حيث انتهزت فرصة انهيار روسيا القيصرية ، وأعلنت استقلالها على يد جمعية وطنية تأسيسية(سنة ١٩١٨) واعترفت معاهدة قرساي في سنة ١٩١٩ ، بالدولة البولونية الجديدة ورسمت حدودها

والأن يمحي فصل جديد من فصول معاهدة فرساي ، وبقع التقسيم الرابع لبولونيا تحت سمع أوربا وبصرها .

وأما عن الأمر الثاني ، وهو هل تقف روسيا عند هذه الخطوة أم أنها ترمي إلي استرداد أراض أخرى في دول البلطيق أو رومانيا ، وماذا يمكن أن يترتب على ذلك من التطورات السياسية والعسكرية ؟ فالظاهر أن روسيا ترمي إلي الاستيلاء على بعض الأقاليم الآخرى التي فقدتها في الحرب الكبرى ، وبالأخص إقليم بسارابيا الذي استولت عليه رومانيا ، ولتونيا ( لا نافيا ) واستونيا اللتين غدنا جمهوريتين مستقلتين ؛ وبسارابيا تمتد من مصب الدانوب شمالا حتى حدود بولونيا ، وقد طالبت مها روسيا مرارا ؛ والاستيلاء على لتونيا واستونيا يعيد إليها السيطرة على شمالي بحر البلطيق ، ويعيد إليها ثغري ريغا ورفال أما لتوانيا فريما تركتها روسيا لآلمانيا ؛ وسواء أقدمت روسيا على تنفيذ خطتها بتفاهم سابق مع المانيا ، أم كانت مستقلة في تنفيذها ، فإن ألمانيا في ظروف لا تسمح لها بمقاومة رغبات روسيا أو إثارة خصومتها . وروسيا ترمي على أي حال إلي رد الغزو الألماني عن شرفي أوربا ما استطاعت ، وخصوصا عن سهول اليوكرين ، ومصب الدانوب وشواطئ البحر الأسود ، وهي في ذلك لا يمكن

أن تشعر بعاطفة الصداقة نحو ألمانيا

وإذا استولت روسيا على بسارابيا ، وترتب على ذلك ان قاومت رومانيا ودخلت الحرب ضد روسيا ، فالمرجح ان تدخل المجر الحرب ضد رومانيا بضغط ألمانيا ، مطالبة بأقليم ترانسلفانيا المجري الذي يقع في غربي رومانيا ؛ وعندئذ يصبح من العسير على دول البلقان الأخري ، ولا سيما يوجوسلافيا وتركيا ، أن تبقى على الحياد .

وتدل القرائن كلها ، وخصوصا بعد أن عقدت روسيا مع اليابان هدنة عسكرية في الشرق الأقصى ، على ان روسيا تزمع أن تقوم بدور ذي شأن في ميدان الحوادث الأوربية ، غير أنه ليس ثمة ما يحمل على الاعتقاد بأن روسيا البلشفية قد تدخل حربا أوربية إلي جانب ألمانيا الهتلرية ، أو تقدم على معاونتها على قتال الدول الغربية بصورة مباشرة .

اشترك في نشرتنا البريدية