الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 149الرجوع إلى "الثقافة"

التقليم والتطعيم، فى القانون

Share

عقد الأستاذ الجليل أحمد بك أمين فصلين مانعين أفرد الكلام فيهما على عمليتى التقليم والتطميم فى الأدب أولا وفى اللغة ثانيا . فهل لمجلة ((الثقافة)) أن تفسح صدرها لكلمة على ((التقليم والتطعيم فى القانون)) ؟

إن القوانين مقياس رقى كل أمة ، ومرآة تنعكس فيها مدنية الشعوب وحضارة الأمم . فالقوانين إذا دقت نصوصها وعالجت أحكامها مختلف الأمراض الاجتماعية ، فردعت المجرم ، وأنصفت المظلوم ، وردت إلى كل ذى حق حقه ، كانت الأمة التى تتمتع بمثل هذه القوانين أمة بلغت من الدنية شأوا كبيرا . أما إذا عاب قوانينها قصور ، وردت المظلوم على أعقابه دون نصقة ، أو فر

المجرم من العقاب من ثغرة فى نصوصها ، كانت الأمة التى تقنع بمثل هذه القوانين أمة لا يرجى منها ارتقاء أو تقدم .

وليست القوانين مجرد نصوص تتقابل فتتفق ، فرب قانون صدر فى عصر أو لبلد فوافقت احكامه أهله ، إذا طبق فى عصر آخر أو نقل إلى غير هذا البلد باء يالفشل المبين ؛ فلكل عصر ضروراته ، ولكل بلد عرفه وعاداته .

ومهمة الشارع فى بلده مهمة البستانى فى بستانه : هذا يقلم ما ذيل من أزهار وما جف من أغصان ، ليقوى أصلها الصالح ، أو يطعم الشجرة والورد ليحسن ثمارها وبعطر عبيره ، وذاك يقلم ما بلى من نصوص ، فيعدل معوجها ، ويقوم أودها ، أو يطعم المواد ويغذيها ليتناول مدلولها كل حالة وكل الحاجة . لذلك وجب أن تكون للقوانين مرونة تساعدها على التطور ومجاراة الرقى ، أما إذا تحجرت وجمدت وقفت عثرة وعقبة .

فهذه القوانين المصرية وضعت نصوصها المعمول بها أمام المحاكم المختلطة فى سنة ١٨٧٥ - أى منذ ٦٦ سنة - والمعمول بها أمام المحاكم الأهلية فى سنة ١٨٨٣ - أى منذ ٥٨ سنة - والمعمول بها أمام المحاكم الشرعية فى سنة ١٨٩٧ - أى منذ ٤٥ سنة . فقوانينا سقت أحكامها لنصف قرن مضى أو يزيد ، دون أن تعدل أو تهدب ، أو بعبارة أخرى دون أن تقلم  أو تطعم - إلا فى النادر - فبقيت كما هى جامدة ، والفلك يدور دورته ، والبلد يتطور ، والناس يتقدمون .

لذلك أصبحت القوانين المصرية فى حاجة إلى التقليم والتطعيم .

أما التقليم فعلى نوعين : شكلا وموضوعا أما الشكل فباستبدال الألفاظ البالية غير العربية والتراكيب الركيكة بكلمات وجمل عربية صحيحة .

فهذا القانون المدنى الأهلى نص فى المادة ١٢٤ منه على أنه ( إذا كان المتعهد به عبارة عن مبلغ من الدراهم . . . ) مع أن الدرهم عملة انقرضت من عهد العرب ، وهى كلمة يونانية معربة مشتقة من كلمة ( Drachma )وكانت تساوى خمسين دانقا ، وأول من ضربها عمر بن الخطاب فى السنة الثامنة عشرة من الهجرة . وكذلك نصت المادتان ٥ و٤١١ من قانون المرافعات الأهلى على غرامة ( مائة فرش ديوانى ) مع أنه اصطلاح يرجع عهده إلى أيام كانت معبر فيها تابعة لتركيا .

ونصت المادة ١٣٥ مدنى على أن ( لا يكون الاكراه موجبا لبطلان المشارطة إلا إذا كان شديدا بحيث يحصل منه تأثير لذوي التمييز . . . )) فلماذا لا تستبدل هذه الجملة الأخيرة بتركيب أصح كأن يقال مثلا ( بحيث يؤثر فى شخص مميز )) .

وبعدها مباشرة نجد المادة ١٣٦ تنص على أن ( التدليس موجب لعدم صحة الرضا إذا كان رضا المتعاقدين مترتبا على الحيل المستعملة له من المتعاقد الآخر بحيث لو لاها لما رضى ) والأصح أن يقال : (( يفسد التدليس الرضا إذا كانت الحيل المستعملة ضد المتعاقد من الخطر بحيث أنه لو لاها لما رضى )) .

وفى المادة ١٥٠ نص الشارع على أن (( كل فعل نشأ عنه ضرر للغير يوجب ملزومية فاعله بتعويض الضرر . . . )) أليس أخف على السمع وأقرب إلى الصواب أن يقال : (( كل من تسبب فى إضرار شخص يلزم بتعويض الضرر )) .

ونصت المادة ٣٣٣ على أنه (( يجوز للمحكمة أن تعطى لأسباب قوية ميعادا للمشترى لدفع الثمن مع وضع البيع تحت الحجز عند الاقتضاء )) وعبارة (( تحت الحجز )) لا يمكن فهمها إلا بالرجوع إلى النص الفرنسى ، ومنه تبين أن نية الشارع كانت (( تحت الحراسة القضائية )) .

ومثل القانون المدنى قانون المرافعات . فقد حشيت مواده بفاحش أغلاط النحو والصرف :

فقد نصت المواد ٧ و ٨ و ١٩ من قانون المرافعات الأهلى ودكربتو ٤ يونيه  سنة ١٨٩١ على (( مدير الأقاليم )) و (( نظار الدواوين العمومية )) و (( نظار الدوائر )) و (( وكيل الحضرة الخديوية )) و (( سردار الجيش )) و (( ممالك الدولة العلية وهذه كلها أسماء ووظائف وبلاد لا وجود لها الآن .

ونصت الفقرة الخامسة من المادة ٨ على (( القطر المصرى )) . وكلمة (( قطر )) معناها الناحية أو الجانب ، وفيها معنى التبعية إلى دولة أخرى . وهى إن شاعت أيام تبعية مصر إلى تركيا فلا يصح استعمالها بعد إعلان استقلالنا . وأجدر بنا أن نستبدلها بكلمة (( الدولة

المصرية )) أو (( المملكة المصرية )) .

ونصت المادة ١٧ على أنه (( يزاد على الميعاد يوم ل كل مسافة ثمانية ساعات  . . . )) وصوابها (( ثمانى ساعات )) ثم ذكرت (( الخصم الصادر له التنبيه )) بدل (( المعلق إليه )) .

وقالت المادة ١٨ : (( يصير امتداد الميعاد إلى اليوم الذى بعده )) بدل أن نقول (( يمد الميعاد إلى اليوم التالى )) .

وأرادت المادة ١٩ أن تقول (( موانىء المشرق )) ((مينات المشرق)) .

وذكرت المادة ٢٣ (( مصاريف المرافعات ))  وهى تعنى ((مصاريف الاجراآت))

وذكرت الفقرة الرابعة من المادة ٢٦ ((خصائص قاضى الأمور الجزئية )) والصحيح ((اختصاصه)) .

وقالت المادة ٢٨ ((الأخصام)) وصواب ((الخصوم)) ومنه : ((وعند الله تجتمع الخصوم)) ، ويقولون ((خزينة المحكمة)) وصوابها (( خزانة )) وجمعها ((خزائن)) وقد جاء فى التنزيل : ((قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى)) ، وجاء فى سورة المنافقين : ((ولله خزائن السموات والأرض)) .

وذكرت الفقرة الثالثة من المادة ٣٤ ((شركات السيكورتاء)) والصواب ((شركات التأمين)) كما نصت الفقرة السادسة منها على أنه ((يجوز لمن طلب بدعوى كونه ضاعنا أن يطلب رؤية الدعوى عليه)) وصواب هذه الجملة الأعجمية ((يجوز للضامن أن يطلب نظر الدعوى فى مواجهته)) .

ونصت المادة ٦٨ على ((المصالحة بين الأخصام)) بدل ((الصلح بين الخصوم)) .

ونصت المواد ٨٠ و٨٢ من قانون المرافعات و٤٢ من قانون تحقيق الحنايات على (( جدول مخصوص )) و(( نظام عمومى )) و(( نائب عمومى )) بدل من (( جدول

خاص )) و(( نظام عام )) و(( نائب عام ))

ونصت المادة ٨٠ مرافعات على (( الدعاوى الغير مستعجلة )) بدل ((الدعاوى غير المستعجلة)) كما نصت على أن مثل هذه الدعاوى ((يجري قيدها)) بدل ((تقيد)) .

ونصت المادتان ١٠٦ و١٥٧ على (( دفتر الجلسة )) والجلسة ليس لها دفتر بل لها ((محضر)) .

ونصت المواد ٢٢٣ إلى ٢٤٤ على ((مأمورية أهل الخبرة يدل ((مهمة الخبراء))

وجاء عنوان الفصل الثالث من الباب الثامن من الكتاب الأول (( فى التماس إعادة الحكم بالمحكمة التى أصدرته )) سبع كلمات بدل ثلاث (( التماس إعادة النظر ))

وأخيرا يقع نظرك فى كل صفحة من كتب الفقه ، وفى كل سطر من أحكام المحاكم على كلمة (( مشرع )) مع أن صوابه (( شارع )) . فيقال شرع لهم شرعا أى سن فهو شارع ، وماسنه مشروع . وأماشرع فمعناها بين ، يقال شرع وأشرع الطريق أى بينه ، وشرع فلانا فى الماء حوضه .

ومثل القانون المدنى وقانون المرافعات قانون تحقيق الجنايات . فقد نصت المادة ٨ منه على (( مشاهدة الجانى متلبسا بالجناية . . . )) مع أن المجرم لا يكون متلبسا بالجريمة ، بل الجريمة هى التى يكون متلبسا بها .

على أن قانون تحقيق الجنايات نفسه لا ينطبق اسمه على مسماء   فكان أصح أن يطلق عليه اسم (( قانون تحقيق الجرائم )) لأنه يشمل المخالفات والجنح والجنايات ، ولم تقتصر أحكامه على الجنايات فحسب .

هذا عن الأغلاط اللفظية والعربية . وناهيك بأغلاط الترجمة . فمثلا ترجم الشارع المادة ٥٤ (( جنسية المتوفى))) ب ((الملة التابع لها المتوفى))

وترجم فى المادة ٢٧٣ من قانون العقوبات الأهلى

((بلاغ الزوج)) ب ((دعوى الزوج)) .

وترجم فى المادة ٢٧٥ منه ((الشريك فى الزنا)) بكلمة ((الزانى)) فخلط بين أحكام الفاعل الأصلى وأحكام الاشتراك .

هذا عن التقليم فى شكل القوانين . أما عن هذه العملية من جهة الموضوع فهى تتناول حكم المادة لا نصها ، ومعناها لا مبناها .

ومن ذلك أن قانون المرافعات وضع أحكاما غريبة جدا فى تقدير المسافة - سواء فى داخل الدولة أو فى خارجها - وهى إن كانت تساير العصر الذى وضعت فيه إلا أنها لا تتفق مع سهولة طرق المواصلات وسرعتها فى أيامنا هذه .

فمثلا نصت المادة ١٧ على احتساب ميعاد المسافة باعتبار يوم عن كل ثمانى ساعات سيرا ( فى الأهلى ) أو ٤٠ كيلو مترا ( فى المختلط ) وعن كل ما يزيد من الكسور على خمس ساعات أو ٢٥ كيلو مترا . وإذا كان السير بالسكة الحديدية فينقص الميعاد إلى النصف . وعلى هذا يكون ميعاد المسافة بين الاسكندرية والقاهرة ثلاثة أيام باعتبار يومين عن كل ١٦٠ كيلومترا ويوم ثالث عن الجزء الباقى من المسافة الزائدة على خمسين كيلومترا

أما الأشخاص المقيمون خارج الدولة فينطبق عليهم حكم المادة ١٩ التى تنص على أنه يحسب الميعاد باعتبار ستين يوما بالنسبة إلى تركيا وبلاد سواحل البحر الأبيض المتوسط ، ومائة وثمانين يوما لبلاد أوربا الآخر وموانئ الشرق لغاية ميناء بوقوهاما ، وثلاثمائة وستين يوما للبلاد الأخرى . فتأمل !

وكما أن قانون المرافعات ينص على مواعيد طويلة يجب تقصيرها ، كذلك ينص على مواعيد قصيرة يجب مدها . فالمادة ٥٧٦ منه تنص على أنه يجوز للمشترى الراسى

عليه المزاد أن يقرر فى قلم الكتاب أنه اشترى لذمة شخص آخر فى خلال أربع وعشرين ساعة من إيقاع البيع ، مع أن المادة ٦٥٨ المقابلة لها فى القانون المختلط تمهله ثلاثة أيام .

ولعل أظرف ما فى القوانين من مضحكات - وكم فى مصر من مضحكات ، ولكنه . . . - ما نصت عليه المادة ١٤ من الملحق الثالث من ملاحق قوانين الجيش الصادرة فى سنة ١٩١٥ من أنه (( إذا رغب أحد الضباط الذين لا يعرفون الكتابة والقراءة أن يتقدم للامتحان لترقيته . . . . ) فيستصدر ترخيصا من سردار الجيش ، وعند الامتحان التحريرى يضم إليه (( كاتب - يكون ملكيا متى أمكن - وهذا الكاتب يكتب أجوبة الضابط كلمة بكلمة بحسب ما يمليها عليه )) ! فهل يسوغ أن تبقى مثل هذه المخلفات من عهد الأمية والجهل والحماية ، ونحن نريد لمصر نهضة مزدهرة ؟

أما عملية التطعيم فتنحصر فى إيجاد أحكام وترتيب نصوص للحالات التى خلا القانون من بيان حكمها . وفى طليعة هذه الحالات حكم الملكية الأدبية والفنية والصناعية والعلمية .

فقد نصت المادة ١٢ من القانون المدنى الأهلى على أنه (( يكون الحكم فيما يتعلق بحقوق المؤلف فى ملكية مؤلفاته وحقوق الصانع فى ملكية مصنوعاته على حسب القانون المخصوص لذلك )) وقد انقضت ثمانية وخمسون عاما على وضع هذا النص ولم يصدر القانون المنشود حتى الآن !

كذلك من المسائل التى تتطلب نصوصا صريحة فى القانون :

- النص فى قوانين الأحوال الشخصية على جواز

الحجر على المقتر إذ تحجر قلبه وقست نفسه وشح على أقربائه ، وذلك أسوة بجواز الحجر على المبذر والسفيه ، إذ أن الاثنين لا يحسنان التصرف فى أموالهما ولا إدارة شؤونهما .

- النص فى قانون العقوبات على وجوب اعتبار الصورية جريمة ، وجعل حكمها حكم النصب ، وعلى وجه أخص النص على اعتبار تغيير الدين أو المذهب أو الملة تخلصا من زوجة أو فرارا من حكم نفقة جريمة تقع تحت طائلة قانون العقوبات .

- النص فى قانون المرافعات على جواز الحكم بشطب العبارات الجارحة بالقضاة والمحامين والمتقاضين وغيرهم من المذكرات والأحكام . والنص على اعتبار الحكم حضوريا بالنسبة إلى الخصم الذى أعلن شخصيا بورقة  التكليف بالحضور ، ولو غاب يوم الجلسة . والنص على  إعطاء الدائن العادى حق طلب توقيع الحجز التحفظى على منقولات مدينة ، إذا كان بيده سند ولو عرفيا أو بغير سند بعد الحصول على إذن القاضى ( أسوة بالمالك المؤجر ) .

- النص فى القانون المدنى على تحويل القاضى حق  إصدار أمره - والدعوى مطروحة أمامه - باتخاذ الوسائل المؤقتة ( كتعيين حارس مطلقا والأمر بعدم تصرف المدعى عليه فى أملاكه ) ضمانا لسهولة تنفيذ الأحكام . والنص على جواز أخذ اختصاص على أملاك المدين بناء على محاضر تحقيق أو دلائل قوية ، ولو لم يكن بيد الدائن حكم قضانى . والنص على جواز طلب إشهار إفلاس المدين إذا كان مليئا ، ولكنه تعمد عدم الدفع للاضرار بدائنه ، وتعيين مصف يتولى إدارة أملاكه وتسديد ديون الدائنين ( أسوة بالتاجر ) .

- النص فى قانون تحقيق الجنايات على جواز رفع جنحة مباشرة على من أدى يمينا حاسمة كاذبة أسوة بمن

يؤدى يمينا متممة كاذبة . والنص على الفصل بين سلطة الاتهام وسلطة التحقيق بجعل الاتهام وتحريك الدعوى العمومية من اختصاص النيابة ، فى حين يعهد التحقيق إلى أحد رجال القضاء ، حتى لا يتأثر المحقق من خضوعه إلى سلطة تنفيذية ، ووضع أحكام صريحة فى قيمة إرشاد الكلاب البوليسية على المجرمين .

- النص فى لائحة ترتيب المحاكم الشرعية على عدم جواز إقامة شخص مقيم فى الخارج ناظرا على وقف ، إذ أن مثله لا يمكن أن يدير شؤون الوقف إدارة حسنة . وكذلك النص فيها على اعتبار تحليل الدم دليلا قاطعا لنفى البنوة ، إذا ثبت من التحليل أن دم الطفل من فصيلة تخالف دم الأم أو دم الأب الذى يراد نسبة الولد إليه .

إلى هنا تقف بنا الجولة فى حديقة القانون ، وقد اقتطفنا منها طائفة من الأمثلة ، بعضها يتطلب تقليما وبعضها يستلزم تطعميا ، حتى يتفتح الزهر ويؤتى الشجر أكله ، إلى أن يتاح للبلاد توحيد قوانينها وتوحيد قضائها ، وهذا لعمرى يكون خير تقليم وخير تطعيم .

اشترك في نشرتنا البريدية