الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 188 الرجوع إلى "الرسالة"

التلميذ، لبول بورجيه

Share

لعل من فضول القول ان يتحدث متحدث عن الفراغ الذى ملاته ترجمة هذه القصة إلى العربية , فما أشد ما كانت تمثل قلوبنا اسفا وحسرة حينما نرى الدنيا تتحدث عن بول بورجيه ، ونسمع بأد به وترى فى قصته الخالدة Le Discible مثلا من أروع المثل للقصص المفتن الدقيق ، والأدب العالى الجميل ؛ ثم نتلفت حولنا ، فترى مكانه فى العربية خاليا إلا من كلمات عنه طائرة هنا وهناك ، لا تمثل فى ذهن القارئ . العربى أدبه ، ولا يمكن بطبيعة الحال أن يجد فيها ذلك المتاع الفنى المهذب ، أو يستشعر لقاءها تلك اللغة العقلية السامية التى يبتعثها فى النفس أدب ذلك الأديب.

وقصة التلميذ التى بين يدينا هى , فيما يقول بعض نقاد الأدب الفرنسى , اروع ما كتب بول بورجيه وما نحسبهم أطلقوا هذا اطلاقا إلا أنها خير ما يمثل مذهبه في كتابة القصة , فقد أبدع فيها ايما إبداع فى عرض الدقائق النفسية عرضا فنيا خلابا , وتحليل الامزجة العقلية المعقدة تحليلا عبقريا رائعا ، حتى لا يكاد يفلت منه عنصر

من العناصر التي تكون الشخصية , على ما فيها من عموض وإبهام و تصوير ذلك في صورة فنية منسقة مضطردة , لا يحس القارئ فيها بنبوة , ولا يلمح بها شيئا من الصنعة المتكلفة , او التلفيق البغيض .

وهو فى هذه القصة يعرض شخصية شاب من شان القرن التاسع عشر, وهو من اعقد العصور فيما احسب إذا اعتبرنا التأثيرات المختلفة , والنزاعات المتباينة , والاتجاهات الغريبة التي تعرض لها الفكر الأوروبى فى تلك الفترة من الزمن , وامتحن بها محنة ظهر أثرها فى جميع مجالات الحياة , فلا يدع شيئا مما يكون الشخصية حتى يسوقه

وفى سياقة الغنى الرائع , فاذا أتم عرض شخصيته فى صورة فيلسوف من فلسفة ذلك القرن . قد فنى فى الفلسفة حتى صار صورة حية منها كر عليه كرة أخرى , فاذا بذلك كله آثار سطحية , وإذا بتلك الصبغة الفلسفية وهذه الصوفية العلمية لم تستطع أن تغير من كيانه الداخلى أو تنسخ ذلك الميراث الذى ورثته الانسانية الحاضرة عن أناسيها الأولى . فما تزال له من تحت هذا الظاهر الوقرر المتزن غرائزه الطبيعية الكامنة التي كان يبدو بادىء الرأي أنها ضعفت وتلاشت

تأثير تلك الحياة الفلسفية الخلابة , ولكنها لم تلبث ان وجدت فى البيئة التي تلائمها : ورأت من حولها موضوعا لبروزها ونشاطها حتى ثارت ثورتها ، وخرجت من مكمنها ، ملونة الوانا .. بتاثير المؤثرات المختلفة التى كونت صاحبها ، ولا تزال تعمل فيه وتوجهه فى طريقها وفى هذه الألوان الغريبة التي عملت فى تكييفها شتى العوامل ، وفى اظهارها مفتنة متموجة ، تتجلى عبقرية بورجيه وقدرته الفائقة على تحليل الحالات النفسية المعقدة إلى دقائقها , وتصويره لها فى أروع صورها وأدقها ، فى أسلوب بيانى خلاب .

فما من شك فى أن هذه القصة من أعجب المثل الأدبية الخليقة بالخلود , الحقيقة بأن تتمثل فى كل لغة تقيم للأدب العالي وزنا , فللأستاذ المترجم أخلص التهنئة على هذا التوفيق الذى صادفه فى ترجمتها , وأجزل الشكر على الجهد البليغ الذي بذله فيها , حتى جلاها فى أسلوب عربى رائق , ومظهر من النشر أنيق .

وبعد فقد كنا نود , مع هذا الصنيع المبارك المشكور , لو أن الأستاذ المترجم عني بأن يبرز إلى اللغة العربية صورة من هذا الأثر الفنى الخالد دقيقة كاملة بتفصيلاتها . كما أبرزها جميلة وافية فى جملتها. ولكنه اتخذ لنفسه مذهبا فى الترجمة وضع فيه الادب ودقة النقل فى المكان الثانى . ووضع فيه جمهور القراء فى المكان الاول : فهذه صورة لا تتفق مع تقاليد جمهورنا , إذن يجب أن تبعد! وهذه مسألة

فلسفية أطنب المؤلف فى عرضها حتى لا تلائم عقلية جمهورنا , إذن يجب أن تبتر ! وهذا اسباب فى التحليل والتصوير يبعث السام إلى نفوس جمهورتا , إذن يجب أن ينفى ! ولا بأس بشىء من ذلك مادام سياق الرواية مضطردا , ووقائعها منسقة , وفكرتها محققة . هذا هو مذهب الأستاذ المترجم عرضه فى مقدمة ترجمته . وعندنا أن هذا

المذهب إن جاز أن يتخذ فى نقل بعض الآثار الأدبية الأخرى فلا يجوز أن يتخذ فى هذا الذي سماه الاستاذ المترجم نفسه خالدا , والذى صدر عن نابغة كتاب فرنسا حقا ، فهو أثر عالمي لا ينبغي ان يخضع لسيطرة بعض هذه الاعتبارات البسيطة . على أنا لا تمنع مع هذا ان المسألة دقيقة كل الدقة , وان الفصل بين المذهبين ليس من الامور الهيئة التى يتقبلها الضمير دون معاناة .

أما أسلوب المترجم فهو على ما نعرف منه : عربى جميل ناصع ، لااتذال فيه ولا إيهام . وقد وفق - على حد قوله - إلى إحلال معانى العربية فى معان عربية . على اننا كنا نود أيضا أن لو برىء من مثل هذه العبارة ": عالما لا يشق له غبار , ولايصطلي له بنار , فليس هذا فيما نحسب معنى عربيا , بل هو دمنة بدوية .

وهناك هنوات لغوية لا نرى بأسا فى أن نشير إلى شىء منها مثل قطع همزة الابن فى صفحة ٤١ ، ومثل قوله (ص٥٥) اصبحت وامى وحيدين والصحيح الفصل فى مثل هذا بالضمي رالمنفصل فيقال . أصبحت انا وأمى وحيدين " ، ومثل قوله (ص١٩) "قد تلقى خمسة أو ستة خطابات" وليس هذا فما احسب بتاء عربيا , وإن كان من الممكن ان يخرج له وجه نحوى , والعربية المستقيمة تقول : خمسة خطابات أو ستة وهذا على كل حال امر هين يسير لا يغض من القيمة الأدبية لذلك الصنيع العظيم .

اشترك في نشرتنا البريدية