ما حقيقة كلمة التلميذ ؟ أهي من العربي الفصيح أو المعرب أو الدخيل أو المولد أو لغة السواد ؟
عندما تلقيت هذا السؤال من عديد من الإخوان والأساتيذ اضطررت إلى البحث والمراجعة رجاء أن يكون الجواب وافيا سديدا ، ورجعت إلي ما تحت يدي من كتب ومعاجم مخطوطة أو مطبوعة وأنابيش منقولة ، وعثرت على جملة نسختها من رسالة خطية وجدتها بالمدينة المنورة بمكتبة شيخ الإسلام عارف حكمة الله الحسيني ألفها الشيخ هد القادر بن عمر بن بايزيد البغدادي ، وهذه الرسالة ألفت في بحث كلمة التلميذ .
ومما جاء في الرسالة قول مؤلفها الفاضل " لم أجد هذه الكلمة مذكورة في كتب اللغة المتداولة كالجمهرة لابن دريد والصحاح للجوهرى والعباب للصاغاني والمحكم لابن سيده وغيرها إلا في لسان العرب ، فإنه أورد في مادة " تلمذ " ؛ وقال : التلاميذ : الخدم والأتباع واحدهم تلميذ . أ ه .
والحقيقة أن كلمة " تلميذ" وردت في هذه المعاجم وكتب اللغة المتداولة في مادة " تلمذ " أو مادة " تلم "
وللتدليل ، نرجع إلي لسان العرب الذي استثناه البغدادي من المعاجم التي ذكر أسماء بعضها ونراجعه فإذا
هو يذكر " التلميذ " في غير مادة " تلمذ " وهاك البرهان :
جاء في الجزء الرابع عشر من لسان العرب صفحة ٣٣٣ ما انقله بنصه : والتلام بالفتح : التلاميذ التي ينفخ فيها محذوف وانشد :
كالتلاميذ بأيدي التلام
قال : يريد بالتلموذ الحملوج ؛ قال أبو منصور : أما الرواة فقد رووا هذا البيت للطرماح يصف بقرة :
تتـــقى الشمس بمدريه كالحماليج بأيدي التلامي
وقال : التلام . اسم أعجمي ويراد به الصاغة ؛ وقيل : غلمان الصاغة ، يقال : هو بالكسر يقرأ بإثبات الياء في الفاقية ، ورواه بعضهم : بأيدي التلام ، فمن رواه " التلامي" بفتح اثناء وإثبات الياء أراد التلاميذ ، يعني تلاميذ الصاغة قال : هكذا رواه أبو عمرو ، وقال : حذف الذال من آخرها كقول الآخر :
لها أشاوير من لحم تتمره
من الثعالي ووخز من أرانبها
أراد من الثعالب ومن أرانبها ، ومن رواه بأيدي التلام بكسر التاء فإن أبا سعيد قال : التلم : الغلام ، وقال : وكل غلام تلم . تلميذا كان أو غير تلميذ ، والجميع التلام ،
ابن الأعرابي : التلام الصاغة . والتلام : الأكرة ؛ قال أبو منصور : قال الليث : إن بعضهم قال : التلاميذ الحماليج التي ينفح فيها : قال هذا باطل ما قاله أحد . والحماليج قال : شمر : هي منافخ الصاغة الحديدية الطوال ، واحدها حملوح شبه الطرماح قرن البقرة الوحشية بها .
الجوهري : التلامي . التلاميذ سقطت منه الذال ؛ قال ابن بري ، وقد جاء التلام بفتح التاء في شعر غيلان بن سلمة الثقفى :
وسربال مضاعفة دلاص
قد أحرز شكها صنع التلام
ويروي التلام جمع تلم وهم الصاغة .أ ه . أما الصاغاني فقد ذكر في معجمه " التكملة والليل والصلة " (١) شيئا مما في لسان العرب ، ولكنه لم يذكر التلميذ في العباب لأنه توفي - رحمه الله - عندما وصل إلي مادة " بكم " ولم يصل إلى مادة " تلم " حيث يذكر فيها التلميذ ، ولو مد في عمره وانتهي من تأليف الذكر ما أشار إليه في التكملة . وقد رثاه أحد الأدباء مشيرا إلى انتهاء الصاغاني إلي مادة بكم فقال :
إن الصغاني الذي حاز العلوم والحكم
كان قصاري امره أن اشهي إلي بكم
وكذلك الجوهري في صحاحه فقد ذكر في صفحة ٢٦٦ من الجزء " الثاني : " التلام ، بفتح التاء : التلاميذ سقطت منه الدال"
وابن دريد لم يغفل هذه الكلمة بل ذكرها في ص ٢٨ من الجزء الثاني من كتابه " الجمهرة ، بمادة ت ل م وقال : " التلام معروف معرب . وهو زعموا التلميذ "
والواقع أن البغداري - رحمه الله - عندما ذكر أنه لم يجد " التلميذ في كتب اللغة والمعاجم المتداولة كان غير مستوعب ما فيها ، وكان متسرعا ، ودليلنا ما ذكرناه وما سنذكره . والذي حمله على ذلك أنه راجع التلميذ في مادة
تلمذ فلم يجد إلا في اللسان تلك الكلمة القصيرة . ولو رجع إلي مادة تلم لوجد بغيته .
وسنذكر بعض كتب اللغة والمعاجم القديمة والحديثة التي ذكرت هذا اللفظ ثم نبدي رأينا في هذه الكلمة .
جاء في مجمل اللغة لابن فارس في صفحة ١٠٦ من الجزء الأول : " التلام : التلاميذ سقطت الذال . والتلام : غلمان الصاغة ولا واحد لهم .
وجاء لابن فارس أيضا في معجم مقاييس اللغة صفحة ٣٥٣ من الجزء الأول : " تلم : التاء واللام والميم ليس بأصل . ولا فيه كلام صحيح ولا فصيح . قال ابن دريد في التلام إنه التلاميذ وأنشد :
كالحماليج بأيدي التلام
وفي الكتاب المنسوب إلى الخليل : " والتلم شق الكراب بلغة أهل اليمن . وذكر في التلام نحوا من كلام ابن دريد ، وما في ذلك شئ يعول عليه . وذلك أن التلميذ ليس من كلام العرب " .
وذكر الزبيدي في " تاج العروس " بصفحة ٢١٢ من الجزء الثامن : قال أبو سعيد : التلم ( بالكسر التلام ) تلميذا كان أو غير تلميذ ( و ) قبل هو ( الا كار . و ) قيل ( الصائغ ) عن ابن الاعرابي ( أو ) هو الحملوج وهو ( منفخه الطويل ، ج تلام ) بالكسر أيضا ( و ) التلام ( كسحاب التلاميذ ) التي ينفح فيها محذوف . أي ( حذف ذاله ) قال : كالتلاميذ بأيدي التلام ، يروي بالكسر ، ويروي بأيد التلامي بالفتح وإثبات الياء ، وعلى الأخير فأراد التلاميذ . يعني تلاميذ الصاغة . هكذا رواه أبو عمرو وقال حذف الذال من آخرها " .
وجاء في التهذيب للأزهري ( ١ ) قال الليث إن بعضهم قال : التلاميذ الحماليج التي ينفغ فيها . قال : وهذا باطل ما قاله أحد . والحماليج قال عمر في منافخ الصاغة" .
وذكر الجواليقى في صفحة ٩٩ من كتابه " المعرب " " التلام : أعجمي معرب . قيل هم الصاغة وقيل : غلمان
الصاغة وقيل هم التلاميذ " الخ . وجاء في شقاء العليل للخفاجي صفحة ٥٢ " تلام : غلام الصاغة معرب أو أصله التلاميذ "
وجاء في كتاب النبات لأبي حنيفة الدينوري بيت لبيد بن أبي ربيعة البكري الصحابي:
فالماء يجلو متونهن كما
يجلو التلاميذ لؤلؤا قثيا
وقال بعد إنشاده الأبيات : التلاميذة غلمان الصاغة . وجاء التلاميذ في شعر لأمية بن أبي الصلت وهو شاعري أدرك النبي صلى الله عليه وسلم :
فالأرض معقلنا وكانت أمنا
فيها مقامتنا وفيها نولد
وبها تلاميذ على قذفاتها
حبسوا قياما فالفرائص ترعد
وقال شارح ديوانه : التلاميذ : الخدم . يعني للملائكة (١) وقال لبيد :-
فمضى وأصعد واستبد إقامة
بأولي قوي فمبتل ومتلمذ
وجاء في القرطين لابن مطرفا الكنابي أو كتاب مشكل القرآن وغريبة لابن قتيبة : " التلام : أراد التلاميذ غلمان الصاغة".
وورد في الجزء الثاني من مغني اللبيب بالباب الخامس صفحة ١١٩ : " حكى لي عن بعض مشائخ الإقراء أعرب لتلميذ له " الخ
وقال شارحه إبراهيم بن الملأجلي : التلميذ القارئ على الشيخ .
وفي المقامة الأولى للحريري : فوجدته محاذيا لتلميذ على خيز سميذ الخ .
قال شارحه الشريشي : التلميذ متعلم الصنعة . والتلميذ : الخادم والجمع التلاميذ وأنشد بيت لبيد :
وبها تلاميذ على قذفاتها
حبسوا قياما والفرائص ترعد
وقال البغدادي في رسالته المخطوطة : إن تاءه أصلية . ووزن تلميذ فعليل . وإن له فعلا متصرفا . وهو تلمذة كدحرجه بمعنى خدمه ، يتلمذه كيدحرجه ؛ وتلمذة وتلماذا كدحرجة ودحراجا ، فهو متلمذ كمدحرج بمعني خادم وذاك متلمذ أي جعل خادما . وإطلاق التلميذ على المتعلم صنعة أو قراءة ، لأنه في الغالب يخدم أستاذه ....
وجاء في الحاشية على صدر الشريعة لأخي جلي : التلميذ هو الشخص الذي يسلم نفسه لمعلم يعلمه صنعة ، سواء كانت علما أو غيره . فيخدمه حتى يتعلمها منه .
وذكر سعيد الشرتوني في الجزء الأول من أقرب الموارد صفحة ٧٩ : التلميذ المتعلم أو الخادم الخ . ج تلاميذ "
وجاء في البستان لعبد الله البستاني صفحة ٢٤٣ من الجزء الأول : " التلميذ : الخادم ومن يسلم نفسه لمعلم يتعلم منه صنعة أو علما . ج تلاميذ وتلامذة " .
وجاء في محيط المحيط لبطرس البستاني صفحة ١٧٠ من الجزء الأول : " تلمذ لفلان تلمذة وتتلمذ تتلمذا صار تلميذا له . وفلانا اتخذه له تلميذا . التلميذ والتلميد : المتعلم أو طالب العلم . والتابع . ومن أقام في مدرسة يقصد المتعلم "
وجاء في محيط المحيط ( ايضا ) : " التلام أصله التلاميذ فرخم بحذف الباء والذال وجري الإعراب على الميم"
وجاء في المخصص ج ١٢ ص ٢٥٧ : " التلام : الصاغة ، الواحد تلم والتلام والحملاج منفاخ الصاغة " .
وفي المحكم مثل ما في المخصص . وذكر صاحب القاموس في الجزء الرابع ص ٨٣ : " التلم محركة مشق الكراب في الأرض أو كل أخدود في الأرض ج أتلام . وبالكسر التلام والا كار والصائغ أو منفخة الطويل ، ج تلام كسحاب التلاميذ حذف ذاله ولم يذكر الجوهري غيرها" .
فكلمة التلميذ وردت في المعاجم التي زعم البغدادي أنها لم ترد فيها . ووردت في كتب اللغة والمعاجم المتداولة، ولكن ما حقيقتها ؟
إن ابن فارس يقطع بأنها غير عربية في معجم مقاييس اللغة ويقول : " إن التاء واللام والميم ليست بأصل . ولم يرد فيه كلام صحيح ولا فصيح". والجواليقى يقطع بعجمتها ويشاركه الخفاجي في شفاء العليل .
ويذهب بطرس البستاني إلي أن التلميذ مشتق من " لمد " واللمد كما جاء في لسان العرب صفحة ٣٩٨ من الجزء الرابع : " ما أهمله الليث " وروي أبو عمرو : اللمد التواضع بالدال وزاد القاموس : اللمذان : الدليل . والتلميذ يتواضع ويذل لمعلمه ، وورد التلميد بالدال في محيط المحيط . وعلى هذا فيمكن أن يكون لمد الثلاثي أصل تلمد .
إلا أن الصحيح عندنا أن التلميذ ليس عربيا أصلا بل هو معرب ، كان اللغويين من العرب كابن دريد وابن فارس والجواليقي وغيرهم يذكرون ذلك .
ويذكر بطرس البستاني : " وهو في العبرانية تلميد . وفي السريانية : تلميدا " .
وجاء في تفسير الألفاظ الدخيلة " للقس طوبيا الحلبي اللبناني : تلميذ : عبراني معناء متعلم . وهو مشتق من " لمذ " اي علم . ومنه : النقود : اي كتاب سنن اليهود وتعاليمهم .
وتستدل من هذا أن التلميذ مأخوذ من العبرية أو السريانية ، وأظن أنه من العبرية للتقارب الذي نشهده بين اللغتين : العربية والعبرية .
وأول ما استعمل التلميذ في اللغة العربية أريد به بمعنى الخادم ومتعلم الصنعة وغير ذلك ، ثم تدرج حتى أصبح معناه من يطلب العلم ، وأصبح اليوم مطلقا على من يطلب العلم من الصغار ، وأما من يطلب العلم من الكبار كتلاميذ الجامعة فلا يطلق عليهم تلميذ بل طلبة ، وليس هذا بأصل في اللغة ؛ ولكنه اصطلاح جعل للتفريق بين تلاميذ الجامعة وغير الجامعة
ولكن مادامت اللغة العربية استعملت التلميذ منذ الجاهلية ، فلا بأس من عده معربا ، بل هو معرب قطعا .
ونلخص من كل ما قدمناه إلى أن استعمال كلمة التلميذ كانت قبل عصر النبوة وما تزال حتى يومنا هذا أقوي مما كانت وأسير وأعرف . ومن الممكن عد هذه الكلمة مما اتفقت فيه لغتان وأكثر .
وعلي أي حال فلفظ النفيذ يعد عربيا غير أصيل لأنه من الألفاظ المعربة الموروثة منذ الجاهلية ، وهو مثل آلاف الألفاظ العربية (١) التي تعد من لغة العرب ، وقد استعملها أصحاب اللغة الأصلاء وكبار اللغويين ، كما أبنا ذلك في كلمتنا هذه والله الموفق .
(مكة المكرمة)

