الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 291 الرجوع إلى "الثقافة"

التمثال النصفى

Share

لم أكن أدري لماذا كان أصدقائي يكررون بلهجة مهمة :

لا بد أنك سترتاح في هذه الردهة . إذ لم تكن هذه تختلف في مظهرها عن بقية الردهات ، فهنا وهناك مرضي شاحبون ، تصعد اناتهم الخافتة ببطء ، أو تتحرك اطرافهم بملل وإعياء بحثا عن الأشياء القريبة إليهم .

وكان إلي جوار سريري عجوز طاعن في السن ، تهتز لحيته البيضاء كلما حرك فمه المريض بطلب من الطلبات الكثيرة ، التي لا يفتأ يلح في إنجازها عاجلا

وجاء الليل . . وكان ليلا ساجيا . ندي النسمات . وكان الشباك المفتوح قليلا يشرف على حديقة برتقال تبعث برواح زكية ، وتوحي للنفس مشاعري جمة للتأمل والأحلام . . أما أنا فلم أكن مهيئا لتلك الحياة الشعرية التي تحف الردهة بجمال طبعي أخاذ . .

انتبهت في منتصف الليل على لمسة خفيفة في جبيني المندي بالعرق البارد ، ونظرت إلى صاحبة اليد التي كانت لا تزال مثبتة على مقربة من فودي . .

كانت فتاة ناهدة رشيقة بيضاء ، ذات عينين سوداوين ، لم أر في حياتي أكثر منهما صفاء ولمععنا . . وكانت أهدابها وطفاء مسترخية ، وعلى فمها ظل من الألم والإنزياج قلت لها وأنا أتطلع إليها :

أرجو ألا أكون أرعجتك . . ليس بي الآن من شئ . . فقالت بصوت هادى النبرة لا . . إن هذا واجبي . . ألا تشعر بشيء من الجوع ؟ . .

ثم تركتني مسرعة ، فوجدت بعد دقائق إناء جميلا فيه فاكهة طرية ذات عبق وكوبا من الحليب  . .

إذن فقد أخذت أدرك لم كان أصدقائي يقولون بأني سأرتاح في هذه الردهة . . وهكذا عرفت فيما بعد اني

أعيش في ظل أجمل فتاة في المستشفى ، إن لم تكن أجمل فتاة في البلد . .

جلست في ظل شجرة برتقال عتيقة ذات خضرة داكنة ، اتطلع إلى عش صغير فيه حمامة تنوح . . عندما جاءت لا ماتيلدا " تقول : - أأنت هنا ؟ . قلت : أجل ! إن المساء بطيب لي ، وهذه الخميلة الساذجة تهبني شعورا جميلا يحب الطبيعة . فقالت ببشاشة غير معتادة والمرأة ؟ قلت : مع احترامي لك لا اضمر لها شيئا كثيرا من الحب . .

فاتكات على الشجرة المقابلة وقالت بجد صارم : - ومع احترامي لك أيضا أقول إني أكره الرجال ، ويؤسفني أن أقول هذا بعد إبداء رأيك ، ولا بد انك ستظن اني أرد الضربة إليك دفاعا عن جنسي . . ثم اردفت تقول :

- هذه آرائي من قبل ، إني أكره الرجال لأنهم وحوش ، وأ كره من وهبني هذا الجمال الذي اصبح حمله لا يطاق . كم كنت أود لو أنى فتاة عادية الجمال فأتخلص من تلك الأعين الشرهة التي تطاردني في كل مكان . .

الكل ينظرنى بإعجاب ويمد يده مصافحا ، ويقترب مني ويبتسم لي ، حتى أولئك الحمقي الذين يجودون بانفاسهم على فراش الموت ! . . وإني لا اعلم لماذا بفعلون ذلك !

وتوطدت بيننا صداقة عميقة واحترام متبادل على عكس ما كنا نأمل . . ومرت الأيام في أعقاب بعض ، حتى دنا اليوم الذي كان على ان اغادر المستشفى فيه . . وكان وداع وتهنئة ، وكان أمل إلي لقاء قريب في أول فرصة أعود فيها إلى العاصمة

أثقلتني شواغل الحياة كثيرا ، فلم أذكر الممرضة الحسناء بردائها الابيض ، وقامتها المزدهرة المديدة ، وبسمتها الخفيفة على شفتين حمراوين بدون طلاء . . حتى ذكرني

بها كتاب قصير يقول : " أظنك قد نسيت الفتاة التي تكره الرجال . . عد إلي فقد أصبحت أحبهم ، إني انتظرك لأني بحاجة شديدة إليك .

تلقائي من الداخل صوت حزين . . صوت ماتيلدا بجرسه الهادئ ، ولكني سمعت في ذلك الصوت الرخيم نبرة الحزن العميق واليأس القيم . . وصعدت السلم إلي غرفتها ، وهي عرفة أنيقة تصعد في جوها عطور من زهور جديدة في أوان من البلور الابيض المزخرف . . ووجدت هناك تمثالا نصفيا جميلا لماتيلدا . . تمثالا صادقا لتلك النظرة الصافية العميقة ، والبسمة الخفيفة الطارئة ، وقد وضع على شعرها المسترسل ورد أحمر من ورود القرنفل القاني ، وبدا نهدها البض بارزا قليلا إلي الإمام ، ثم سمعت صوتها الحزين المبغوم

- لقد نسيتني . . إنك الرجل الذي كنت أحسبه لا يطارد جمالي . . ولا ادري هل انت كذلك الآن ؟ كان الصوت يأتي من وراء السجف حزينا داميا فيه أنه محرقة ، فقلت مذهولا مما أري :

- ماتيلدا ! . إنك تعرفين شعوري تجاهك . . أو تريدين عهدا جديدا من عهود الصداقة ؟ . . قالت :

- لا أشك في ذلك ، ولكن هل أنت واتق من أنك لم تحب جمالي ؟ قلت وأنا أخفف لوعتها :

- إني واثق تماما ؛ فلا يداخلك الشك في هذه الأمور . .

عند ذاك ازاحت السجف ودنت نحوي بخطوات مترنحة . . ووقفت مذهولا من الهول ، فماذا أبصرت ١

لقد تغير كل شىء في ماتيلدا ، عدا شعرها الأشقر الحريري فقد ظل يترجرج مغرورا على كتفيها ؟ أما وجهها

فقد تشوه بشكل محزن مخيف . . فالشفة ذابلة صفراء مخدشة ، والأنف الأنيق الأشم ماأكول محفور . .

قلت وأنا أكسب صوتي عدم المبالاة : - أرجو أن تكونى بصحة . فقالت حزينة متعبة ، ولكن روحي مريضة تموت . . لقد فقدت الشىء الذي كنت منزعجة منه ، ولكنى فقدت بذلك كل شئ لقد ذهب جمالي . . لقد تشوه كله ، فلا تنظر إلى وجهي بل انظر تمثالى  . . إنه يذكرك بعز ذلك الجمال الذي اظنه قد تبخر من خيالك من بعيد ، .

وعند ما قلت لها كيف حصل لك ذلك ؟ . ذهبت تعدو وراء السجف وهي تقول : - سل امي . . إني لا أطيق أن أكون معك في غرفة واحدة . .

فهبطت أودع أمها لأسمع صوتها الناحب يقول : ستموت . وهذا مؤكد ! إن الكمد يمزقها تمزيقا . . فليتها لم تقم في ذلك اليوم المشؤوم بإشعال وابور النار الذي التهب بوجهها ، وشوه ذلك الجمال النادر . . كل هذا التشويه . .

وبعد شهرين قرأت في الصحف أنها ماتت ، ولا بد أنها ماتت كمدا على جمالها المفقود كما قالت امها من قبل . .

حداد

اشترك في نشرتنا البريدية