الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 329 الرجوع إلى "الثقافة"

التمثيل الديبلوماسى :، أعمال الديبلوماسيين

Share

إن المبعوثين الديبلوماسيين نوعان : الأول المؤقتون ، الذين يرسلون فى مهمة خاصة كحضور الاحتفالات ، أو المؤتمرات ، أو لعقد اتفاق خاص ، فأعمالهم معينة فى كتب اعتمادهم . والثاني المبعوثون الدائمون . وقد بحثت اعمالهم فى مؤلفات خاصة ضخمة تتناول فى حديثنا اليوم ، وبصورة عاجلة ، نقاطها الهامة . وهي تنقسم إلى قسمين رئيسيين : أعمال سياسية ، من مفاوضة وملاحظة ، وأعمال إدارية من حماية وغيرها .

إن أهم المسؤوليات الملقاة علي عاتق المبعوث الديبلوماسى هى سياسية أو ديبلوماسية ، بمعنى تأمين العلاقات الدولية بصورة حسنة مرضية . ويعتبر المبعوث الدييلوماسى فى العلاقات الدولية ، لسان دولته ، وأذنها ، أو حلقة الوصل بين دولته ، والدولة التى أرسل إليها.  فكل شىء.

تريد دولته قوله للدولة الأخرى تقوله لها على لسان مبعوثها أو بواسطته ، وكل شىء تريد الدولة المرسل إليها قوله إلى دولة المبعوث تسمعه إليه ، أو ترسله بواسطته .

ولتأمين سير العلاقات الدولية بكيفية حسنة تجرى المفاوضات بين الدول . والمفاوضة هى البحث والجدل اللذان يجريهما الديبلوماسيون باسم حكوماتهم ، للوصول إلى نتيجة مرضية بشأن المصالح ، التى هى موضوع البحث ، وهذه تكون متناقضة فى أكثر الأحيان ، والمفاوضة هذه يطلق عليها كلمة " الديبلوماسية " Diplomatic

وتتطلب الديبلوماسية صفات شخصية عالية ، ولباقة ودقة شعور ، ومعرفة قوية للعلوم السياسية . والديبلوماسية ينبغى أن تكون شريفة صادقة . وأما المواريات وغيرها من الأمور التى يدعونها مهارة ديبلوماسية ، فما هى إلا

غش وخداع يؤديان إلى فشل مروع فى أغلب الأحيان والمفاوضات الديبلوماسية يمكن أن تكون فى بعض الآحيان ، عبارة عن تبادل للآراء ووجهات النظر ، وقد تعالج مشكلة وتحاول حلها ، وقد تكون تمهيدا لعقد اتفاق أو معاهدة .

وأكثر المفاوضات شيوعا مفاوضات النوع السياسى التى يجريها المبعوث مع وزير الخارجية أو مع أحد موظفى تلك الوزارة وقلما يفاوض المبعوث رئيس الدولة ، إذ أن معظم دساتير الدول لا تجيز لرئيس الدولة أن يقر شيئا دون حضور الوزير المختص .

وتكون المفاوضات الديبلوماسية عادة شفهية ، غير أن الحوار يدون دائما ، لحفظ نصه ، والرجوع إليه عند الحاجة . ومع ذلك فالنقاط الهامة فى المفاوضات تتبادل بين المتفاوضين كتابيا ، للتأكد من مدلولها .

ويتكلم المبعوثون بلسان حكوماتهم ، وتكون مهمتهم فى المفاوضات فى كثير من الأحيان محددة بتعليمات معينة من رؤسائهم ، ومع ذلك فإن شخصية المبعوثين تلعب دورا هاما فى المفاوضات ؟ فهناك مبعوثون ذوو مهارة فى التوفيق بين وجهات النظر ، وتسهيل الصعوبات ، وهناك آخرون يميلون إلى تعقيد الأمور وتصميمها .

وبجانب ما تقدم من القول يجب على المبعوثين أن يرفعوا إلى أقصى حد ممكن اسم دولهم ومكانها ونفوذها . وأن يعرضوا أعمالها السياسية بأجمل صورة ، وأن يجحدوا أسواق تجارية لمنتوجات بلادهم .

ثم إن على هؤلاء المبعوثين أن يحافظوا على مكانتهم فى الاحتفالات الديبلوماسية "Le ceremonial diplomatique" أو البروتوكول "Protocole" - والمراد - تنظيم وترتيب الاحتفالات التى يشترك فيها المبعوثون الديبلوماسيون ؛ والتساهل فى وضعية المبعوث فى الحفلات والدعوات ، يقلل من كرامة دولته ، ومن مكانته الشخصية ، وهذا أمر

لا يتساهل به قط . وكثيرا ما حدثت خلافات حادة بين الدول من جراء ذلك أدت إلى سحب مبعوثها والتهديد بالحرب .

وبجانب المفاوضة ، على المبعوث أن يلاحظ ويتتبع ويراقب عن كثب كل ما يجرى ويحدث فى البلاد المرسل اليها ، وأن يرسل تقارير بذلك إلى دولته . وعن طريق هذه التقارير تقف الدولة على أحوال الجيش ، والبحرية ، والمالية ، والتجارة ، والصناعة ، والزراعة ، والتطور السياسى ، والأحزاب ، والرأى العام فى الدول الأخرى ، وما يجرى فيها من حوادث وأمور .

ومهمة الملاحظة ، بطبيعة الحال ، مهمة شاقة لا يستطيع المبعوث وحده القيام بها والوقوف على جميع أحوال الدولة ، وتكوين رأى صائب عنها . ولهذا يكون الممبعوث الديبلوماسى مساعدون اختصاصون يدعون بالملحقين الفنيين ، Attaches Techniques منهم الملحق الحربى والبحرى ، والمالى ، والتجارى ، والصناعى ، والزراعى ، كل حسب اختصاصه .

وبحث الأحوال التي ذكرنا واستفصاؤها واجب على البعوث واللحقين ، ولا يحق للدولة التي هم فيها ان تموفهم عن القيام بها ، غير أنه لا يجوز المبعوث أصلا أن بغري موظفي الدولة لبسطوء المعلومات التي يريدها ، ولا ان يقوم بأهمال النجس ، مباشرة أو غير مباشرة ، وإن هو قام بها حتى لدولة الرسل إليها ان تطلب من حكومته استرواه ، أو أن تطلب هى منه مغادرة البلاد .

والمبعوث الديبلوماسى يقوم بحكم عمله باجتماعات ومحادثات مع رجال السياسة فى الدولة التى هو فيها ، وعليه أن يكون حريصا على أن لا يتدخل فى المسائل الداخلية ، ولا أن يبدى رأيا فيها ، بصورة رسمية أو شخصية .

ومتى دعت الحكومة المحلية المبعوث لتقديم بيانات

أو تأويلات عن أعمال دولته ، فعليه أن يكون جد منكم ، ولا يحق له بأى حال من الأحوال أن يفشى سرا لدولته ، إلا إذا هى طلبت منه ذلك ، بتعليمات خاصة ، وفى هذه الحالة عليه أن لا يتعدى نص تلك التعليمات .

أما أعمال المبعوثون الديبلوماسيين الإدارية فمتنوعة ومتعددة ، وأولها الإشراف على القناصل المقيمين فى الدولة المرسل إليها المبعوث ، وإدارة أعمالهم ، ثم حماية بنى قومهم المقيمين فى تلك البلاد ، وحماية أملا كهم ومصالحهم ، وتقديم المساعدات اللازمة لهم ، وكذلك حماية رعايا الدولة أو الدول الأخرى التى عهدت إلى دولة المبعوث بتمثيلها تمثيلا ديبلوماسيا ، وليتمكن المبعوث من تقديم تلك الحماية ، على جميع الرعايا التابعين لدولته ، وللدول الأخرى التى يمثلها ، المقيمين فى بلاد الدولة المرسل إليه أن يسجلوا أسماءهم فى السفارة أو المفوضية .

ومن الأعمال الادارية الأخرى إصدار وثائق رسمية إلى رعايا دولة المبعوث مثل جوازات السفر ، والتصديق على إمضاءاتهم ، وعلى الوثائق الصادرة من الدولة المحلية واللازم استعمالها فى دولة المبعوث ؛ ومن هذه الأعمال أيضا ، تسجيل المواليد والوفيات ، وإجراء عقود الزواج بين رعايا دولته غير أنه لا يجوز للمبعوث أن يقوم ببعض هذه الأعمال ان كانت تتضارب مع القوانين المحلية ؛ ومن قبيل ذلك إذا كانت القوانين المحلية توجب عقد الزواج أمام مسجلين مدنيين رسميين ، فلا يجوز أن يقوم المبعوث بعقد الزواج أمامه قبل عقد ، امام المسجلين الرسميين فى تلك البلاد .

وللبعثات الديبلوماسية نهاية ، وتكون فى إحدى عشر حالة وهى : (1) اتمام الموضوع الذى من أجله أرسلت البعثة

الديبلوماسية . (٢) انتهاء مدة كتاب الاعتماد الذى أعطى إلى المبعوث لمدة معينة. (٣) استدعاء المبعوت من قبل دولته . (٤) ترقية المبعوث إلى وظيفة أعلى . (٥) تسليم الدولة المرسل إليها جواز السفر إلى المبعوث . (٦) طلب المبعوث جواز سفره . (٧) نشوب الحرب بين الدولة المرسلة والدولة المرسل إليها المبعوث . (٨) حدوث تغير دستورى فى رئاسة الدولة المرسلة أو المرسل إليها . (٩) تغيير الحكم بعد ثورة فى الدولة المرسلة أو المرسل إليها . (١٠) زوال الدولة المرسلة أو المرسل إليها . (١١) وأخيرا وفاة المبعوث .

ومن الطريف بحث هذه الحالات وتحليلها ، ولكن لا يتسع المجال لذلك .

تكلمت فى أحاديثى الثلاثة ، عن أنواع المبعوثين الديبلوماسيين ودرجاتهم ، وعن الحصانة الديبلوماسية فى مختلف أنواعها ، وعن أعمال المبعوثين الديبلوماسيين من سياسية وإدارية ، وذكرت الحالات التى تنتهى فيها البعثات الديبلوماسية .

والتمثيل الديبلوماسى موضوع حيوى هام ، يحسن بكل مثقف أن يقف عليه ليكون على علم بالأمور العملية الهامة التى يشملها . والأمم تعنى عناية خاصة بتمثيلها الديبلوماسى وتختار له رجالا ممتازين أكفاء ، وقد سارت الدول العربية علي هذا النهج القويم . وعلي كل حال فاننى آمل أن يأتى اليوم الذى نرى فيه البلاد العربية موحدة تؤلف دولة كبرى ، وتبادل السفراء مع الدول العظمى ، تبادل الند للند ، وأن نرى علم الدولة العربية الكبرى الموحد يرفرف فى أجواء عواصم العالم الهامة ، فنعتز حينئذ ، وتصبح لنا كرامة ومكانة فى الهيئة الدولية ؛ فنتمكن وقتذاك ، من أن نقوم بما علينا من واجبات نحو بلادنا ، ونحو المدنية ونحو العالم ، كما قمنا خير قيام ، أيام كنا مستقلين أعزاء ، أقوياء .

اشترك في نشرتنا البريدية