إن لكل دولة مصالح مشتركة بينها وبين الدول الأخرى أو بعضها . وتأمين هذه المصالح يتطلب اتصال الدول بعضها ببعض . وهذا الاتصال يكون بواسطة أشخاص تنتدبهم الدولة لتمثيلها لدى الدول الأخرى، بالمبعوثين الديبلوماسيين .
والتمثيل الديبلوماسي بين الدول قديم قدم التاريخ ومما يلفت النظر أنه كانت للمبعوثين الديبلوماسيين في التاريخ القديم والمتوسط، مكانة ممتازة، وإن هذه المكانة كانت مصبوغة بالصبغة الدينية في العصور القديمة ، ومشمولة بالحماية البابوية والفروسية في العصور المتوسطة. أما في العصور الحديثة فقد أخذت الدول تمنح المبعوثين الدبلوماسيين حماية خاصة ، وحصانة منيعة ، حتى أصبحت تلك الحماية وهذه الحصانة حقا معترفا به في الحقوق الدولية . وصار ضمير الدولة يثور عندما تهمل دولة أخرى هذا الحق ، أو تقوم بالاعتداء، بشكل من الأشكال، على المبعوثين الديبلوماسيين . وقد نشأ من جراء ذلك حروب عديدة سجلها لنا التاريخ
وأحدث مثال عليها حرب عام ١٨٧٠ التي نشأت
بين فرنسا وبروسيا . وكان سببها المباشر اعتقاد الفرنسيين أن ملك بروسيا قد أهان سفيرهم في برلين .
وجدير بالذكر أن التمثيل الديبلوماسي كان في بادئ أمره مؤقتا ولمواضيع معينة . ولم يبدأ ظهوره بصورة دائمة إلا في القرن الثالث عشر . غير أنه لم يصبح نظاما عاما إلا في النصف الثاني من القرن السابع عشر . وذلك حينما سارت الدول الأوربية على النهج الذي نهجته فرنسا زمن لويس الرابع عشر ووزيره ريشيليو ، في تعيين مبعوثين ديبلوماسبين دائمين في عواصم الدول الأخرى .
والتمثيل الديبلوماسي وليد الحاجة، وإنه كنظام دائم ضروري لا غنى عنه لأنه العصب الحي الذي يصل الدول بعضها ببعض، ولأنه الطريق القويم لحل المشاكل بين الدول، والوسيلة الناجمة للوصول إلى تفاهم وعقد اتفاقات.
فنشوء نظام المفوضيات الدائمة قد أدى إلى نشوء نوع جديد من موظفي الدولة يطلق عليهم اسم "الديبلوماسيين" ولهذا النوع من الموظفين مؤهلات خاصة، وثقافة معينة . .
تطور نظام المبعوثين الديبلوماسيين، فبعد أن كان، كما رأينا، مؤقتا، أصبح دائما. وبالرغم من ذلك فإن إرسال مبعوثين مؤقتين لا يزال معمولا به في حالات خاصة؛ وعليه يمكن تقسيم المبعوثين الديبلوماسيين إلى نوعين: المبعوثين الديبلوماسيين المؤقتين، والمبعوثين الديبلوماسيين الدائمين
والمبعوثون الديبلوماسيون المؤقتون يرسلون لمهمات خاصة، بعضها تمثيلي، مثل حضور حفلات التتويج. والزواج الملكي، واليوبيلات، والجنائر الرسمية، وما ماثلها . وبعضها سياسي مثل حضور مؤتمر معين أو المفاوضة في أمر خاص . وهذا النوع من المبعوثين الديبلوماسيين يكثر عددا ويعظم أهمية في أيام الأزمات السياسية أو الحروب . وما تنقلات المستر تشرشل والمستر ايدن ، وما أعضاء مؤتمر الإسكندرية المتعلق بالوحدة العربية، إلا من هذا النوع ، نوع المبعوثين الديبلوماسيين المؤقتين . غير أن المبعوثين الديبلوماسيين الدائمين أكثر عددا وانتشارا والمبعوثون الديبلوماسيون ليسوا جميعا من رتبة واحدة، بل هم اليوم على أربع درجات، لم تكن معروفة منذ الابتداء . وكثيرا ما كان ينشب الخلاف بين مبعوثي الدول لدي دولة ما على من له حق التقدم على الآخرين . وكثيرا ما كان هذا الخلاف سبب توتر للعلاقات الدولية بين دولتين أو أكثر.
ولإزالة أسباب هذا الخلاف، رأت الدول الخمس المجتمعة في مؤتمر فينا، أنه ينبغي الوصول إلى تفاهم دولي في الموضوع، فاتفقت بتاريخ ١٩ مارس ١٨١٥ على أن يكون المبعوثون الديبلوماسيون على ثلاث درجات: وهي السفراء ، والوزراء المفوضون المبعوثون فوق العادة، والقائمون بأعمال.
وفي عام ١٨١٨ اتفقت الدول الخمس المجتمعة في مؤتمر "اكس لاشابل" على إيجاد درجة جديدة وهي درجة
الوزراء المقيمين، على أن تكون بين الدرجة الثانية والثالثة. وقد وافقت بقية الدول على هذا التصنيف.
وبناء على ذلك أصبح المبعوثون الديبلوماسيون يصنفون في أربع درجات أو طبقات ، وهي : (١) السفراء (٢) الوزراء المفوضون المبعوثون فوق العادة ، (٣) الوزراء المقيمون، (٤) القائمون بأعمال. غير أن امتيازاتهم واحدة، ولا فرق بينهم إلا في الدرجة والتعظيم. والفائدة العملية لنظام تصنيفهم الذي وضع في مؤتمر فينا تظهر في الحفلات الرسمية؛ إذ يصبح من السهل نسبيا معرفة أي المبعوثين الديبلوماسيين له أن يتقدم ، وعلى من مِن زملائه يحق له التقدم. كما تظهر في تبادل المبعوثين بين الدول. فالدولة ترسل عادة إلى الدولة الأخرى مبعوثا ديبلوماسيا من درجة المبعوث الذي أرسلته هذه إليها. ومع ذلك فمن المستحسن أن نقول كلمة عن كل من هذه الدرجات.
السفراء هم الدرجة الأولى من المبعوثين الديبلوماسيين ترسلهم الدول الكبرى عادة لمثيلاتها من الدول فقط. ويعتبر السفراء ممثلين لرؤساء دولهم من ملوك أو رؤساء جمهوريات، لدى رؤساء الدول الأخرى، وليس لدى حكوماتها. وهم لا يفاوضون إلا رئيس الدولة. غير أن هذه الميزة الرئيسية التي لهم قد قلت أهميتها في السنين الأخيرة ، إذ أصبح لمعظم الدول حكومات دستورية . وهذا يتطلب أن تكون المفاوضات مع وزير الخارجية . على أنه لا يزال لهم وحدهم، وفي جميع الأوقات، حق المطالبة بتعيين مقابلة مع رئيس الدولة. والسفراء بالإضافة إلى هذه الميزية الرئيسية، موضع تعظيم وتبجيل خاصين، ولهم وحدهم الحق بلقب "صاحب الفخامة أو السعادة" أما الوزراء المفوضون المبعوثون فوق العادة، فيأتون في الدرجة الثانية، ولا يعتبرون ممثلين لرؤساء
دولهم، ولذا فليس لهم الحق في التعظيم الخاص الذي للسفراء، ولا في التعامل مباشرة مع رؤساء الدول، ولا في المطالبة، في جميع الأوقات، بتعيين مقابلة معهم. ويطلق عليهم لقب "صاحب الفخامة أو السعادة" من قبيل المجاملة فقط، دون أن يكون لهم حق فيه. وفيما عدا ذلك ليس من فرق بينهم وبين السفراء. .
والدرجة الثالثة قوامها "الوزراء المقيمون" وهؤلاء يكونون في التشريفات بعد الوزراء المفوضين، وعدا ذلك فلا فرق بينهم إلا أن الوزراء المقيمين لا يطلق عليهم لقب "صاحب الفخامة أو السعادة" أبدا .
أما الدرجة الرابعة فقوامها "القائمون بأعمال". وهناك فرق رئيسي بين هؤلاء المبعوثين وزملائهم من الدرجات الثلاث السابقة، وهو أن أولئك يعينهم رؤساء الدول لدى رؤساء الدول. أما هؤلاء، أي القائمون بأعمال، فيعينهم وزراء الخارجية لدى وزراء الخارجية ولهذا السبب لا يتمتعون بالتعظيم والتبجيل اللذين يتمتع بهما المبعوثون الديبلوماسيون الآخرون
وبشكل جميع المبعوثين الديبلوماسيين لدى دولة واحدة على مختلف درجاتهم، هيئة تدعى "الهيئة الديبلوماسية" ويلقب رئيس الهيئة بلقب "العميد". وهو عادة الرسول البابوي، وفي حالة عدم وجود رسول بابوي، يترأس الهيئة أقدم سفير لدى تلك الدولة، وإن لم يكن لديها سفير فأقدم وزير مفوض وإن لم يكن لدها وزير مفوض فأقدم وزير مقيم، ثم أقدم قائم بأعمال.
ولتعيين المبعوثين الديبلوماسيين أصول ومراسيم، غير أن الحقوق الدولية لا تتدخل في تعيين مؤهلات المبعوثين الديبلوماسهن وثقافتهم، ولكن الدول وضعت قوانين خاصة بهذه الأمور، ولا ينتخب المرء إلى وظيفة ديبلوماسية
إلا إذا توفرت فيه تلك الشروط. وعليه نتساءل : هل يجوز تعيين امرأة في وظيفة ديبلوماسية؟ لا جواب على هذا السؤال في الحقوق الدولية. وإذا فتشنا على الجواب في التاريخ الديبلوماسي وجدنا سيدتين شغلتا مركزا ديبلوماسيا؛ ذلك أن لويس الرابع عشر عين عام ١٦٤٦ مدام دي كبريان سفيرة له لدى بلاط بواندا، وأن الحكومة السوفيتية عينت منذ بضع سنوات سيدة وزيرة لها في السويد. وعلى كل فإن الحقوق الدولية لا تحول دون تعيين النساء في المراكز الديبلوماسية، ويقول البرفسور "أوبنهايم": "إن كثيرا من الدول ترفض استقبالهن على هذه الصورة" وهذا قول مبالغ فيه، ولا أجد ما يبرره أو يؤيده.
أما طرق التميين ومراسمها فمعينة معروفة. وهي أن رئيس الدولة عند ما يرسل سفيرا أو وزيرا إلى دولة أخرى، يسلمه كتابا مختوما موجها إلى رئيس تلك الدولة، بنبئه فيه بتعيين ذلك السفير أو الوزير لديه. وهذا الكتاب يعرف باسم "كتاب الاعتماد" Lettre de creance
ويحمل المبعوث الديبلوماسي نسخة مفتوحة منه، يرسلها حال وصوله إلى البلاد المرسل إليها إلى وزير خارجيتها. ليعلمه بوصوله. أما الكتاب المختوم فيقدمه المبعوث الديبلوماسي إلى رئيس الدولة بذاته عند استقباله له. و"القائم بأعمال" يتسلم أيضا "كتاب اعتماد" ولكنه لا يكون موقعا من رئيس دولته بل من وزير الخارجية الذي يعينه، وموجها إلى وزير خارجية الدولة المبعوث إليها. وزيادة على ما تقدم، فإن كل مبعوث ديبلوماسي يتسلم جوازات سفر خاصة له ولحاشيته، تصدرها وزارة الخارجية، لا إدارة جوازات السفر، ويضع المبعوث الديبلوماسي جوازات السفر هذه، حال وصوله إلى مركز عمله، في وزارة الخارجية وتبقى هناك إلى أن يطلبها منها لدى تركه الوظيفة أو عزله منها.
والدولة ترسل عادة مبعوثا ديبلوماسيا دائما واحدا إلى الدولة التي تريد أن تمثل لديها. ولكنه يحدث أحيانا أن ترسل أكثر من مبعوث ديبلوماسي دائم لدى دولة واحدة. وهذا ما نراه في مصر مثلا، فإن لبريطانيا فيها سفيرا ووزيرا مفوضا ووزيرا مقيما. وقد ترسل الدولة في كثير من الأحيان، أكثر من مبعوث ديبلوماسي واحد، إلى المؤتمرات؛ وفي هذه الحالة يكون أحد هؤلاء المبعوثين رئيسا والآخرون تابعين له. وهذا ما حدث في مؤتمر الإسكندرية المتعلق بالوحدة العربية.
وكما أنه يمكن الدولة أن ترسل أكثر من مبعوث واحد إلى دولة أخرى، فيمكنها أن ترسل مبعوثا ديبلوماسيا واحدا إلى دولتين أو كثر ؛ ومثال ذلك وزير مصر المفوض في بغداد، فهو وزير مفوض لدى الدولتين العراقية والعربية
السعودية، وكذلك "الوزير المفوض" في بيروت، فهو مبعوث ديبلوماسي لدي الدولتين اللبنانية والسورية.
ثم إنه يمكن لمبعوث ديبلوماسي واحد لدى دولة ما ، أن يمثل دولتين أو أكثر، وهذا سبيل نأمل أن تسلكه الدول العربية كخطوة من خطوات الوحدة المنشودة.
يسافر المبعوث الديبلوماسي إلى مقر عمله، ويجرى استقباله ويقدم كتاب اعتماده، فتبدأ حينذاك، أعماله بصورة رسمية. أما مكانته الرسمية فتبدأ منذ تسلمه كتاب اعتماده. وابتداء هذه المكانة هو ابتداء التمتع بجميع الامتيازات التي للمبعوثين الديبلوماسيين.
فما هي هذه الامتيازات؟ هذا ما نعرضه في المقال المقبل.

