الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 344الرجوع إلى "الثقافة"

التنظيم الدولى والتعمير

Share

مشكلات ما بعد الحرب متعددة ومتشعبة النواحي . تأتي في مقدمتها مشكلة التنظيم الدولي من حيث علاقة الدول بعضها ببعض وتقرر مصيرها ومشكلة تعمير البلاد  التي أنت عليها الحرب بالتدمير والتخريب وشئت أدائها  الصناعية وتركت أهلها تسودهم الفوضى والاضطراب . وثمة مشاكل أخرى كمشكلة الإنتاج والتجارة والعمل والنقل والسكنى والصحة والتعليم والزراعة والتنظيم التالي ، هما لا يتسع المجال هنا للتعرض لها . وستكتفي هنا يبحث المشكلتين اللتين تتصلان بأمن العالم وسلامته ، وترتبطان بهما ارتباطا وثيقا ، ويتوقف على نتيجة حلهما مستقبل العالم الجديد التنظيم الدولي :

قامت دول المحور - قبل نشوب هذه الحرب - تندد بسياسة الدول " المالكة " واستئثارها بالجانب الأكبر من المستعمرات والمواد الأولية بينما تعاني الدول الأخري نقصا في هذه المواد وزيادة في عدد السكان وتنادى بوجوب إفساح المجال أمامها والتخلي لها عن بعض المستعمرات لتجد فيها متنفسا للفائض من سكانها وموارد تمدها بما  تحتاج إليه

والآن نري الدول الكبرى مستميتة في الابقاء علي مستعمراتها القديمة ، ودولا أخري كانت أبعد ما تكون عن سياسة الاستعمار تفسير خطتها وتسعى للحصول علي مستعمرات جديدة .

وقد دلت الاحصائيات التي عملت قبل الحرب على بطلان الحجج التي تتذرع بها الدول لتبرير سياستها الاستعمارية ، إذ اثبتت أن نصيب المستعمرات من الانتاج المتداول في التجارة العالمية لا يتجاوز ٣ % من مجموعها ، وأن المستعمرات لا تكون أكثر من ١٢ % من أسواق العالم . وأنه إذا استثنينا إنتاج المطاط وزيت النخيل وكميات

محدودة من الفوسفات والكاكاو والدخان . فان الدول الكبرى تقوم بالنصيب الاوفي من الإنتاج العالي ، أما عن مسألة السكان فلا يتجاوز عدد ما يعيش من الجنس الابيض في المستعمرات مقدار ٨ و ٥ % من مجموع سكان العالم . وهذه النسب تظهر لنا ضآلة الدور الذي تلعبه هذه المستعمرات في حل مشكلاتي المواد الأولية والسكان وتدحض الأسانيد التي يبنون عليها نظرياتهم

وننتقل من مشكلة المستعمرات إلي التحدث عن اتجاه آخر تنحوه الدول الكبرى في سياستها تجاء الدول الصغري ، والذي يتمثل فيما يقوم به أقطاب هذه الدول من مناورات سياسية مكشوفة أو " هجوم سلمي " كما يسميه البعض ، لبسط نفوذهم وسيادتهم إلي أقصي حد مستطاع ، ولتقسيم العالم إلي مناطق نفوذ ولتقوية سلطان دولهم علي حساب الدول الصغيرة . ويبررا. هكار ، في مؤلفه الكبير " دعائم السلم " هذه السياسة يقوله : " إنه لا يمكن للدول الصغيرة أن تحتفظ باستقلالها ما دامت معتمدة على الدول الكبرى سياسيا واقتصاديا وما دامت عاجزة عن الوقوف بمفردها ، إذ لا حياة لها إلا مرتبطة بهذه الدول" وترد علي هذا الزعم فنقول إن العالم الذي يكتب له البقاء في سلم وأمان - والذي تنشده جميعا - يقوم على المساواة بين الدول وعلى احترام حريتها واستقلالها خالصا من شوائب الطمع الذي يتجسم في عالم الاستعمار الذي نتحدث عنه . وما الاضطرابات التي نعم أمم شمال أفريقيا ، ومسألنا سوريا ولبنان ، والأمانبي الجياشة التي تملأ صدور أمم العالم العربي أجمع ونزعتها إلي التخلص من كل ما يقيد من حريتها واستقلالها ، وهو ما تلمسه جليا اليوم فيما تنادى به من مطالب قومية ، إلا دليل على سوء تقدير الرجعيين من الساسة والمفكرين ، وإن عليهم أن يقدروا ما لهذه الحركات ففي أثر في توجيه الشعوب ومالها من قوة فعالة في تقرير مصيرها

والمتتبع للحركات الوطنية يجد أنها قد بدأت في القرن الخامس عشر تنتشر بين دول غرب أوربا واستمرت حتي

القرن الثامن عشر . وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين غمرت هذه الحركات دول أوربا الوسطى والشرقية ، ومن ثم أخذت تمتد إلى آسيا وأفريقيا ويجمع المؤرخون على أن هذه الحركات هي أقوي عوامل تتحكم في مصير الدول ، وان إفساح المجال لها وتشجيعها هو خير وسيلة لحل ما يواجه العالم من أزمات ولضمان استقرار الأمن السلام ، كما يجمعون على أن النظام الامبراطوري نظام رجعى بال ذهب بلا رجعة ، وستقوم على انقاضه هذه الدول الفتية الناشئة . وهذا ما سيحققه المستقبل

التعمير :

تأتي بعد ذلك مشكلة التعمير . وقد علمنا التاريخ أن الأمم القوية على الرغم مما ينزل بها من هزائم حربية لابد وأن تنهض من كبوتها وتسترد مكانتها ، وهذا ماسيجلوه المستقبل بصدد الدول التى منيت بالهزيمة في هذه الحرب .

وعلى ذلك فلا بد أن يكون أمر تعمير هذه الدول موضع دراسات عاجلة

والمسألة إذا هي : إلى أي حد يسمح للدول المهزومة أن تسترجع مكانتها في شتى مناحى العمران ؟ وما القيود التي تفرض عليها حتي تبعث كقوة محبة للسلم عاملة له مساهمة في تدعيم بنيانه ، لا كقوة تهدد العالم وتعكر صفو السلام ؟ ولعل أهم المسائر التي تحتاج إلي البحث في هذا الموضوع هي مسألة تنظيم الإنتاج الصناعي في هذه البلاد على نحو يكفل إنتاجا يعين الأمم على تنفيذ منهاج الاصلاح الذي ترسمه  للعالم الجديد . ويذهب المشتغلون بأمر التعمير مذهبين ؛ فينادي فريق بوجوب خمد أنفاس الدول المغلوبة وشل حركتها الصناعية حتى لا تقوم لها قائمة ، وحتي يصبح العالم بمأمن من الويلات التي ينزلها به تفوقها الحربي ، كما يرون وجوب إهمالها وإسقاطها من قائمة الدول التى ستساهم في تنظيم العالم ، وأن توضع مقاليد أمورها في أيدي الدول المنتصرة . ويضيفون إلى ذلك أن الدول الغالية في

مقدورها أن تقوم بتقديم كل ما تتطلبه شؤن التعمير من مختلف ضروب الانتاج .

ويرى الفريق الآخر أن ما يقترحه أصحاب الرأي الأول من شل لحركة الانتاج الصناعي في البلاد المغلوبة ينطوي علي كارثة تهدد العالم من جديد . فالأمم المنتصرة مهما بذلت من جهد فلن تستطيع ملاحقة ما يتطلبه التعمير من إنتاج سريع متواصل . وهب أنها وقفت في ذلك فما مصير الملايين من سكان البلاد المغلوبة ، ووجود مثل هذا العدد من العاطلين يخلق مشكلة جديدة تتطلب حلا جديدا . وإذا ارتضت بعض الدول الغالبة أن تسخرهم في أعمال التعمير فيها ، فلن ترتضيه دول أخرى يهمها أن يبقى توازن القوي قائما ، إذ في تشتيت أهلها على هذه الصورة نهاية لوجودها كدولة يمكن أن تبعث كقوة يصح الاعتماد عليها في المستقبل

ويري هذا الفريق أن البعث الصناعي لهذه الدول أمر مفروغ منه ، ولكن لضمان الوصول إلى النتيجة المنشودة يجب وضع الانتاج الصناعي تحت رقابة دقيقة ومنظمة ، ويري جيمس كونان مدير جامعة هافارد بأمريكا أن أمر هذه الرقابة يجب أن يعهد به إلى لجنة دولية يكون أعضاؤها على أعظم جانب من الدراية والأمانة تتناسب والمهمة الملقاة على عاتقهم . كما أن مثل هذه اللجنة إذا أدت عملها على الوجه الأكمل كانت أجدى للعالم من قوة دولية تحميه بقوة السلاح . ويقترح فريق أكثر حرصاً وضع مصادر القوي اللازمة لتسيير الصناعة خارج حدود هذه البلاد ، فإذا أسيء استعمالها كان من السهل قطع هذه القوي عنها وإيقافها .

هذا عرض خاطف لمشكلتين ستواجهان العالم عقب انتهاء الحرب مباشرة ، وإنا لنرجو أن يوفق أقطاب الدول لأخذهما بأوفق الحلول حرصا على سلامة العالم ورفاهيته أما إذا ركبوا رءوسهم واتبعوا أهواءهم وأطماعهم فسيجرون العالم إلى حرب ثالثة هو فى غنى عنها .

اشترك في نشرتنا البريدية