المبدأ الذي قامت عليه سياسة الدول الأوربية منذ عهد إحياء العلوم هو مبدأ المحافظة على التوازن الدولى ، وقد حاول تحديده وتوضيح معالمه الكثيرون من كبار المفكرين السياسيين مثل مكيافلى وبيكون وجروتياس وفردريك الأ كبر وروسو وهيومهر وفخنه وهجل ؛ ويتلخص هذا المبدأ فى أن بقاء الدول الأوربية رهن بأن لا تصير إحدي هذه الدول من القوة بحيث تصبح قادرة على إرغام الدول الأخرى مجتمعة وفرض إرادتها عليها ؛ وأي دولة تعبث بهذا البدا يقتضي الأمر المبادرة إلى إخضاعها وإرغامها علي اتباعه ؛ وخوف كل دولة من إثارة المعارضة العامة أو الاستهداف لانتقام الدول يكفي لحملها على التزام حدود الاعتدال ومجانبة الشر والعدوان والجشع والطمع ؟ وإذا استطاعت إحدي الدول مجتمعة فإن تبلغ من القوة المبلغ الذي يمكنها من تحدي الدول مجتمعة فإن مثل هذه الدولة يجب اعتبارها عدوا مشتركا عاما ، وأن لا تهمل أي وسيلة من الوسائل التي تمليها الحكمة السياسية لإضعف قوتها وتخضيد شوكتها .
ولم تكن هذه النظرية معروفة في العصور الوسطى ، فقد كانت أوربا حينذاك متحدة إلى حد ما تحت سيادة البابا والإمبراطور ، ولكن لما تفككت روابط الدولة الرومانية المقدسة وبدأ ظهور الدول الحديثة ظهرت مشكلة التوازن الدولى ، وكان بدء ظهورها السلمي والنظري بإيطاليا في القرن الخامس عشر ؛ فقد حاول لورنزو العظيم أن يوجد نوعا من التوازن بين الولايات الإيطالية الأربع الكبيرة ، ولما غزا شارل الثامن إيطاليا قام تحالف بين الدول لطرده منها وتعاون على ذلك البندقية والبابا وأسبانيا وانجلترة ، وانتقلت النظرية من إيطاليا إلى أوربا عامة ؛ وقد حث الدول علي الاستمساك بها تزايد قوة شارل الخامس وفيليب
الثاني ؛ وقد لعبت فرنسا وانجلترا دورا كبيرا في توطيد النظرية وتأييدها ؛ ولما ترامت مطامع لويز الرابع عشر ونابليون من بعده استدعي الأمر تحالف الدول علي مقاومة فرنسا والوقوف في سبيل مطلعمها ؛ وقد روعي مبدأ التوازن الدولي في معاهدة وستفاليا سنة ١٦٤٨ ، وفي معاهدة اترخت سنة ١٧١٣ ، وفي معاهدة أكس لاشابل سنة ١٧٤٨ ، وفي معاهدة فرساي سنة ١٧٨٣ ، وفي معاهدة باريز سنة ١٨١٤ ، وفي مؤتمر فينا سنة ١٨١٥/١٨١٤ ، وفي معاهدة باريز سنة ١٨٥٦ ومعاهدة لندن سنة ١٨٦٧ ومعاهدة برلين سنة ١٨٧٨ ، وفي نهاية الحرب البلقانية سنة ١٩١٣ ، وفي معاهدة فرساي ؛ وقد نص في معاهدة اترخت على منع اتحاد فرنسا وأسبانيا رعاية للتوازن الدولي ؛ وهكذا كان الحرص على مبدأ التعاون الدولي يتصدى للدول التي تنكر له مثل فرنسا أو النمسا ويحارب الأفراد الذين يخلون به مثل لويز الرابع عشر ونابليون .
ولا تزال نظرية التوارن الدولي هي النظرية المتبعة في أوروبا والتي يسترشد بها الساسة في توجيه سياستهم وتدبير خططهم ، وقد نشأ أكثر الساسة المعروفين في ظلال هذه الفكرة وتحت قوة تأثيرها بحيث أصبحت جزءا من كيانهم السياسي يعز عليهم مفارقته .
والآن نريد أن نتساءل : هل كان التوازن الدولي كافيا لإصلاح الحالة الدولية خليقا يمنع الحروب وحسم الخلافات الدولية الخطيرة ؟ .
مما لا نزاع فيه أن هذا التوازن كان في مصلحة الدول الكبيرة ، فقد استخرج منه فقهاء القانون الدولي حق التدخل في شئون الدول الصغيرة لتتغير الحالة الراهنة أو المحافظة على بقائها ، ففي سنة ١٨٨٦ تدخلت الدول باسم هذا التوازن لمنع الحرب بين تركيا واليونان ، وتدخلت كذلك بإسمه في أثناء الحرب التي نشبت بين الأتراك واليونانيين من أجل جزيرة كريت ، وقد يكون هذا التدخل
في بعض الأحيان من مصلحة الدول الصغيرة ، ولكنه في أغلب الأحيان كان شرا ووبالا على الدول الصغيرة ، وحقيقة أنها قد تستمد منه حماية تصون استقلالها ، ولكن معظم هذه الدول تصبح مناطق فرذ اقتصادي ومالي ، ويتبع ذلك الخضوع السياسي ، وفي الحرب تصح أراضى بعض تلك لدول ميدانا للهجوم وللدفاع والمكر والغر ، بل هناك خطر آخر يشهد تلك الدول ، وذلك أن هذا المبدأ يستلزم التعادل في الموازنة ؛ ومعنى ذلك أن بعض الدول الصغيرة قد تمزق وحدتها وتقطع أوصالها من أجل إقامة هذا التوازن والمحافظة عليه ، وهي نقطة سوداء في سجل التوازن الدولي .
وفكرة التوازن الدول تقوم على الاعتقاد بأن الحالة الراهنة حالة حسنة صالحة ، ويجب الحرص عليها والاحتفاظ بها ، فهي قد تسوق إلى الرجعية ، وهي نظرية سلبية تقرر ما يجب أن لا يعمل وتجيز أعمالا سلبية خاصة ضد الدول التي تشتد قوتها .
وقد يقال إن الأخذ بنظرية التوازن الدولي قد أفاد أوربا مدة قرون ، ومنع الكثيرون من الحروب الدامية ، وكيح جماح الدول الطامعة ، وحد من طغيانها وضراوتها ، وقد صان أوربا من طغيان النمسا وتعاظم فرنسا في القرن السابع عشر ، وأنقذ فرنسا سنة ١٨١٥ وأبقى على ألمانيا ووحدتها سنة ١٩١٩ وحافظ على كيان تركيا وسد بذلك مطلع المطامع وأبواب الفتنة ؛ وقد مكن انجلترا وروسيا في سنة ١٨٧٥ من كف بادية بسمارك ومنعه من استثارة فرنسا ، وضمن حياد بعض الدول الصغيرة ، وأنه ساعد من بعض الوجوه على نمو القانون الدولي ، وكل هذا ممكن أن يقل ويقال بحق ؛ ولكن رغم ذلك فإن تاريخ القرون الخمسة الأخيرة يثبت أن نظرية التوارن الدولي لم تكن كافية لاستقرار السلم وإبعاد شبح الحرب . وقد منعت
الخلافات الصغيرة المسئولة ، ولكنها لم تحل دون وقوع الحروب المروعة الخطيرة ، بل قد مهدت السبيل لاشتعال نار الحرب ؛ فكلما قويت دولة من الدول تحالفت الدول الأخرى واتفقت على مقاومتها ، وقد قارمت الدول نفوذ النمسا حتى صلح وستفاليا سنة ١٦٤٨ ، وقارمت الدول بعد ذلك سيادة فرنسا حتى صلح اترخت سنة ١٧١٣ ، وتلا ذلك عهد مخالفات لمقاومة سيطرة نابليون انتهت بعقد مؤتمر فينا .
على أن التوازن الدولي كما يستعمل في الخير يستعمل كذلك في الشر ، فإن التوارون كما قدمت يستلزم تساوي كفتي الميزان ، ولا يكون هذا التساوي إلا على حساب الدول الصغيرة ؛ وقد تضم بعض الدول الكبيرة أرضا جديدة إلي ممتلكاتها فتقوم دولة أخرى كبيرة بضم أرض أخرى إلي أملاكها باسم المحافظة على التوازن الدولى ! وهكذا كان يقضي على بعض الدول الصغيرة بالتقسيم وفقدان الاستقلال من أجل المحافظة على هذا التوازن المحبوب ، ولقد كانت بولندة من ضحايا هذا التوازن المعروفة المأثورة .
ومع خطورة الدور الذي أمبه مبدأ التوازن الدولي في الماضي فإن بعض المفكرين السياسيين يشكون في قدرته على مواجهة الستقبل وعلاج مشكلاته ، وذلك لأن نظام التوازن الدولي يمكن الأخذ به في حالة تحلف التقدم الصناعي أو وجود مساحات شاسعة بين الأمم ، وقد قضت الكشوف العلمية الحديثة على هذين الشرطين فقربت الأمم البعيدة وأحدثت تطورا في فنون الحرب وأصبح في وسع أي دولة من الدول القوية ان تفضي على قوة الدولة التي تناوئها في يوم واحد دون أن تعلن عليها الحرب ؛ ولا نزاع في أن ذلك مما يخل بالتوازن الدولي ويجرده من قيمته ؛ فالسلام القائم على التوازن الدولي لا يرجي استقراره ولا يطمأن إلى دوامه ، وهكذا ضف الإيمان بنظرية التوازن
الدولي التي كانت سببا من أسباب الحروب الكثيرة المتوالية ؛
وإذا كانت نظرية التوازن الدولي قد أصبحت من المبادئ التي لا يمكن التمويل عليها والأستناد إليها ، فما هو الحل المناسب إذا لمشكلة العلاقات الدولية والروابط الأممية ؟ .
الحقيقة التي تواجهنا هنا أن الحل الوحيد الذي يصون السلام ويقي السالم شر الحرب والدمار هو الاتجاه إلى الوحدة العالمية التي تقوم على الأسس الثقافية والأقتصادية والاجتماعية ، وهي وحدة تسهم فيها الأمم بحمض اختيارها وخالص رغبتها ؛ ولعل ما تعانيه الأمم الآن من الضائقات الاقتصادية يشير إلى ضرورة إنشاء وحدات اقتصادية متحدة متعاونة ؛ وإذا
عجز العقل والتفكير والإقناع من تحقيق تلك الوحدة المنشودة فسيظل العالم يعاني ويلات الحروب حتى تتمكن قوة قاهرة جبارة من فرض تلك الوحدة فرضا على أمم الأرض ودول العالم ؛ والظاهر أن هذه الوحدة هي الاتجاه التاريخى لهذا العصر ، فإذا فهمت الإنسانية روح العصر ونزعته وعلاماته ودلالاته ، فقد تستطيع ان تتجنب الكثير من الكوارث ، وتعرف كيف تعالج مشكلاتها المعقدة وتفرج أزمانها المستحكمة ؛ ولعل ذلك الاتحاد العالمي هو الطريق الوحيد لتفادي المعركة الرهيبة المنتطرة بين النفوذ الأمريكي والنفوذ الروسي .

