في القرن التاسع عشر كان بعض علماء الاجتماع وعلي رأسهم (وليم جيمس) يقسمون الإنسان كفرد في المجتمع سيكولوجيا إلى نوعين: جامد العقل Tough minded ومرن العقل Tender minded. وآخرون يقسمونه إلي متشائم pessimist أو متفائل Optimist وغيرهم يقسمونه إلى خيالي Romantic أو واقعي Realistic وهكذا. وكانت مهمة الأطباء الاجتماعيين هي معالجة جامد العقل مثلا ليصير أكثر مرونة، والمتشائم ليصير أكثر تفاؤلا، والخيالي ليصير واقعياً، فهذا عندهم أجدى المجتمع. أما في القرن الحالي فقد ظهرت مدارس أخرى، وأهمها مدرسة حديثة جداً على رأسها العالم الاجتماعي السويسري c.o. jung تقسم الإنسان إلى introvrt أى انفرادي أو Extrovert أي اجتماعي (وهذه الترجمة غير دقيقة) وتحدد مهمة الاطباء الاجتماعيين في معالجة الانفرادي والاجتماعي على السواء بالإتجاه بهما اتجاها وسطا متعادلاً Ambiveet .
هذا جميعه معروف وشائع في أوروبا وأمريكا وسائر البلاد الراقية.
ونحن في الشرق يهمنا معرفة هذه الأقسام وكيفية المعالجة لميكن تطبيق ذلك أو ما يماثله على مجتمعاتنا أيضاً على ضوء تجارب هؤلاء العلماء. ولا بأس من مراعاة ظروفنا وبيئاتنا إذا اقتضى الحال.
فأما الانفرادي فيبدو منطويا على ذاته في مظهره. وأفكاره وأهدافه. فمن حيث المظهر تراه وحيداً بعيداً عن المجتمعات متوارياً عن الناس بغير سبب واضح، ومن حيث الأفكار يهتم بكل صغيرة ويقدر كل صعوبة ويترقب الفشل دائماً؛ ومن حيث الأهداف يدور حول نفسه ليرضيها أو يسترضيها بأي شكل: فتارة بتأمل جمال السكون، وتارة
ينحرف إلي لذة شاذة، وأحيانا يهرب من الواقع ويلجأ إلى معبد أو دير، وقد ينزع إلى التخلص من الحياة كلها فينتحر. وأما الاجتماعي فبالعكس، يرتاح للناس يحادثهم ويناقشهم بشغف وبتودد إليهم ويغتفر أخطاءهم بسرعة، ويبدو سعيداً عندما يوكل إليه عمل صاخب؛ يكره الهدوء والراحة ويحب ان يشغل نفسه بالانهماك في شئ ما: لا يطيق البحث الدقيق ولا يعبأ بالتفاصيل ولا يرتاح إلى القيود السياسية والدينية، ويغرم بإقتحام الصعاب ولو خاطر بحياته.
ولكل من النوعين مساوئ ومزايا.
فالانفرادية قد تخلف الحسرة والشعور بالمرارة وسوء الظن والفشل، ولكن قد تكون متميزة بالتعمق والصبر وحدة الذهن والخبرة؛ لذلك نجد من الانفراديين خائبين في الحياة وبائسين منها، كما تجد فلاسفة ومخترعين ومحققين. والاجتماعية قد يصحبها التهور والعجلة، كما أنها قد تبث في النفس حب الحياة والولوع بالبطولة؛ لذلك نجد من الأجتماعيين كبار المجرمين وزعماء حركات التمرد وعصابات اللصوص والسفاحين، كما تجد قادة الحيوش وأبطال الملاعب الرياضيه ونوابغ المسرح والموسيقى وزعماء الأجتماع والسياسة من أجل هذا وذاك جنح المعالجون الاجتماعيون إلى الاتجاه الوسط الذي يجمع أكبر ما يمكن من مزايا النوعين، ويتحاشي اكبر ما يمكن من مساويهما، أي بإختصار يتحاشى أضرار تطرفهما، وبالطبع ربما يفقد في سبيل ذلك المزايا الخاصة الموقوفة على كل منهما على حدة.
بالقدر أن الفرد الوسط Ambivert منسجم ومعقول، حسن الكلام والإصغاء ويحسن العمل والتفكير، ويحسن الترتيب والتنفيذ، وطبعا كل ذلك بدرجة عامة، اي لانصمد إلى قمة النبوغ ولا تنزل إلي درك الانحطاط. ولعل هذا هو أنسب شئ "للجماهير" .
وقد اختلف الأطباء في الوسائل ، فبعضهم يرى أن
زواج شاب من نوع بفتاة من النوع المضاد له يعقب نسلاً من النوع الوسط . غير أن التجارب أثبتت استحالة أو تعذر الحصول علي هذه النتيجة، لأنه من الصعب جداً أن يتم ويستمر زواج كهذا اصلاً، فلا بد من التجارب بينهما في خفاء أو وضوح، ولابد من التباغض ثم الإفتراق. والبعض الآخر يرى تنوير أذهان الجماهير في مثل هذه المشكلات بالمنطق الهادئ والدعاية المنظمة للسلوك الذي يرونه أقوم وأفضل وأنفع للفرد والمجتمع . وفيما يلي على سبيل المثال إحدى نصائح الدكتور الأمريكي Herry Knigbt Miller التي بلغت أهميتها عنده إلي حد أنه طبعها على كل تذكرة طبية في عيادته:
(١) حدد الهدف الذي تطمح إليه وحاول تحقيقه. (٢) ارسم صورة في مخيلتك للشخص الذي تريد ان تصيره وصمم على أن تصبح هذه الصورة ذات يوم حقيقة. (٣) أوح إلي نفسك أنك قوي إذا كنت ضعيفاً، وذكي إذا كنت غبياً، وشجاع إذا كنت جباناً .. إلخ .. وسوف لا يتحقق لك ما تنشده سريعا ولكنه سيتحقق حتما بإرادتك.
(٤) واظب على تدريب "نفسك" فكما أن عضلاتك تقوى بالتدريب فكذلك نفسك.
فأي الوسائل والنصائح تناسبنا نحن الشرقيين؟ لعلها على هذا النحو ، وأيا ما ما كانت فيجدر بنا - في معرض الشذوذ والتطرف - أن نضع نصب أعيننا أن مصير كل إنسان بين يديه هو؛ فإن كان أحدا غير سعيد أو عبر ناجح أو غير مرتاح فلا تئرب إلا على نفسه، عليه ان يلوم نفسه ثم يغير ما بنفسه؛ عليه أن يجعل ما يطلبه وصحا في مخيلته حتى لا يغم عليه، وان يبدأ منذ الآن في تحقيقه بصبر وبطء وأناة وحذر، وليكن ما يطلبه أو يتمناه معقولا.

