الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 319الرجوع إلى "الرسالة"

التوسل الجاهلي

Share

ليس الكلام في التوسل الخلافي المشهور بين العلماء المحصور  في دعاء الله وحده مع التوسل إليه بصالحي عباده، وإنما الكلام  في توسل آخر لا يعرفه إلا الغلاة والجهال، وهو دعاء أهل القبور  أنفسهم، والاستنجاد بهم، وطلب الغوث منهم لإنقاذ الغرقى  وشفاء المرضى، ورد الغائبين وإغاثة الملهوفين، وإعانة المستعينين؛  وهذا لا يسمى توسلاً بهم لا دينا ولا عقلاً ولا لغة، بل هو دعاء لهم  وطلب منهم وهو خارج عن موضوع التوسل وليس منه في شيء. فان قلت إن الداعي لغير الله لم يرد بدعائه إلا الله، متوسلاً  إليه بمن يدعوه، وإن قلبه منطو على عقيدة صحيحة لو كشف  الغطاء لشهدت صحتها، وهلا شققت عن قلبه؟   (فالجواب)  أن  ما في القلب لا يعلمه إلا علام الغيوب، وأن الكلام منحصر

في دائرة الأقوال والأفعال التي تناقض صحة العقيدة القلبية كل  المناقضة، والشارع ناط الأحكام بالظاهر، والله يتولى السرائر.  ولا يرد حديث:   (هلا شققت عن قلبه)  إلا على من يدعي معرفة  الباطن، وأنه موافق أو مخالف للظاهر، وإنما البحث فيما يبدو  للحس من قول أو عمل مصادم للشرع. وقد أنكر النبي   (ص)   على أسامة قتل من أتى بكلمة التوحيد ولم ينقضها بقول ولا عمل،  فادعى أسامة   (رضى الله عنه)  أنه لم يأت بها عن عقيدة قلبية،

فأنكر ذلك عليه صلوات الله عليه وقال: هلا شققت عن قلبه؟  وأين هذا من ذاك!

وصف القرآن أهل الجاهلية وفرعون الذي ادعى الربوبية  والألوهية بأنهم كانوا إذا وقعوا في شدة كخوف الغرق في البحر  مثلاً دعوا الله مخلصين له الدين، كما قال فيهم:   (فإذا ركبوا  في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إلى البر إذا هم  يشركون)  وقال في فرعون:   (حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت  أن لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين)   أفيكون أولئك القوم وفرعون أولى بدعاء الله وحده في الشدائد  ممن يتبجحون بالإسلام والتوحيد؟ وبدهي من عقيدة المسلمين  أن جميع المخلوقات لا يملكون لأنفسهم - ولا لغيرهم بالأولى -  في الرخاء ولا في الشدة ضرا ولا نفعا، ولا يملكون موتاً ولا حياة  ولا نشورا) فكيف تتفق هذه العقيدة المستندة إلى النصوص  القطعية المجمع عليها مع دعاء غير الله تعالى في الرخاء وفي الشدة أيضاً؟

وإذا أضيف إلى ما سبق دعوى التصرف في الكون التي  يدعيها العوام وأشباه العوام لبعض الصالحين، أو تقسيم الدنيا  إلى أربع مناطق، وتخصيص كل قسم منها بواحد منهم، ودعوى  وجود الله تعالى بذاته - تقدست وعلت - في كل مكان، أو دعوى  انه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه، وما يضاف إليها من سلبه  تعالى صفات كماله، ونعوت جلاله؛ فقد وقع الأشكال العظيم  في التوحيد بأقسامه الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية،  وتوحيد الأسماء والصفات. ونعوذ بالله من سوء الفهم والخذلان.  الحق يقال: إن هذه العقائد قد عظم ضررها، وقبح أثرها،  وكان من نتائجها خروج جماهير المتعلمين على الطريقة الفنية عن  دائرة دينهم، وافتتانهم بما عند غيرهم. فما هو العلاج الشافي من  هذه الأدواء الفتاكة يا ترى؟ وكيف يعود الناس إلى عقيدة  الإيمان بالله - على الوجه الصحيح الذي جاء به الإسلام وجرى عليه  أهل الصدر الأول علماً وعملاً واعتقاداً؟

اشترك في نشرتنا البريدية