الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 666الرجوع إلى "الثقافة"

التيجانى شاعر الجمال، تأليف الأستاذ عبد المجيد عابدين

Share

الشعر السودانى الحديث خفقات تريغ الحياة أو تعلن عنها ، ولكنها لا تزال كالتمتمة المبهمة ، تغمغمم بالأمانى الفردية والجماعية فى شئ من التردد والفتور ، وينساب فيها وعى نابض لا يلبث أن يلتف به الأسى الدفين فيخنقه بين الزفرات والدموع ؛ ولعل من أقوى تلك الخفقات الغنائية شعر التيجانى فى ديوانه المسمى " إشراقة " والذى درس الأستاذ عبد المجيد عابدين جانبا منه مشرقا بالشاعرية فى كتابه " التيجانى شاعر الجمال " .

وقد كنت أخشى قبل أن أقرأ هذا البحث ألا أجد فى هذا العنوان ما يفرد التيجانى بشىء يميزه عن غيره ، لأنى أحسب أن كل شاعر فإنما هو شاعر بمقدار تعلقه بالجمال وتأثره بالجميل ، وأن الشاعرية ترادف - فى رأيى - ذلك التوجه الشعورى إلى نواحى الجمال فى الكون ، ولكن هذه الدراسة الممتعة استطاعت أن تقنعنى بأن حظوظ الشعراء من الوقوف عند مواطن الجمال متفاوتة ، وأن حظ التيجانى كان فى هذه الناحية كبيرا ، بل استطاع الأستاذ عابدين أن يفلسف نظرة التيجانى إلى الجمال ، ويجعل لها فى حياته تاريخا متدرجا متكاملا بدأ به محبا للجمال البشرى ، وانتهى به إلى عبادة الجمال المطلق وإلى الإيمان بوحدة الوجود .

وفى هدوء ولباقة لحظ الأستاذ أن التيجانى فى ) إقباله على الجمال البشرى يكاد لا يعنى إلا بمفاتن العيون ، والعيون تحمل المعانى . فكان هذا الليل هو الذى ارتفع بالتيجانى إلى الشعور بجمال المعنى الأسمى أو الألوهية الكامنة فى الكون ، وهو رأى طريف يغرى متأمله باعتناقه . ولكنى أحس فى نفسى ميلا إلى مخالفة الأستاذ عابدين فى هذا الرأى على ما فيه من طرافة وإغراء ومرد هذه المخالفة إلى قلة إيمانى بتصوف التيجانى . فقد يكون هذا الشاعر عشق الجمال البشرى ، وكانت رغباته الإنسانية المتدينة المهذبة تصور له فتنة الجسد فى أشكال مسحورة ملفوفة بالقداسة . ولكن التيجانى - فيما أرى - لم يستطع أن يعشق الجمال الإلهى ، أو بعبارة أخرى ، لم يستطع أن يكون صوفيا عن طريق التجربة البشرية أو الحرمان الجسدى .

كان التيجانى متصوفا مؤمنا بوحدة الوجود عن طريق الكتب والثقافة ، كان يعلن زهده بتأثير من دراساته الخاصة ، ولذلك عرف الإله معرفة الخشية لا معرفة الحب ، وأحس بقوة الألوهية وعظمتها فى الكون ، ففزع منها وخافها ، ولكنه لم يستطع أن يحبها ولم يستطع أن يذوب فيها . بل ظل حيث هو صغيرا ضعيفا خائفا ، وظلت الألوهية حيث هى قوية جبارة مفزعة ، وكان التيجانى يثور

أحيانا على ضعفه وصغره ، فيتسرب الشك إلى نفسه ويتألم بهذا الشك ، ولو أنه تصوف عن طريق الجمال والعشق لما بقى فى قلبه موطن لذلك الشك :

ما كنت أوثر فى دينى وتوحيدى

خوادع الآل عن زادى ومورودى

أشك يؤلمني شكى وأبحث عن

برد اليقين فيفنى فيه مجهودى

وهذه النظرة إلى صوفيته تفسر لنا الضعف الذى يغلب عليه حين يحاول أن يتعاطف مع الطبيعة . لست أدعى أن التيجانى لم يحب الطبيعة ؛ ففى قصائده تغزل بالبيل ، وبالمناظر الجميلة حوله ، وبمدينة الخرطوم ؛ وفيها شعوره بجمال الفجر فى الصحراء ، وهى صورة تكفى وحدها لتعلن عن تذوقه للجميل ؛ ولكن هذا الحب للطبيعة ليس هو حب الصوفى  الذى يرى فى الطبيعة ألوهية ويفنى فيها ، إنما هو حب إنسانى عادى . وإذا خلا النظر الطبيعى من إنسان محبوب لم يستطع التيجانى أن يتعاطف معه ؟ فالنيل الذى يجلس عنده المحبوب ( كما فى قصيدته أنت أم النيل ) يستخرج من نفسه أصدق الشعر ؟ أما النيل - دون حبيب على شاطئه - فهو ثقيل واجم كما فى قصيدته التى مطلعها :

أنت يا نيل يا سليل الفراديس نبيل موفق فى مسابك

ملء أوفاضك الجلال فمرحى    بالجلال المفيض من أنسابك

فماذا فى هذا الوصف من إحساس بجمال النيل ؟ أما البيت الأول فترديد لما قرأه الشاعر فى بعض الكتب عن النيل الذى ينبع من الجنة ، وقد تكون صفة النيل لائقة بإبن الفراديس ، ولكن قوله " موفق فى مسابك " يفضح هذا الإحساس المدرسى بعظمة النيل ؛ وأما البيت الثانى فليس إلا هتافا ينقل إعجابا سطحيا ساذجا ، ولعل فقدان المشاركة العاطفية العميقة بين الشاعر والمنظر هو الذى أحسه الأستاذ عابدين فى قصيدته وصف الخرطوم حين قال عنها : " فيها بهرج كثير وأخيلة متشابكة يغلب فيها التكلف على البساطة .

ومهما يكن في رأيى هذا حول صوفية التيجانى من مخالفة لما ذهب إليه الأستاذ عابدين ، فإن ذلك لا ينقص من قيمة هذه الدراسة التى استوفت حظها كاملا من الوحدة الموضوعية ، والانسجام المتدرج ، والقدرة على معالجة المثل إيضاحا للحكم . ولعل من أجمل ما عرض له الدارس تلك

التفرقة بين شاعر كشوقى وشاعر كالتيجانى في الطريقة الفنية ؛ والحق أن التيجانى يمكن أن يدرس من هذه الناحية ممثلا للشعور بالفردية التى استيقظت مع يقظة القومية ، إذ يكون الشاعر فى تلك الحال جزءا من مجتمع يلتفت إلى الماضى وهو يحاول أن يحطم الأغلال - والتيجانى فى ذلك ككثير غيره من الشعراء المحدثين فى نواحى العالم العربى ؛ فكل شاعر منهم يمثل عند نفسه البطل المعذب ، لأن كل وطن لهم بطل بهذا المعنى إذا شاءت له القومية أن يقرن بين ماضيه وحاضره ، فإذا خشى الشاعر من هؤلاء على فرديته انحاز إلى تلك الأصداف التى خلقها لنفسه من الطيب والظلال والأضواء والألق السحرى . أما تأثر التيجانى بشعراء المهجر فأراه - إن وجد - تأثرا سطحيا .

وقد كنت أحب لصديقى الأستاذ عابدين لو أنه تحرى عن واقع حياة التيجانى - وهو على مقربة من نشأته فى المكان والزمان - وإذا لأغنى هذه الدراسة القيمة بما يستمده من الواقع القريب الذى وجه التيجانى فى حياته وفنه

اشترك في نشرتنا البريدية