الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد الثامنالرجوع إلى "الرسالة"

التيفوس

Share

اليوم يوم من الأيام التى طواها القرن الثامن عشر بانطوائه.  والبلد لندن حين لم يكن لها هذا الشان الكبير، ولا لمرافقها  الصحية هذا الخطر الكبير، ولا لأهلها هذه الثقافة وهذا اليسر  المعروف. والدار دار المحكمة وهى التى تقع فى سرة ذلك البلد العتيق.

ففى ضحوة ذلك اليوم أخذ الناس يتوافدون على تلك الدار  زرافات ووحدانا. هذا مجرم فاجر وفى عينيه القسوة وفى مشيته  التحدى، يقوده رجال من الشرطة على حذر وريبة. وهذا مجرم  منكسر الحال وفى طرفه الذلة يقوده شرطي، وهؤلاء نفر من  ذوى هذا المجرم أو ذاك فى أثوابهم تهدل القدموعليها لون السنين،  وفى أحذيتهم خروق السعى المتواصل، وعلى وجوههم شحوب  الجوع وهم الرزق وقذارة الفقر، أو صفرة المرض وسحنة  الإسراف فى فنون الدعارات الرخيصة. وهذا أحد المحلفين جاء  يمشى فى زهو المسيطر، وخيلاء الحاكم، والى جانبه صاحب له يرفع  عقيرته يجادل صاحبه فى شان من شئون القضاء، يريد أن ينبه من  حوله من الطغام أنه خبير بالقانون بالرغم من كونه محلف،  عالم بسياسة الملك وتقسيط العدالة على الرغم من أنه اختير من  صفوف السوقة وغوغاء الرعية. وهذه عربة فخمة برز منها رجل  أنيق الملبس ناعم الحال فى وجهه حمرة النعمة وفى جلده دهن  الموائد، جاء للتفكهة والتسلية لما أعوزه ما يشغل به وقته.

أما فى داخل الدار فقد أخذت المقاعد تمتلئ، ثم ما بين المقاعد  ثم الزوايا والأركان، وامتلأ ما بين المقاعد والسقف بأنفاس ثقيلة  تكاد تسقط، وأبخرة كثيفة ندية تكاد تتقطر، ورائحة  تألفت من روائح ذات أسباب عدة كلها مما لا يطيب إلا فى أنوف  الكلاب. ودخل المحلفون فأثار اهتمام الجمهور وعلم الناس عندئذ  أن القاضى يكاد يدخل القاعة، ولم يلبثوا أن صاح بهم صائح فى  صوته قوة وإمرة (وقوفا) فوقف الناس ودخل صاحب الجلالة  القضائية وعلى رأسه عارية من الشعر بيضاء، كأنما تطمئن الناس الى عدل

القضاء. وجاء الناس وافتتحت المحكمة وجىء بالمذنب  بعد المذنب وقام الاتهام فصال وجال وبالغ فى وصف الجرم ما شاء له حرصه  على المجتمع ان تعبث به يد الفساد، وتذهب بطمأنينته نزعات من  الشر خالدة فى نفوس البشر. وقام الدفاع فأنكر الجريمة ودفع  الحجة بالحجة والغضبة بغضبة أشد منها وتقبضت كفاه، ولما لم  يكن من حسن اللياقة دخول الأكف فى النقاش انهال على  المنضدة حتى أوجع كفيه، ولكن ذلك كان ثمنا طيبا  للأثر الطيب الذى كان لدفاعه عند الجمهور. وجاء دور المحلفين  فقالوا كلمتهم، وجاء دور القاضى فنطق بالأحكام. وانقضى اليوم  والجمهور بين راض وحانق.- ومضى أسبوع فأسبوع فشاع فى  الناس ان رئيس المحلفين قد مات، فعلم الحانقون انهم كانوا  مصيبين فى حنقهم وإن الحكم كان خاطئا، وقال الراضون ان هو  إلا سهم طائح طائش عارض من سهام عزريل أصاب المرحوم  اتفاقا. ومضى أسبوع وشاع بين الناس أن اثنين من المحلفين  قد ماتوا، فزاد الحانقون حنقا على الأحكام، وأخذ الراضون  يرتابون من صحة الميزان، ولكن الحق وضح واليقين تجلى لما  مات القاضى بعد ذلك بأسبوع. وهل مات أحد من الجمهور؟  بالطبع لم يبلغ الناس شىء من ذلك، وما كان من الممكن  أن يبلغهم.

وجاءت جلسة قضائية تعقبها جلسة أخرى. فزادت الجنائز  وامتلأت المقابر وسر الدفانون. فبأن ما لم يكن بائنا من قبل،  ذلك ان جمهور النظارة أيضا حصد منه الموت أكبر حصاده،  وزالت الرابطة ما بين الأحكام وبين الأموات، وعلم الناس انه  وباء من تلك الأوبئة التى يبعثها الله على عباده من حين الى حين  لغرض لا يعلمه الا سواه، وخافوا تلك المحاكم واستشأموا  منها وأسموها السوداء. Black Assizes

وفى هذا الشهر الحالى من القرن الحالى فى مدينة  القاهرة فى أشد عيادات العالم المتمدن ازدحاما وقذارة  وسوء حال، وقع حادث كما ذكرناه فأصيب بضعة من أطباء  القصر العينى ومساعديهم بنفس ذلك المرض الذى ذكرناه،

ولكن علم الانسانية بأعداء الانسان زاد كثيرا، وفقهه  للأوبئة تقدم تقدما كبيرا، فما كادت تعرض الأعراض، على  المنكوبين المذكورين حتى عرف المرض الخبيث وأسرع اليهم بالعلاج،  أو بالقدر الذى يستطيعه الانسان من ذلك فى المرحلة الحاضرة  من تقدمه فى فهم هذا المرض، والذى نتمناه ألا تنشر هذه  الكلمة حتى يدخل الأطباء المصابون دور النقاهة، والذى نتمناه  أن يمن الله على من لم نسمع بهم ممن لاشك قد أصيبوا  من المرضى الخارجين بالقصر العيني، والذى نتمناه أن يكون من  هذا درس نافع للجميع لا للقاهرة فحسب، بل فى الريف كذلك.

أما التيفوس فمرض من أخبث الأمراض، ولاشك أنه قديم  ولكن القدماء لم يتبينوه لاشتباه أعراضه بأعراض الحميات عامة،  وهو قد يتوطن فى الأقطار فتظهر منه إصابات قليلة، ولكنها  ثابتة العدد لا تتغير الا يسيرا، وقد يمتد فى القطر فينتشر وباؤه  فيحرث فى الناس حرثا، ففى الوافدة التى زارت أيرلندا عام ١٨٤٦  حصد التيفوس من عاصمتها وحدها نحوا من ستين ألفا. ويساعد  على إحياء التيفوس ونشره ازدحام الناس مع سوء الغذاء والقذارة،  لذلك تراه يظهر فى الحروب بين الجيوش، وآخر أمثلة ذلك الوافدة  التى زارت بلاد الصرب فى الحرب العظمى، وذلك إن النمسا هاجمت  البلاد الصربية لأول مرة فهاجر السكان من غير المحاربين الى الجنوب  فى ازدحام وفاقة وعري وسوء حال، فأستيقظ الوباء النائم وبلغ  أشده فى عام ١٩١٥، وعندئذ خافت النمسا على جيوشها وكانت  تنوى مهاجمة الصرب المرة الثانية فأجلتها، وقام هذا المرض  الوبيل نيابة عنها ففتك بالصرب أشد فتك فمات منهم بسببه فى  ستة أشهر مائة وخمسون ألف نفس.

والتيفوس تنتقل عدواه بواسطة القمل، وبالقمل وحده على  قدر ما حقق الباحثون. ومن الغريب أن هذه الحقيقة لم تدخل  دائرة اليقين إلا فى عام ١٩٠٩ فانهم حقنوا قردا بمقدار من دم  مريض بالتيفوس فانتقلت العدوى الى القرد فربوا عليه قملا  ونقلوا هذا القمل الى قردة أخرى فاصابتها العدوى. وهذا  يفسر لنا ان التيفوس يحصل اذا اجتمعت الزحمة والفقر وفى  الحروب، ولقد صدق من أسماه "داء القذر" ويفسر لنا سرعة  انتشاره من مريض لصحيح، ومن المريض للطبيب، ويفسر  لنا أنه ينتشر فى البلاد المعتدلة وفى الباردة على الأغلب فى الشتاء  أى فى الحين الذى يرغب فيه الناس ولا سيما فقراؤهم عن الاستحمام  وفى الحين الذى يزدحمون فيه فى المساكن والقيعان رغبة فى  الدفء وهربا من البرد.

أما سبب المرض فغير محقق تماما الى الآن. يظن بعضهم انه  فعل جراثيم دقت حتى عجزت عن رؤيتها أكبر المجاهر، وصغرت  حتى عجزت مرشحات الجراثيم المعروفة عن حبسها، ولكن  أكثر البحاث اليوم يرون أن هذه الجراثيم على صغرها يمكن  ترشيحها، ودليلهم على ذلك ان دم المريض اذا رشح ثم حقن  الراشح منه فى جسم سليم لم تصبه العدوى. وقد حاول كثيرون  الحصول على هذه الجراثيم، ونجح كثيرون فى الحصول على  جراثيم، ولكن جراثيم الباحث لم تطابق فى الصفات جراثيم  الباحث الآخر، فدل ذلك على أنها عوارض، وبعضها لا يعطى  المرض فهى ليست جراثيم المرض. ولعل أوثق ما استكشف فى  هذا الصدد مما له علاقة بهذا المرض جسيمات صغيرة وجدها  الباحث ريكيتس Ricketts عام ١٩٠٩ فى دم المرضى ببلاد  المكسيك، وأمن على وجود أشباه لها فون فرو فازيك Von. Prouvazeh  أثناء بحثه عام ١٩١٠ فى بلاد الصرب،  وجدها فى باطن خلايا الدم البيضاء للمرضى، وسميت هذه  الجسيمات بأسمي هذين الباحثين اللذين ذهبا ضحية المرض  تشريفا لهما وحفظا لذكرهما. ومن بعدهما وجدت هذه  الجسيمات فى القناة الهضمية للقمل. والأبحاث فى هذا السبيل  لا تزال جارية تبعث بأشعة من نور ضئيل فى ظلمات هذه العلة المبيدة.

وأعراض التيفوس تشابه من بعض الوجوه أعراض التيفود  لذلك كانا يختلطان على الناس حتى جاء جرهارد Gerhard  عام  ١٨٣٧ ففرق بينهما. وسمى المرض الثاني بالتيفود ومعناها شبيه  التيفوس: والمدة التى تمضى على دخول الميكروب فى الجسم  وظهور أعراضه تسمى مدة الحضانة، وبئست هى من حضانة،  تتراوح ما بين خمسة أيام الى واحد وعشرين يوما، وتظهر الأعراض  على الأرجح بغتة وقد تظهر بالتدرج. فترتفع الحرارة ويصحب  ارتفاعها قشعريرة يصحبها صداع شديد وقnء، ويكون الهذيان  أول الأمر زائطا، ويظهر فى نحو اليوم الخامس على جلد المريض  طفح، وفى الوجه ثقل وبلاهة. وفى الأسبوع الثاني يصبح  الهذيان تمتمة، وان شاء له الله الشفاء والسلامة نزلت حرارته  فى نحو اليوم الرابع عشر فجأة وصحبها عرق غزير.

ولا سبيل لاتقاء التيفوس الا بتطهير السكان من القمل،  والقمل من الحشرات التى يمكن استئصالها ولو أن كثيرا من  المصريين فى الأحياء الفقيرة وبؤساء الريف يظنون ان القمل  كالبق لا سبيل لاستئصاله، وربما أتينا فى كلمة أخرى على طرق ذلك.

اشترك في نشرتنا البريدية