الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 119الرجوع إلى "الثقافة"

الثروة المعدنية والحرب الحاضرة

Share

مترجمة عن مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية (

للثروة المعدنية أثر كبير في التقدم في وقت السلم أما في الحرب فتكاد تكون الثروة المعدنية هي العامل الاكبر في الفوز ، لأنها هي التي تنتج المدافع والقنابل والدبابات والطيارات والسيارات والسفن الحربية على اختلاف أنواعها . فهي بوجه عام آلة الحرب وعدتها وسلاحها ، وكذلك الوقود عامل مهم في إدارة المصانع ودفع عجلات النقل في الجو والبر والبحر .

وليست المناجم معينا لا ينضب ، لأنها تنقص بقدر ما نأخذ منها ، ولذلك كانت عرضة للنفاد ، وإذا نقد معيبها مرة فقلما تجود عليك بشئ مرة اخري.

وقضية الثروة المعدنية وتوزيعها والنزاع عليها قضية حديثة في الواقع ، لان حاجة الامم الصناعية في هذا العصر للمعادن حاجة لم يسبق لها مثيل في تاريخ العالم .

ويقول العلماء إن الأرض فيها مئات من المناجم لم يستغلها الانسان بعد ، غير ان الحقول التي يستمد منها العالم الآن ثروته المعدنية حقول محدودة في بقاع معينة وهذه الحقول المعروفة ايسر إنتاجا وأضمن ثوة .

نعم قد تكون الأرض غنية بالمعادن ، ولكننا قلما نجد أمة فيها كل حاجتها من أنواع المعادن المختلفة بحيث تستطيع أن تمد مطالبها في الصناعة أو مطالبها في الحرب

وهناك عامل مهم يجب أن يتوفر في سبيل الحصول على المعادن ذلك هو طريق المواصلات ففى السلم يمكن نقل المعادن إلي المراكز الصناعية . أما في الحرب فتتعرض المواصلات للتعطيل ؛ وفي الحرب العظمي كان نقص المعادن الأساسية عاملا قويا من عوامل هزيمة ألمانيا .

لذلك رأينا في هذه الحرب أن ألمانيا وجهت اهتمامها للاستيلاء على مصادر الثروة المعدنية حتى لا تقع فيما وقعت فيه من تجاربها السابقة ، وكذلك انجلترا عنيت بالمحافظة على مصادر الثروة المعدنية ، كما عنيت بالسيطرة على طرق المواصلات ، وبخاصة البحرية ، لتضمن وصول المعادن إليها .

وتحاول بعض الدول الصناعية أن تنمي ثروتها المعدنية الداخلية ، بحيث تكفى حاجتها وتسد مطالبها ؛ واصبح هذا الغرض من أهم أمانيها القومية والاقتصادية . أما إذا لم تسعفها بلادها بجميع ما تحتاج إليه من معادن فهي تعمد إلى القوة الغاشمة للاستيلاء على حقول الثروة المعدنية في البلاد القريبة منها ، كما فعلت ألمانيا في بولندة والنرويج وبلجيكا ورومانيا وغيرها .

ولكننا نريد أن نعرف الباعث الحقيقي للاستيلاء على هذه المنابع ، اهو مجرد التقدم الصناعي والتنافس التجاري ، والوصول إلى مستوي راقي في المعيشة ، أم هي الرغبة الجامحة للتفوق الحربي والطغيان العسكري على الدول الآخرى؛

إننا نجد الجواب على ذلك صريحا في استيلاء ألمانيا على الدول التي حظها من الثروة المعدنية قليل كهولندة ، والدنيمرك وبلغاريا فألمانيا إذا تتزعم هذه الحركة العنيفة والحرب الجائحة لا للاستيلاء على الميادين الصناعية فحسب بل للتوسع الحربي المطلق ، ويتبعها في ذلك إيطاليا واليابان . ويقف في وجه هذه الحركة انجلترا والولايات المتحدة .

والولايات المتحدة هي أكبر دولة في العالم تملك الثروة المعدنية ، وكثرها تصديرا لها وبيعا واستهلاكا . ويليها

في ذلك بريطانيا العظمي . وهاتان الدولتان يملكان معا ثلاثة أرباع معادن الدنيا . وفضلا عن ذلك فهما تسيطران على البحار التى تنقل فيها هذه الثروة .

ولما رأت ألمانيا أنها لا تستطيع الحصول على حاجتها من المعادن فيما وراء البحار ، حاولت ان تستعيض عن المعادن الطبيعية بالمعادن الصناعية ، وحاولت ان تخضع المواد الطبيعية للعلم ، وتخلق مواد جديدة لها صفات المعادن الأصلية . ولما كان العلم يستطيع في الواقع أن يخلق كل شئ عجيب ، فقد نجحت فعلا في تكوين معادن جديدة مصنوعة ، كما نجحت في عمل الاغذية الصناعية لتحل محل الأغذية الطبيعية

على أن نجاح ألمانيا في الصناعات القائمة على المعادن المحلية لا يعد في الواقع نجاحا موفقا ؛ ذلك لان تكاليف الانتاج الصناعي من تلك العادن يعادل ضعف التكاليف العادية هذا فضلا عن أن المواد القفل فيها - وبخاصة الحديد - أقل جودة من العادن التي كانت تأتي إليها من الخارج

وكانت ألمانيا قبل الحرب تعمل على توسيع نطاق الانتاج المحلى من البترول باستخراجه من الفحم ، إلا ان تكاليفه كانت باهظة حيث بلغ ثمنه اربعة امثال الثمن في الأسواق التجارية العالمية ، ولذا لجأت في الحرب إلي الحصول عليه من روسيا ورومانيا.

أما النحاس فألمانيا تنتج منه ١٤ % مما تستهلكة ، وتستخرج هذا المقدار من إقليم النحاس بماتسقلد، وهي تعمل جهدها لتوسيع إنتاجه ، وتتوقع ان تصل إلي استخراج ٢٥ % مما تستهلكه . وعلى ذلك فلا يمكنها ان تستغني عما كان يرد إليها من الخارج . وإزاء هذه الصعوبة حاولت أن تستخدم الألومنيوم والمغنيسيوم ليحل محل النحاس ، وتقدمت الأن في استخراج هذين المعدنين تقدما جعلها في مقدمة الدول التى تنتجهما .

وليس في ألمانيا مناجم للمنجيز ، ولكنها تستخرجه من الحديد النفل ، وتستطيع الآن أن تنتج منه نحو ٤٠ % مما تستهلكه وكانت تنتج من الزنك نحو ٦٥ % ، ولكنها كشفت حديثا منجما من الزنك في إقليم الروهر رفع إنتاجها إلي ١٠٠ %.

وتنتج ألمانيا من الرصاص نحو ٢٥ % ، ولكنها تعمل على زيادة إنتاجه رغم سوء نوعه . وقد اخذ إنتاجه في الزيادة حتى بلغ الآن نحو ٥٠ % مما تستهلكه . ولم تكن ألمانيا تملك شيئا من الزئبق ، فأخذت تبحث عنه حتى عثرت على نوع رديء منه في منجم قديم وبلغ إنتاجها منه نحو ١٠% أما النيكل فلا يكاد يوجد منه شئ يذكر ، ولذلك تستعيض عنه بمواد اخرى ، ومهما فعلت فإنها تحتاج على الأقل لنحو ٩٠% من النيكل من الخارج

والنتيجة الواضحة أن ألمانيا رغم جهودها لا تستطيع ان تستغني عن المعادن التي كانت تأتي إليها من الخارج . وإذا علمنا ان الاستهلاك الحربي يستنفد مقادير هائلة من المعادن ، أدركنا مقدار حاجتها إليها لتسد مطالبها التي تزيد على الأيام ، وإذا طالت الحرب كانت حاجتها موجبة إلي القلق داعية إلي التفكير الطويل.

اشترك في نشرتنا البريدية