الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 296الرجوع إلى "الثقافة"

الثقافة الشعبية، مهداة إلى الدكتور أحمد عبد السلام الكردانى بك

Share

" سيدي الأستاذ الجليل ؛ لشد ما أنا معجب بذلك البحث القيم الذي توالون نشره في مجلة الثقافة الغراء ، فنحن في الواقع في أمس الحاجة إليه ، منها ونحن مقبلون على فترة خطيرة في حياتنا بعد الحرب .

وقد عن لى أن أكتب الكلمة المرفقة مع هذا ، وان أهديها إليكم اعترافا بهذا الجهد الطيب الذي تبذلونه في سبيل الأمة "

حقا يا سيدي الأستاذ ، ينبغي لنشر الثقافة الشعبية " أن تتكاتف جميع الهيئات ، وتتعاون جميع المصالح الحكومية في إنجاز هذا العمل " .

والمتاحف على اختلاف أنواعها وسيلة فعالة لتثقيف الشعب وتصفية ذوقه ، وصقل مواهبه ؛ وهي إن أحسنت القيام بوظيفتها أصبحت ضرورة من ضرورات المجتمع ، ولم تعد - كما يخيل للكثيرين - ترفا تصح بدونه الحياة ، أو تزيدا يمكن الاستغناء عنه .

وإذا اخترنا المتاحف الأثرية لتكون مثالا نضربه لبيان ما نستطيع أن تقوم به المتاحف في هذا الصدد ، وجدنا أن رسالتها للشعب (1)  لا يمكن أن تتحقق على وجهها الأكل ، إلا إذا أمن المشرفون عليها بأن في أعناقهم لذلك الشعب المصري الذي لم تحظ أغلبيته الساحقة بنصيب من التعليم أمانة لا تبرأ منها ذمتهم حتى يؤدونها له كاملة غير منقوصة - هي استخدام ما بين أيديهم من تراث الأجداد في إيقاظ روح القومية ، ثم في تربية حاسة الجمال .

فتلك الآثار والتحف التي خلقتها لنا الأجيال السابقة تجلو علينا صورا رائعة لمجد أجدادنا ، وتحدثنا - إذا ما خرجت عن صمتها - حديثها الصادق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه عن المادة التي صنعت منها ، واليد التي صنعتها ، والفنان الذي رقشها وزخرفها ، والشخص الذي استعملها ، والموضع الذي استقرت فيه قبل أن تري الشمس من جديد . ومن ذا الذي يستطيع أن ينطقها هذا الحديث الشهي إلا أمناء المتاحف الذين فحصنوها ودرسوها ، وانتهوا من هذا الفحص وتلك الدراسة إلى أنها دليل قوي لا يتسرب إليه الشك على أننا بلغنا من الحضارة المادية درجة لم تسم إليها معظم الأمم في الماضي ، ورفعنا لواء العلم عاليا في العصور القديمة ، ورفعناه عاليا كذلك في العصور الوسطى ؛ فأرسلنا النور إلي أرجاء العالم يهتك ظلمات الجهل وينير سبل الحياة ، وكان مركزنا من هذه الأمم التي نترسم خطاها اليوم ونسير على هديها  كمركزهم منا في الوقت الحاضر !

بمثل هذا الحديث ينبغي أن يتحدث أمناء المتاحف إلي الشعب ، في محاضرات عامة تعقد في المتاحف وتتخذ مادتها مما بين أيديهم من تراث الأولين ، وتدور موضوعاتها حول إذكاء  روح الوطنية وبعث العزة القومية في النفوس ؛ وتلقي في أوقات يستطيع أن يؤمها فيها أكبر عدد ممكن من الشعب ، وتدعي لحضورها الهيئات المختلفة حكومية وغير حكومية من العمال والفلاحين وغيرهما من طبقات الشعب ؛ ويكون حضورها عاما من غير جعل ، حتى يتسابقوا إليها . وليس هناك أقل شك في أن مثل هذه المحاضرات إن أحسن إعدادها ، وكانت موضوعاتها شائقة خفيفة على النفس ، ولغتها واضحة مفهومة ، سيكون لها أبعد الأثر

في تثقيف الشعب ؛ فالمصري بطبعه سريع النجاح إذا ما أحسن توجيهه

والواقع أننا في أمس الحاجة إلي تهذيب أذواقنا ، وإدراك قيمة الجمال في حياتنا ، والإيمان بأن تربية حاسته فينا أمر لا بد منه ، إن شئنا أن نسمو فوق مستوي الحيوانية . ولا شك أن رؤية التحف الجميلة وإمعان النظر فيها والوقوف على سر جمالها هي أحسن وسائل هذه التربية ، لأن التأمل في الجمال من شأنه أن يرهف الحس ويصفي الذوق . وإذا ما تكون الذوق السليم وارتفع لدي الشعب مستواه ، ومرن الناس على تقدير الفن الجميل في شتى صوره ، ارتقت الأمة في حياتها الخاصة وبالتالي في حياتها العامة ، واختفت من الأسواق تلك السلع التي لا ينقصها المهارة في الصنع ولكن ينقصها الذوق والصقل ، وأصبح أفراد الشعب لا يقبلون إلا على استعمال ما هو جميل ، ولا ترتاح نفوسهم إلا إلى رؤية الجمال ممثلا في كل ما يحيط بهم ، تؤذيهم الفوضي في الحياة المادية وفي الحياة المعنوية ، ويؤلمهم عدم التوازن والإنسجام بين الأشياء في داخل منازلهم وخارجها .

ولا ريب أنه لتحقيق هذه الغاية ينبغي أن نعيد النظر في طريقة تنظيم قاعات العرض في المتاحف ، فتجعلها بحيث تجذب برونقها وحسن تنسيقها الالتفات ، وتغري على معاودة الزيارة ، ولا نعرض فيها إلا ما كان كاملا جميلا له في التاريخ القومى قيمة كبيرة ، فكلما قل المعروض تضاعفت العناية به والالتفات إليه ؛ ونقرن كل تحفة بوصف لها ، يراعي فيه أن يكون موجزا مكتوبا بخط واضح يغرينا جماله على قراءته ، حتى تزداد أهميتها في أعيننا -

وينبغي أن تعنى المتاحف بإصدار كتبات ، تتناول

دراسة ما فيها من التحف من نواحيها التاريخية والصناعية والفنية دراسة خفيفة تكتب بلغة واضحة سهلة ، وتزدان بصور كثيرة تحبب الناس - مهما كانت درجة تعلمهم - في اقتنائها ؛ وتكون رخيصة الثمن ليستطيع أن يشتريها كل فرد . فالصانع الذي يريد محاولة إحياء مجدنا القديم في الصناعة يمكنه أن يستوحى ما في هذه الكتيبات من معلومات وصور وزخارف وألوان.

وحبذا لو أخرجت فكرة المتاحف الإقليمية إلي حيز الوجود لتتسع دائرة الاستفادة ، وأكثر من إقامة المعارض المختلفة لتتاح للشعب فرصا يستمتع فيها بمشاهدة التحف النادرة ، التى يساهم بها الأمراء والأغنياء والهواة مما لا سبيل إليه إلا بهذه المعارض ، ثم يقترن كل ذلك بدعاية منظمة ، فتستخدم الصحافة والسينما والإذاعة في الدعوة إلي المتاحف ، وفي لفت نظر الشعب إليها ، وفي تحسبهم في زيارتها ، وإغرائهم على الاهتمام بما فيها والاستفادة منه .

وبعد ، فالمتاحف من أهم الوسائل التي تثقف الشعب وتدفعه إلى الاعتزاز بقوميته ، وإلى احترام نفسه ، وتساعده على تنمية كفايته واكتشاف ماكن فيه من مزايا . وهي في مصر تعيش على هامش الحياة لا يكاد يحس بوجودها إلا القليلون . وليس من العدالة الاجتماعية في شيء أن يختص المتاحف بجهودها وعنايتها أفرادا قلائل من العلماء والباحثين ، وتتجاهل سواد الشعب الذي نعيش بفضل ما يدفعه من ضرائب ، فهو في حاجة إلي نصيب وغير من هذه الجهود وتلك العناية . ولعل في هذه الكلمة الموجزة ما يحفز القائمين بأمر تثقيف الشعب إلى الاتجاه إلي هذه الناحية .

اشترك في نشرتنا البريدية