مما لا جدال فيه أن الثقافة عامل قوي في تكوين الأمم ، وبناء مجدها ، وهي مقياس لرقي الشعوب ونموها ، فالأمم التي تدفن آخر أمي فيها تمد في الطليمة ، وتفسدو مضربا للأمثال ، والواقع أن الثقافة هي أم المخترع وغذاء الزعيم والقائد والوزير ، وما العظماء إلا ابناء العلم ، وربائب الثقافة ، وعلى هذا يجدر بالأمة العربية إذا ما أرادت أن تتبوأ مكانتها بين الأمم وتزاحم بمنكيها في ملحمة الحياة ، أن تلتفت إلى الناحية الثقافية ، وتعيرها ما تستحق من العناية ، ولعل قائلا يقول : إن الثقافة العربية قد بدأت تنمو نموها المطلوب ، وتتجه نحو النضج ، حتى بدأنا نقتطف ثمار كتابنا وشعرائنا الذين ملأوا دنيا العرب بثمرات أفلامهم ونتاج قراتهم. .
بيد أن هذا الاعتقاد يمكن أن يكون خاطئا ، لأن الثقافة العربية تتجه اتجاها مريضا ، يجعلها قائمة على أسس ، ربما لا تقوي أن تكون ركنا ركينا لخلق أمة بالمعنى الصحيح ، ويظهر ان الجامعة العربية تود أن تبنى صرح توحيدها للثقافة على هذه الأسس المتداعية للسقوط ، وإذا حاولنا ان نتبين خصائص ثقافتنا ، علينا ان نبحث في المعلم أولا ، والعلم كاد أن يكون رسولا ، فهو مرآة صافية تنعكس فيها صورة التلميذ ، ويقتبس منه أخلاقه ومبادئه ، والمعلمون عندنا تختلف مشاريهم ، وتتنافر مشاعرهم ؛ فمنهم من تثقف بالثقافة اللاتينية ، ويراها هي التى تصلح ان تكون ثيراسا لنا ، وهدى يهتدي به العرب في بناء مستقبلهم ، ومنهم من يتعشق الثقافة السكسونية ، ولا يرى ثقافة دونها ، ومن الأساتذة من يدين في سياسته بالشيوعية مثلا ، ومنهم الاشتراكي ، ومنهم المغالي في قوميته ، والمعتدل ، ومنهم البتذل في دينه ، والجاحد
للأديان . ومنهم المفرط ، والمفرط ، وكلهم يمرون على التلميذ ساعة من نهار ، ويبشرون بعقائدهم ، فيخرج التلميذ مشتت الفكر مقفل الرأي ، تسيطر عليه مبادئ مختلفة ، لا يعرف ما يناسب بيئته وقوميته ، وكثيرا ما يعتنق التلميذ مبدأ منها ، لا لأنه معجب به ، موافق لشعوره وإحساسه ، وإنما لأنه رأي لأستاذ يحبه ويميل إليه ، فيخرج النشئ العربي لا يمت لبعضه بصلة ، مشتت الآراء مختلف المبادئ ، ينظر الواحد منهم إلي الحياة نظرة تخالف نظرة غيره ، ويبذل جهده في تأييد عقيدته ، وهذا ما يؤدي إلي انقسام الصفوف وتعدد الأحزاب والمبادئ في الأمة الواحدة . والخطأ الثاني لا يقل خطرا عن الأول ، وهذا الخطأ هو أننا نقيس المثقفين عندنا ، قلة وكثرة بسكان الأمصار والمدن ، ولا تحسب لسكان الأرياف حسابا كأنهم ليسوا من الأمة العربية ، مع أنهم أشد حاجة إلي ثقافة تتمشي وحياتهم الريفية فالعلاج أحوج ما يكون إلي ثقافة فلاحية ، وراعي السائمة يجب أن يكون مثقفا بعلم الدواجن ، والريفي بعيد بطبعه عن مدرسة الحياة وهو في حاجة ماسة إلي علم عائلي برشده إلي السعادة البيئية ويعلمه حقوق الزوجية وحقوق الأولاد وعلم الصحة واكتساب المال وطرق صرفه ، وهذا كله مفقود عند الأمة العربية ، ولا زالت الحكومات عندنا بعيدة عن العناية بالفلاح وتثقيفه.
ولعلنا لو أحصينا المثقفين من الأمة العربية بين حواضرها وبواديعا لما وجدنا خمسة في المائة بالنسبة للمجموع ، وابحث الثقافة في قرض الشعر وكتابة الروايات فحسب ، وإنما الثقافة ان يكون كل فرد من الأمة مثقفا في دائرة اختصاصه ؟ فالتاجر له ثقافة خاصة به ، وذلك التجار والحداد وهلم جرا ، ثم إن الجامعة العربية أخذت تعمل لتوحيد الثقافة بين الأمم المشتركة فيها ؛ وإذا كانت الدبلوماسبات تجبرها أن تقصر عملها السياسي على دول الشرق ، فالعمل الثقافي هو
قدر مشترك بين الأمة العربية المستقلة والمغلوبة على أمرها ، لأن الثقافة تراث تركه الأجداد لإخوة أشقاء ، يستحق كل منهم ما يستحق الآخر ؛ وهذا التراث وقف غير قابل للقسمة ؛ وإنما يجب أن يستثمر ربعه الإخوة على حد سواء ، والمنطق لا يجيز للقوي أن يقوز بالنصيب الأوفر لأنه قوي ، ويمنع الضعيف من حقه لأنه ضعيف ، فالمواريث توزع على الورثة بالسوية لا فرق بين قويهم وضعيفهم ؛ وإذا سرنا على هذا المبدأ جاز لنا أن نلفت نظر الجامعة ولو قليلا إلي أخ أقعده جور المستعمر عن المشاركة في سياسة العرب ، فلا أقل من أن ننهض به ثقافيا وان نعينه محمد بدء إلي تراث آبائه وأجداده ، وليس المستمر حق أن يمنعنا من توزيع ميراثنا الثقافي علي أبناء اللغة العربية ، فهو يبتغي من وراء استعماره أن يفوز بغنائمه الاقتصادية والعسكرية ، وكان من الواجب على الأخ أن يغتصب منه ذلك ؛ أما وقد تنازل عن حق أخيه وربما يجد له عذرا في ذلك ، فليس له عذر أن يغفل عن رعاية أخيه في الثقافة المشتركة وبترك أبناء العائلة الواحدة ، منهم من ينال قسطه من لغته وثقافته لحد الإشباع ، ومنهم من يعيش ظامنا إلى ثقافته يخشى أن تنقطع الصلة بينه وبين إخوته من جهة ، وبينه وبين أسلافه وماضيه من جهة أخرى . إنما نود من الجامعة أن تشرك المغرب العربي في لجانها الثقافية ، فتعين فيها أعضاء من تونس والجزائر ومراكش ، ثم تعلن هذه اللجان مقرراتها ، وللعرب في تلك الديار أن يسعوا في تطبيقها والعمل بها جهد المستطاع .
على ان المغرب العربي قد سبق غيره في السعي لتوحيد الثقافة العربية ولم يدخر وسعا في ذلك هؤلاء شبابه قد تحملوا مشاق السفر وفروا من حصار المستعمر الشديد عن طريق طرابلس ، ثم عبروا الصحراء وقاسوا ما قاسوا من التعب والجوع وأكلت الرمال من أرجلهم حتى غدوا يمشون على الأرض كأنهم يمشون على أعينهم ، وهم في ذلك يجدوهم الأمل وتدفعهم الثقة في إخواتهم
ويعتبرون أنفسهم قادمين إلي بيوتهم سيجدون فيها من يأخذ بيدهم ويقودهم إلي منابع الثقافة فينهلون من معينها ما يؤهلهم أن يكونوا رسل ثقافة موحدة بين عرب المشرق وعرب المغرب ؛ هذه عوامل دفعت هؤلاء الشباب لينفروا إلي إخوانهم ليتفقهوا في ثقافتهم ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم أ لعلهم يحذرون ، وزاد في إرهافهم تذليل العقبات التي تصبها الأجنبي في الحدود المصطنعة بين الأقطار العربية ، فأكلت الرشوة ما يبدهم من المال واضطروا إلي أن يتواروا في الرمال والجبال عندما تحيط بهم زبانية الحدود ؛ كل ذلك سعيا وراء تراثهم الثقافي ؛ وكم تكون لهم خبيبة أمل حينما يجدون أبواب العلم مغلقة في وجوههم موصدة أمامهم بقيود واعتبارات وضعها الأجنبي قديما فأخذناها عنه كأحكام منزلة لا يجوز نقضها ، وكم يستولي القنوط على هؤلاء الشباب لما يشعرون بأنهم أجانب بين إخوانهم بعد ما كانوا أجانب في بلادهم ! رها هم يتسكمون في بلاد الشرق تدفعهم جامعة إلي أخري ؛ فهذه لا تعتبر شهادتهم لأنها غير منصوص عليها في قوانين البلاد ، وذلك تمنعهم من دخولها المادة ، والمادة احتكرها المستعمر في المغرب العربي ؛ وأخيرا زهد هؤلاء الشباب في العلم واضطروا إلي أن يبحثوا عن عمل يرتزقون من ورائه بعد أن أصبح رجوعهم إلي أوطانهم محاطا بالخطر ، والسجون تنتظرهم ، فخسروا الصفقتين ، وحرموا من ثقافتهم الضئيلة في بلادهم وأوطانهم وأهليهم ، كما حرموا مما كانوا يرغبونه من ثقافة شرفية موحدة ليرجعوا بها إلي إخوانهم ويوقوهم حقهم من تراث أسلافهم ولغة قرآنهم :
فهل بعد ذلك نفاخر بثقافتنا ونبني عليها امالا ، ونسعى لتوحيدها وهي هزيلة ؟ اما كان لنا ان توحد شعورنا قبل توحيدها وان يجعلها درعا سابقة لكل من نطلق بالضاد ، وقدرا مشتركا بين العرب في مشرق الشمس ومغربها ، أيزداد انصارها وبتعدد جنودها ! ولعل فيمن
أهملهم القوم نوابغ لو أسعفهم الحظ لرفعوا لواء الثقافة العربية ، وخلدوا لها ذكرا وقدموا إلى ابناء لغتهم ما فاخروا به أمم الدنيا ، ولكنهم ماتوا في زوايا الإهمال وعفى عليهم النسيان ، ودفنوا مع مواهبهم ، والناس في غفلة عنهم ، فلا عرفتهم ثقافتهم ولا هم عرفوا انفسهم .
