باسم الله تفتتح (( الثقافة )) العام الثالث من حياتها ، وهى أشد ما كانت اغتباطا ، وأوسع ما كانت رجاء ؛ فقد اتصلت بنفوس قرائها الكثيرين ، واصبحت جزءا من حياتهم العقلية ، يترقبون موعدها ، ويتحينون صدورها ، وينشدونها إذا غابت ، ويشغفون بقراءتها إذا حضرت ، ويعدونها غذاء من غذائهم الروحى ، ومتاعهم الأدبي ، وقد وثقوا صلاتهم بها ، يقدمون إليها
خير نتاجهم ، ويستفسرون منها عما عمى عليهم ، ويحبون نواحى قوتها ، ويتقدونها فيما يأخذون عليها ، ويحنون عليها فى حاليها .
وهى من جانبها لم تدخر وسعا فى أداء واجبها ، فأخلصت للعلم والأدب ، وحرصت على أن تخدم الحق ؛ فلم تعرض للعلم الرخيص ، ولم تنزل للأدب الوضيع ، ولم تحد عن الحق .
لقد صادفتها مصاعب كثيرة ، منها ما هو مادى ومنها ما هو معنوى ؛ فقد غلا الورق وصار ثمنه أضعاف ما كان ، حتى صار ثمن المجلة ورقا أبيض يكاد يكون أكثر مما تباع به - فكيف مع التحرير والطبع ؟ وعز فى السوق حتى صعب الحصول عليه ، وفرغ الناس لأخبار الحرب والسياسة أكثر مما فرغوا للعلم والأدب ، ولم تكثر قراء المجلات الجدية فى لشرق بنسبة انتشار التعليم فيه ، وانكماش الأمية منه ؛ وقل الانتاج الأوربى ، وقل وصوله إلينا ، إلى غير ذلك من عوائق ؛ ومع هذا ظلت المجلة سائرة فى سبيلها ، علما منها بأنها تؤدى واجبا ولا تطلب مغنما ، وتغزو الجهل ولا تغزو المال ، وتفتح أبوابا للعلم والأدب ولا تفتح متجرا ؛ و " لجنة التأليف " من ورائها تشجعها على المضى فى سبيلها مهما لاقت ، ولا تعبأ بالمال مهما ضحت ؛ وكل غايتها أن تخدم غرضا رمت إليه ، وتحقق أملا آمنت به وصممت عليه .
لست أنسى يوم خروج " المجلة " لأول عهدها ، واللجنة واجفة تحسب لها ألف حساب ، وتخشى الفشل أشد خشية ، وترى أن هذا أول عمل لها من نوعه ، وأنه يخالف ما درجت عليه ، فهو يعرضها للاتصال بالجمهور وجها لوجه ، ويربطها به ارتباطا دقيقا بالساعة والدقيقة ، ويلزمها بتقديم الغذاء الصالح له دائما أبدا ، لا يعفيها من ذلك صيف ولا شتاء ، ولا إجازة ولا عيد ؛ وإنها لا تفرغ من عدد ظهر إلا لتفرغ لعدد يظهر .
ومما كان يزيد خوفها أن الله وفقها فى كل ما حاولت ، من اختيار أعضاء ، ونشر كتب ، وإنشاء مطبعة ، وما إلى ذلك من أعمال ، فهى لم تجرب الفشل أبدا ؛ ومن أجل ذلك هلعت من تصور الفشل فى عمل .
واليوم ، وقد مضى عليها سنتان ، تستقبل العام الجديد بقلوب مطمئنة ، حامدة الله على النجاح المتتابع ، والفشل الهارب ، شاكرة لجمهور القراء حسن ثقتهم ، ولطف معونتهم ، وجميل تشجيعهم .
وليست السنتان الأوليان فى عمر مجلة بالشىء اليسير والزمن القصير ، فقد وضعت الأعلام ، ووضح المنهج ، وتفتحت العيون للتجارب ، تستفيد من النجاح ومن الفشل ، وتتعرف وجوه القوة فتستزيدها ، ووجوه الضعف فتقويها ؛ ولا سيما أنهما سنتان بعشر ، استوت مع باقى السنين فى الطول ، ولكنها اختلفت عنها فى العرض ، فاذا صلب عودها على العسر فأولى أن تزهر فى اليسر ، وإذا سلمت فى البؤس فهى أصلح للبقاء فى الرخاء .
لقد استرشدنا بنصيحة ابن المقفع الغالية ، إذ يقول : " على العاقل أن يحصى على نفسه مساويها فى الدين ، وفى الرأى ، وفى الأخلاق ، وفى الآداب ؛ فيجمع ذلك كله فى صدر أو فى كتاب ، ثم يكثر عرضه على نفسه ، ويكلفها إصلاحه ، ويوظف عليها توظيفا ، من إصلاح الخلة أو الخلتين أو الخلال فى اليوم أو الجمعة أو الشهر ؛ فكلما أصلح شيئا محاه ، وكلما نظر إلى ثابت اكتأب " .
فنحن أعرف بما عملنا ، وما يجب أن يعمل ، وما كان عليه ماضينا ، وما يجب أن يكون عليه مستقبلنا ، والخطوات التى قطعناها ، ومدى الأغراض التى ننشدها . ولكنا لا نسرف فى وعود ، ولا نتبحبح فى آمال ؛ فخير أن نعمل من أن نتكلم ، ونفاجىء بالاصلاح من غير سبق ثرثرة . ولنكرر شعارنا الذى اتخذناه من يوم إنشائها ، وهو : " إلى الأمام والله يؤيدها " .

