الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 210الرجوع إلى "الثقافة"

الثقافة فى عامها الخامس

Share

باسم الله نستقبل العام الجديد . وباسم الله نستقبل " الثقافة " في عامها الخامس

نستقبل العام الجديد والعالم لما يفق من نوبة جنونه ، فقد عودنا من عهد ادم ان يجن جنونا متقطعا بعقل ، ولكنه اليوم أجن ؛ فلم يخرب كما خرب هذه المرة ، ولم يشعل البيت كله كما أشعله هذه النوبة ، هو في عقلة يعمر ويشيد ، ويجعل ويصلح ، فإذا جن خرب ما عمر ، وهدم ما بني ، وشوه ما جمل ، وافسد ما اصلح . ولئن استمر طويلا في جنونه - لا قدر الله - فهي الطامة الكبرى والكارثه العظمي . لقد ضاق مستشفى المجاذيب بأهله فاتسع حتى حوي العالم ، وعم جنونه حتى شمل البر والبحر ، والأرض والسماء ،

والأسود والأصفر والأبيض ، ونسي أهله العقل حتي ألفوا الجنون ، فكل يوم جديد تفكير في تخريب جديد ، والسيئة تستتبع السيئة ، والشر يبعث الشر . والمصيبة العظمي ان هذا المجنون ضعف تفكيره وقويت إرادته ، فهو لا يبحث عن الشفاء لمرضه ، ولكن يحدد انيابه لفتكة ، ويستجن من يشير عليه بالهدوء ، ويستعقل من يحمسه لهياج وفي الأمثال القديمة ان رجلا جن فبعثوا إليه بأعقل رجل ليهديه ، فجاء بالخيبة ، ثم بعثوا إليه بمجنون مثله يرشده ، فأفلح المجنون حيث فشل العاقل . فلعل العالم الآن ينتظر مجنونا يشفيه من جنونه ، بعد ان عجز العقل عن شفائه .

اربع سنوات تشتعل النار ولا من يفكر في

إطفائها والسيف مسلول في يد من يحصد الأرواح حصدا ولا من يأخذ السلاح من يده ؛ والأقوات تلقي في البحر ومن يتلقفونها يموتون جوعا ، والبيوت تهدم ومن يهدمونها يبيتون في العراء ؛ ومن عاش صنع بيده ما يهلكه وأخترع ما يسرع عن فنائه فلو منحت البهائم لسانا ناطقا لحمدت الله أن لم يخلقها ناسا

ما حال العالم اليوم ؟

لقد انحبست فيه الملائكة وانطلقت الشياطين ، وغاضت الرحمة وفاضت القسوة ، ومات الحب وحي الكره وانقلبت القيم رأسا علي عقب ) فإذا الخير شر والشر خير ، وتقوضت دعائم البيت فسقط علي من فيه ؛ فلا دين يزع ، ولا ضمير يردع ، ولا حكومة تشعر بالتبعة الإنسانية وركب الناس نظرياتهم الحديثة فأوصلهم إلي القبر

كل السياسة تتجه إلي المال . وكل الحياة تقصد إلي المال ) فإذا الغني شقي بالتفكير في استغلال الفقير . وبوسائل احتفاظه بثروته من عين البائس المحروم ، وإذا الفقير مملوء بالحقد على الغني لجشعه واستغلاله . وإذا الغني والفقير معا آلات ميكانيكية صرفة ، ووحدات اقتصادية بحتة ؛ لا بروح ولا نفس ولا سماحة ) لا شئ عندهم أعز عندهم من جيوبهم ، ولا مطمح للفقير إلا بعد عوزه ، ولا للغني إلا انغماسه في ترفه ، فحيوان يشكو الجوع ، وحيوان يشكو التخمة ، وكلهم في البؤس سواء

هذا في الأفراد والجماعات ، أما الأمم فظلت تنتج في نار الوطنية حتى تأججت ، وتنفث سم الخصومة حتى استحكمت ، وتبني تربيتها ونظمها على الأنانية القومية ، والعصبية الجنسية ، وإلواء الدين والعلم والتاريخ لخدمة هذا الغرض ، وجمع المال بالتضييق على الشعوب وبذله في التسلح لبلوغ هذه الغاية ، وإثارة الغرائز الوحشية لعبادة القوة المادية ؛ فلما تجمع هذا البارود كله انتظر

عود ثقاب ، فانفجر ودك الأرض دكا ، ونسف أهلها نسفا أتظن أن عاقلا يصنع ذلك بنفسه ؟

وقد يكون للعام الذي نودعه ميزة ليست لسواه فقد استطاع أن يبلغ بالجنون غاية ليس بعدها غاية . ويصل في تخبطه إلي النهاية ، وليس بعد الزيادة إلا النقصان ، ولا بعد تمام الجنون إلا البدء في العقل

فما لا أشك فيه أن العام الذي نستقبله سيكون على الأقل - أقل جنونا ، إن لم يكن أحكم عقلا ، وسيشعر فيه العالم بالبهر من طول الشوط ، فيأخذ في الرجوع إلي العقل بعد ان طال تعبه  من الجنون في وسيعجب من جنونه كيف حدث ، ومن دنياه كيف افسد ، ومن صرعاه كيف صرع ؛ وسيذكر طويلا في أسباب جنونه وكيف يشفيها ، وقادة جنونه وكيف ينتقم منهم ؛ وسيحول اسباب الجنون إلي أسباب عقل حسب استطاعته ، وسيصغى طويلا إلي أطباء العقل لعل عندهم ما يشفي مرضه ويامن عوده ؛ فإن لم يفلح في الشفاء التام فلا اقل من ان يفلح في تأجيل النوبة ؛ وسيحتاط جهده أيام العقل ليكون مغلولا أيام الجنون . فان جمع العام الجديد في هذا كله فله الفخر ، وإلا فسيكون له - على الأقل فخر أنه سجل خط الرجوع إلي العقل

ومما يخفف نقمتنا على جنون العائم انه يجد بعد إفاقته جدا يعوض جنونه ، ويكدح كديحا يعيد بناءه على خير مما هدم فلعله هذه المرة وقد افسد كثيرا ان يصلح كثيرا ، وان يألم لما حدث في غير وعيه ، فيحترس لذلك أيام وعيه فلا بأس على الفلاح أن يحرق هشيمه إذا استعد لربيعة ، وأن يحرث أرضه ليحدد زرعه .

لقد مات العام المنصرم وماتت معه أحداثه ، ومات معه الملايين من البشر ، ومات معه ما خلفه الموت من

الماسي ، ومات معه آلاف انتشآت في البر والبحر كالاعلام ، ودفنت معه غفلة الناس وسخافتهم وشهواتهم واثرتهم ؛ ولم يبني من ذلك إلا ذكريات تفني قليلا قليلا حتى يذهب اثرها كما ذهبت اعيانها ولا يبقي إلا العبرة من الماضي لصلاح المستقبل ، والدرس القاسي في الفشل نتعلم منه النجاح

وتستقبل الثقافة لعامها الخامس ، وقد فجأها الحرب بعد أشهر من ولادتها ، فساهمت في الجهاد ، وشاركت في حمل العبء . لم تستطع أن تنمو نموها الطبيعي وتتعدد في ثوبها ، بل حدت الحرب من حجمها كما حدث من أفكارها ، وقلت من غذائها ، وزاد في الضغط علي جوها أن الصانع التي كانت تصنع الورق لغذاء الأرواح ، انقلبت تصنع المواد للفتك بالأرواح ، والسفن التي كانت تحمله فتنشره علي العالم ينقش فيه علمه وعواطفه وفنه ، صدت عنه ، وأفسحت صدرها للسلاح توزعه للحصد والفتك ، والخراب والتدمير مرددة  قول أبي تمام : " السيف أصدق أنباء من الكتب " وهو قول جائز وخيال شاعر ، فأين السلاح الهادم من الكتاب الباني ، وأين بطش اليد من نداء العقل

وجمرة العقول والمشاعر التي كانت تنتج أدبا ساميا أصبحت تنتج ادبا سياسيا وجمهور القراء شغلهم أهلهم ومالهم ومشاكلهم ، ففكروا كثيرا في قومهم ومستقبل حياتهم ، وقليلا في عقرهم وغذاء أزواجهم . رفضت ظروف الحرب فأحكمت حدود كل

قطر ، وروقبت منافذه ، وحصنت مسالكة ، فأصبح اتصال كل قطر بالعالم حوله عسيرا في تبادل النتاج العقلي والفكري والعاطفي

وكل كلمة لابد أن توزن وزنا دقيقا في قولها وفي سماعها ، وكل فكرة لابد أن ينظر في نتائجها واحتمالاتها كل نظرة لا بد ان تقدر بظروفها ومناسباتها وملابسها والآداب والفنون من الأشياء الحساسة ذات الشعور المرهف ، هي زهرة جميلة لا تنمو إلا في بيئتها الصالحة ، ولا تزهر إلا في الهواء الطلق ، رائحة البارود تخنقها ، وصوت المدافع يؤذيها ، وضغط الحر يذبلها .

في كل هذا ، وفي  أكثر من هذا ، تجاهد الصحف والمجلات ، وكلما جدت تعبت ، وكلما فهمت رسالتها شعرت بتبعاتها ، وكلما أدركت واجبها كان جهادها أشق ، وموقفها أدق ؛ وصدق الأثر " رجعنا من الجهاد الأصغر إلي الجهاد الأكبر وبعد ، فنحمد الله علي البقاء وإن لم يكن نماء ، ونغتبط إذ تري الكتاب : والقراء يلتفون حول المجلة في مثل هذه الظروف ، يمدونها بآرائهم وبحوثهم ونتاج تفكيرهم ومشاعرهم ، ويشجعونها بالإقبال عليها ، ويعدونها لونا ضروريا في حياتهم ، ونمطا لابد منه في إذاعتهم واستماعهم

ولعل العام الجديد يحظي بما لم يحظ به سوابقه . فيعيد على الناس حريتهم وامنهم ، فتغمد السيوف . وتجري الاقلام ، وتفك القيود ، وتنطلق الأفكار ، ويعود للناس أمنهم وطمأنينتهم ، ويعود للأدباء غناؤهم وشدوهم . إن شاء الله .

اشترك في نشرتنا البريدية