هذا هو العام الرابع للثقافة ؛ وما أسرع ما تمر الآيام وتنقضي السنون مهما كان فيها من أحداث ، ومهما تضمنت من عظائم :
لقد بدأنا هذه المجلة ولنا فيها آمال كبار ، أملنا أن تلد في صباها فتخرج منها مجلة شهرية للخاصة تعنى بالبحث الدقيق العميق ، واخرى نسائية تعني بشؤون النساء وكالة للأطفال تقدم لهم القصص المتمتع والأحاديث الشائقة وإذا بالحرب تطلع علينا بقاء اشهر من صدورها ، فتقف دون آمالنا ، ويقتصر خيالنا على الرضا بالواقع ، ونلاقي العناء فى الحـ على ورق الطبع ، وفي بدنا المال وفي الطبعة مقلدات مكدسة ، ونضطر إلى الاقتصاد في عدد الصفحات ير والاختصار في المقالات ، وضم الحروف
والكلمات ؛ وإذا كل رجائنا أن نحتفظ بها من غير أن تلد ، ومن غير أن تنقص من جديد
لقد مرت عليها ثلاث سنوات عجاف ، لا يقتضيها الناس ولا يعصرون ، تشتد بهم وتشد ، حتى اصبحوا يحصلون على الخبز بالرجاء ، وعلى البفتة بالواسطة ، وعلى ورق الطباعة بالمصادرة وانتهاز الفرصة ، ولا يدرى بعد ما سيكون .
ومع هذا عودتنا الطبيعة أن نبات الحدائق لا يقوى على تغيرات الأجواء كما يقوي نبات الصحراء ، وابن النعيم لا يحتمل الداء كما يحتمله ابن الشقاء ، واذهب إذا أذيب في البوتقة خرج أنضر ما كان وأصفي ما كان ؛ فإذا نجونا في البأساء والضراء فأخري بندان تدجر في
النعماء ، إذا زال هذا الكرب ، وانقشعت هذه القمة بإذن الله
ونحمد الله أن كان في مصر والعالم العربي قوم يحرصون على غذائهم العقلي حرصهم على غذائهم المادي . وقوم لا يصدهم كرب الحياة ومتاعبها من ان يجلسوا إلى أفلامهم يناجونها ويناجون قراءهم ، ويبثون إليهم عواطفهم وافكارهم ، على الرغم من ان الموت يتخطف من حولهم ، والديار تخرب بجانبهم ، فكان من هؤلاء وهؤلاء حفظ الحياة الأدبية سليمة وسط هذه الزعازع
فان نحن نظرنا إلي عامنا الماضي فانا نغتبط إذ بذلنا جهودنا في أداء واجبنا ، وخطونا خطوة في تحسين إنتاجنا وتنويعة وعرضه ؛ وحاولنا جهدنا ان نزيل الملل من القراء بتنويع الأبواب وتنويع العرض ، وتقديم أفلام جديدة في موضوعات جديدة من حين إلى حين
وإن نظرنا إلي مستقبلنا وعدنا القراء أن نتابع الجهد في الاصلاح ، وان يتصل قراء المجلة بها اتصالا اوفي ، فيعرضوا عليها مطالبهم ، وتعرض عليهم إجابتها عنها ، ويزيد الاتصال الروحي والعقلي بينها وبينهم ، حتى يكون منها ومنهم أسرة واحدة ، تجمعهم وحدة الغرض ، والسير إلي الغاية
وكل سنة تخطوها نشعر أن معالم المجلة قد وضحت ، وملامحها استبانت ، وانها وقراءها يكونون مدرسة لها برنامج خاص يخالف برنامج غيرها من المدارس ، ويدع للقراء تفصيل ذلك ، يستفتون فيه أنفسهم ويستلهمون شعورهم .
ونأمل أن ينال هذا العام الجديد شرف السلام ، فقد بلغت ازمة العالم حدا ليس بعده زيادة لمستزيد ،واشتعلت النار في جميع غرفه ، وما لم تنله ناره يكاد يختنق بدخانه ، وسرت الحمى إلي جميع اجزاء الانسانية ، فجعلت تهذي ،
وتلقى بنفسها في الحجيم ولا تدري ، وتخرب بيدها ما شيدت ، ولا تعبأ بتبعة ، وغاب عنها عقلها فلم تقف برهة قصيرة تتساءل : لم كل هذا ؟ وهل تتساوي النتيجة مع الوسيلة ؟ او ليست الانسانية قطعت طور الوحشية فاستكشفت طريقة للتفاهم غير السيف !أولم تصل الانسانية إلى حد أنها قومت نفسها بأكثر مما تقوم المال والمتاع وكل شئ في الدنيا ؟ فلم إذا تسيل دماء الملايين من أجل بقعة من الأرض تحتل او شعب يخضع أو غنيمة تغتنتم ، أو كلمة تعلو كلمة ، أو زعيم يسيطر على زعيم ؟ هل هذه كله يساوي نفسا إنسانية واحدة ، بله دماء الملايين وعذاب الملايين ؟ ولكنه الجنون العارض الذي لا يسمح لصوت العقل إلا بعد أن يفيق ، والحمي المضرعة التي لا تصغي للحكمة إلا بعد انخفاض درجة الحرارة ، والغضب الهائج المائج الذي لا يندم إلا بعد أن يسجن صاحبه
لقد ظل قوم من سخفاء الفلاسفة يشهدون مذاهبهم على أن القوة المادية هي كل شئ وهي الحياة وهي السعادة ، وهي الحق وهي العدل ؛ فليجن - إذا - أتباعهم نتيجة تعاليهم ؛ هذه هي القوي بلغت ذروتها ، فماذا فعلت أكثر من انها طاحت برءوس الناس وخلفت لهم البؤس والشقاء ؟
وهؤلاء إخوانهم الفلاسفة السخفاء ايضا الذين أهدروا قيم الانسانية ، وأرجعوا كل أهمال الانسان وطموحه وتساميه إلى الغريزة الجنسية .
وهؤلاء إخوانهم السخفاء أيضا رأوا ان العلم وحده موئل العالم : فدعوا إليه وجردوا كل القوي في خدمته . فكانت نتيجته انه أمد القوة بما طلبت ، فاخترع وابتكر وأنشأ وسائل الموت على أحدث طراز ، وأفقر الناس ليغني مستودعات الذخائر ، وضحك على عقولهم بمصابيح كهربائية وأصوات لاسلكية ليحصدهم فيما يعد حصاد الهشيم ويفتك بهم فتك الطاعون .
وهؤلاء إخوانهم سخفاء الساسة أيضا استغلوا ما أودع عند الناس من عواطف نبيلة ، فوجهوها للفتك بالأرواح في غير رحمة ولأعمال التخريب من غير هوادة ، ونظروا إلي مجدهم بالظفر أكثر مما ينظرون إلي الإنسانية تنتحر ، واصطنعوا الفلاسفة والأدباء يغنون نشيد الوطنية لتفريق أجزاء الإنسانية .
ووراء كل هؤلاء قوم عبدوا المال ، واستعانوا بالآلهه على الكبراء والعظماء ، فذلوا لهم وكانوا عبيد العبيد ، فقوم هؤلاء وهؤلاء كل شئ بالدينار ، وهزئوا بالرحمة والإنسانية والعدل والحق ، لأنها لو وزنت بميزان الذهب لم تزن مثقالا ، فالحرب خير إذا أكسبتهم مالا ، وإهدار الأرواح لغنيمة إذا امتلأت جيوبهم ، والتخريب منهي الأمل إذا كان الدينار يربح به المائة والألف ، وأملهم أن تنتصر الأمة التي تستغل لهم وتستعبد بهم .
سيأتى اليوم الذي يصب فيه الناس غضبهم على كل هؤلاء المذاهب الفلسفية والذاهب الدينارية . سيمقتون الدعوة إلي القوة دون الحق ، والجنسية دون الانسانية ، والعقل دون القلب ، والعلم دون الدين ؛ وسيلعنون كل أولئك ، وسيصغون فقط إلي دعاة العقل والعدل والإنسانية ؟ ولا يسمحون لأي كان أن يتلاعب بهم ، فقد شاهدوا نتيجة التلاعب ، وانكشفت لعبة الكرة ؛ وهذا هو الأمل الوحيد والدرس الوحيد الذي يصح ان يعزي عن هذه المصائب . إن أمل الإنسانية أن يملك زمام العالم قوم اتسعت عقولهم ، وأكثر من ذلك أن تكون قد حييت قلوبهم ، وان يشجعوا في قول الحق والدعوة إلي الحق ، لا أن يجروا وراء العالم يتملقونه ويستغفلونه ، وان يعودوا إلي حرمة العقود والعهود والاقوال والوفاء بها ، فقد كان ذلك عزا للانسانية أضاعوه ، وان ينظروا إلى العدل الواسع بجدا الذي يشمل العالم ، لا الذي يضيق فلا يتسع إلا لأمة ؛
فقد كان هذا النظر الضيق صحيحا يوم كانت الامة تعيش لنفسها في حدودها . أما وقد اثبتت هذه الحرب ان العالم وحدة ، وانه إذا اشتعل اشتمل جميعا ، وإذا انطفأ انطفأ جميعا ، فلا يصلح له إلا النظر الواسع والعدل الشامل
لقد نسيت أنى أتكلم في " مجلة الثقافة في عامها الرابع ونسيت أني أريد أن أتكلم في الأعياد التي اصبحت وسط هذه الحروب لا طعم لها ، إلا الذكري الالمة لما كان ينعم الناس في مهد الرخاء والسلام . لقد كان العام الراحل اقس اعوام الحرب واغشمها ، ازال امما واعفي أمما ، وأشعل النار في نصف الكرة الأرضية الآخر . فهل يسير العام الجديد سير الناس ، فيتسابق في الشر ، ويبر الأعوام السالفة في النكبات ، أو يعقل فيعقل الناس عن شرورهم ، ويحبس الارواح الشريرة في فماقم النحاس ، ويطلق الأرواح الخيرة تدعو إلي السلام ؟ علم ذلك عند علام الغيوب .

