الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 314الرجوع إلى "الثقافة"

الثقافة فى عامها السابع

Share

اليوم تستقبل " الثقافة " عامها السابع كما تستقبل العام الميلادي الجديد ، وكنا نحن نودع العام الماضى نأمل أن يكون هذا العام خيرا مما سبقه فيطلع على العالم ببشرى السلم والطمأنينة والرخاء ، ولكن خاب فيه الأمل فكان كما سبقه من أعوام أربعة دامية مدمرة ، وكان مثلها قسوة وجبروتا ، بل كان أقسى منها ، لأن العالم كلما تقدم به البؤس ، ازداد شعورا بالضجر والملل ، واستنفدت منه قوة الاحتمال ، فكان الألم مضاعفا والنفس حسيرة وخيبة الأمل لإذعة ، ولكن كل عام يمر يحمل فى ثناياه فضل القرب من النهاية ، والأمل فى الوصول إلى الغاية . فلعل العام الذى تستقبله يكون خاتمة الفجيعة ونهاية المأساة .

ولكن ماذا عساه أن يكون حتى لو ختمت الحرب ؟ إن مشاكل ما بعد الحرب أعقد من مشاكل الحرب ، وطلائع ذلك بادية فيما تفعل اليونان والبلقان وايطاليا وبلجيكا ، فما

تنسمت هذه البلاد نسمة السلم - ولما يتم - حتى بدت فيها المشاكل الاجتماعية ونظام الحكم وخطط الحياة . فما بالك إذا ختمت الحرب وبرزت المشاكل كلها كاملة سافرة ؟ ان مشكلة المشاكل أن العالم تطور كل شئ فيه ، ومال إلى الوحدة فى كل نواحيه ، ولكن الشىء الوحيد الذى لم يتغير هو عقلية كبار الساسة فى طريقة حل المشاكل ، وهذه هى الصخرة التى سيصطدم بها تيار السلم وسوف تتابع عليها أمواج الحياة حتى تعد لها وتأتى بعقلية جديدة صالحة لأن تحل المشاكل الجديدة بالروح الجديد - روح النظر إلى العالم كوحدة لا عدة وطنيات ولا عدة طبقات ولا عدة دولات ولا عدة قارات ولا عدة محميات ، فإن لم يتم هذا فالحرب تلو الحرب حتى يسود هذا الإدراك - ادراك وحدة  العالم الذى هو السنن الطبيعى وهو الغرض الأسمى للعالم الذى يتجه إليه لا محالة والذى لا يستطيع أحد أن يقف

أمامه لأنه القانون الطبيعى من خالفه قتل نفسه وجرى القانون الطبيعى مجراه .

إن اختراع المخترعات من طيارات واتصال بالأسلاك وبالموجات ونحو ذلك إنما هى إرهاص من الطبيعة بقانونها الذى نريد أن يكون وهو الوحدة ، فإذا غفل عنه الساسة وأطاعوا القوانين القديمة من حزبية ووطنية وعصبية ودموية وأرادوا أن يديروا العالم على هذا الأساس كما كانوا يديرونه من قبل ، كانت الحرب وكان الخراب واستمر ذلك حتى يفهم الساسة إشارة الطبيعة أو حتى تسر الطبيعة بقانونها إلى نفوس كبيرة تستطيع أن تقضى على العقول القديمة والنفوس القديمة فتحل محلها ، ان الطبيعة التى جعلت من الشمس ضياء للجميع ، ومن الهواء تنفسا للجميع ، ومن بقعة الأرض مسكنا للجميع ، ومن قبة السماء دائرة تلف الجميع ، تأبى كل الإباء ما اصطنعه الإنسان بعقله البالى من تفريق ، بكلمة الشرق والغرب والجنس الآرى والجنس السامي والشعب السكسوني والشعب اللاتيني إلى آخر ما ابتدع من التعدد ، وقوانين العالم تريد التوحد ، فكانت الحرب وكان الخصام وكان الشقاء ، ولا يزول ذلك حتى وكان الخصام وكان الخفاء ولا يزول ذلك حتى ينسجم الناس وقوانين الطبيعة - هل بنت الطبيعة أسوارا حول كل أمة أو حول كل قارة أو حول كل جنس ، وهل جعلت لكل أمة شمسها وقمرها وبحارها وجبالها وهواءها ؟ لاشىء من ذلك ، ولم تبن الأسوار لأنها لا تريد التعدد فجاءت الثروات فأرادت أن تبنى حول كل اعتبار من هذه الاعتبارات السخيفة سورا كسور الصين ، أو سدا كسد ذى القرنين ، وكان هذا ضد الطبيعة فهدمته ، ولكن هدم الطبيعة بطئ كعادته دائم كعادته ، ولم يسايرها الإنسان فى اتجاهها بل عائدها فلم تعبأ به الطبيعة وأشقى هو نفسه .

نسيت أنى أتكلم فى " الثقافة فى عامها السابع " فتكلمت فى العالم فى عامه الذى لا أدرى هو ماذا ، وهذا دليل على ما أريد ، فالطبيعة تكره الانحباس فى حدود ، ومن أجل هذا شطح الصوفى فكان منه كلمة فى الشرق وكلمة

فى الغرب إذ ليس عنده شرق وغرب وإنما هى وحدة الوجود - ومن أجل هذا أيضا جعل البلاغيون الاستطراد نوعا من أنواع الفن البلاغى ولم يجعلوا عدم الاستطراد فنا أيضا - ومن أجل هذا ايضا بحث علماء النفس فى تداعى المعانى ، وما تداعى المعانى إلا الشطح والاستطراد وأمثالهما ، ورأوا أن النفس ملول لا تصير على التركيز وعلى الأنحباس فى معنى واحد كما لا يصير البدن على طعام واحد ومن أجل هذا أيضا ...

ولكن لابد أن أعود إلى " الثقافة فى عامها السابع " فقد استمر ضغط الحرب علينا فى الورق وفى الطبع ، فى المادة وفى المعنى ، ولكن كم فى هذا العالم من شر يأتى بخير ، فقد حدثت ظاهرة عجيبة فى الشرق منذ عامين وكانت فى العام الماضى أقوى ، وهى ميل العالم العربى إلى القراءة والإكثار منها ميلا عجيبا فى الكتب وفى المجلات ، فى الجد وفى الهزل ، وسمعنا لأول مرة فى تاريخ العالم العربى أن مجلة تطبع مائة ألف أو أكثر ، وأن جريدة تطبع فى بعض أوقاتها ما يقرب من مائتى ألف ، ومثل هذا النشاط فى الكتب العلمية والأدبية ، فقد تنبه العالم العربى ، وأخذ عقله يتطلب الغذاء كما تتطلب معدته ، وأخذ يشعر بكيانه الروحى والعقلى بعد أن أتت عليه حقبة لم يشعر فيها إلا بكيانه المادى ، وأخذ العلماء والأدباء يستطيعون أن يعيشوا بعلمهم وأدبهم بعد أن كانوا لا يعيشون إلا بوظائفهم أو على موائد الأغنياء ، وهى ظاهرة تبشر بالخير فى كل ناحية ، فمتى قرأ العالم العربى تثقف ، ومتى تثقف وجد له رأى عام يهيمن على حكومته ويوجهها إلى خيره ، ومتى تثقف تفتحت أمامه أبواب الرزق فاستغل موارده الاقتصادية خير الاستغلال  وزاحم الأجنبى فى هذا الباب وضغط عليه ، لأن الأجنبى إنما  يغلبه بثقافته ، وبهذا يستطيع أن يعيش عيشا أرغد ، وأن  يتزود أكثر ما يكون من الثقافة ، فيفيدها كما أفادته  ويتفاعل معها كما تفاعلت معه ، ويصبح معها كقصة

مخترع الشطرنج الذى تمنى أن يضاعف كل بيت من رقعة الشطرنج عما قبله بحبات القمح ، فلم تتسع خزائن الملك بما فيها من قمح وفير لتحقيق أمنيته - وسيكون قريبا جدا إن شاء الله - فى بيت كل رجل عربى مكتبة على قدر ماليته ، فيها ما يستطيع من الكتب له ولأهل بيته ، وستكون فى العالم العربى عشرات وعشرات من أمثال مجلة الثقافة والرسالة توافق أذواق القراء ، وتقدم موائد من أصناف الغذاء ، فيها القديم من التراث العربى معروضا عرضا جديدا ، وفيها الجديد من التراث العربى معروضا بالروح العربى وما يتفق والذوق العربى - وستنشط الحركات العلمية والأدبية في البلاد العربية من محاضرات ومناظرات ومجادلات فيكون فى هذا كله مدد للمجلات .

ونعود إلى الثقافة فى عامها السابع فنغتبط بسيرتها إذ ظلت وفية لقرائها تبذل لهم خير ما عندها مستمسكة بالحق لا تلعب الأهواء بها ، غيورا على العالم العربى ينبض قلبها بخيره ، ويحز فى نفسها ما يصيبه من أذى ، وتعبر فى ذلك عن مشاعرها فى حدود الإمكان .

ونود أن نستقبل العام الجديد مجددة همتها ما استطاعت فى الاستزادة من نواحى قوتها ، معالجة ما استطاعت من نواحى نقصها ، موثقة صلاتها بيها وبين قرائها ، مستشعرة بأنهم وإياها أسرة واحدة تتبادل الرأى والفكر وتتعاون على خير الإنتاج ، وهداية العقول بما ينفع ، وتغذية النفوس بما تمتع .

وكل عام والقراء والثقافة بخير .

اشترك في نشرتنا البريدية