يستعمل الكتاب المعاصرون كلمة " ثقافة " يريدون بها في الغالب ما يريدهه إخوانهم الغريبون من كلمة Culture وقد اقترن حظ الكلمة العربية بحظ نظيرتها من بنات الفرنجة ، فكل تحديد في معني الثانية بتردد صداه في معنى الأولى
فأما الكلمة الغربية فقد ظلت حينا غير واضحة المعالم ، خصوصا بين علماء الاجتماع وعلماء الانسان ، فكان ما يسميه الأولون إنتاجا أو تراثا اجتماعيا أو تقاليد . يسميه الآخرون ثقافة ويعرفونه بأنه " مجموع ما أنتج الإنسان من حضارة " وأحيانا يجعلونه و" المدنية " Civilisation مترادفين ، ومنهم من لا يرتضى هذا الترادف فيعتبر الثقافة أوسع مدلولا من المدنية ، إذ الأولى تشمل الأنظمة والمعتقدات التي صاحبت الانسان الأول في أدوار ترقيه من وحشية وهمجية وحياة فطرية سادجة ، حتى وصل في سلم الترقي إلي ما يسعي دور المدنية ، على أن كثيرا من علماء التاريخ والاجتماع ، إذ يستعملون Culture إنما يعنون بها على العموم الصفات الهامة المميزة لحياة قوم من الأقوام
أما كلمتنا العربية فهي في قواميسنا اللغوية أحد مصادر ثقف على وزن كرم اي صار حاذقا خفيفا فطنا ، والثقاف ما تسوي به الرماح وثقفه بالتشديد سواء ، فالمادة كما نري في مدلولاتها الأصلية والمجازية تفيد الوصف بالخفة والحذق وكون الشئ أو الشخص مسوي مقوما .
ونحن في أسلوبنا العادي إذ نصف شخصا بأنه مثقف نعنى أنه وافر الأدب ، جم التهذيب ، مصقول الجوانب . وقد نتوسع فنعني بذلك كونه على جانب من العلم والأدب والمعرفة ، ونضع المناهج للطلاب فنفرد فيها طائفة من البحوث العامة في الآداب والفنون نسميها " ثقافة عامة " وتؤلف في الأدب فنبحث أثر الثقافات المختلفة فيه ، ونفرق بين طوائف الكتاب والشعراء عندنا فنقول إن ثقافة هذا عربية خالصة ، وإن هذا قد أخذ بحظ من الثقافة الانجليزية أو الفرنسية ، وإن ثقافة من نوع خاص تغلب في هذه او تلك من المدارس
ولو ان سائلا سألنا : " ما الفرق بين الثقافة والمدنية ؟ " لسكان من المحتمل ان يجيب بعضنا ؛ إنهما مترادفان ، ويجيب الآخرون : إن الثقافة ناحية من نواحي المدنية ، وقد يجيء بعضنا بجواب غير هذين
هذا الغموض في لفظنين كثيرتي الورود في الدراسات الانسانية حدا ببعض العلماء المحدثين من الغربيين ( وعلى الخصوص من الألمان والانجليز ) ان يحددوا معني كل من اللفظتين ، فاعتبروا الثقافة Cultureالناحية الروحية من حياة الناس ، والمدنية Civilisation الناحية المادية منها : فثقافة أمة ما - على هذا - تشمل دينها وأدبهما ونظمها الأخلاقية وتقاليدها واساطيرها والنواحي الوجدانية من فنونها ، أما علومها ومخترعاتها وما إلي تلك من جوانب حياتها فانها تدخل تحت مدلول المدنية
وبعد فان أهم ما يقصده العلماء من مثل هذا التحديد ان يحللوا الظواهر الإنسانية إلي عواملها ، حتى يصلوا بتحليلهم إلى البسيط منها ، وحتي يضعوا دراسة الإنسان في مختلف شعبها على أساس علمى مضبوط . وقد خطوا في هذه السبيل خطوات موفقة فحددوا مفاهيم الذكاء
والنبوغ والعاطفة والوجدان والخلق والمزاج وطائفة اخري كبيرة من الحدود لم يكن الناس يتفقون على مدلولاتها في خطابهم او في كتابتهم . وفكرة الثقافة تشغل الآن حيزا شعرا في دراسات علم النفس الاجتماعي ، وعلى الخصوص ما ارتبط منها بموازنة ثقافة بثقافة ، أو بدراسة تأثير إحدي ثقافتين في الآخرى
هذه الناحية الأخيرة من دراسة الثقافة الى طرافتها - منهم مصر بوجه خاص ، ذلك لأن بلدنا لا يزال يرسل من خيرة شبابه المتعلمين مجموعات كبيرة إلي الممالك الراقية ، يدرسون في معاهدها ، ويعيشون بين أهلها . ويأخذون بحظ كبير من آدابها وعلومها ، وهم لا شك يحملون معهم إلي الخارج نوعا من الثقافة ( مصريا عربيا ) فما يلقون عصا التسيار في بلد غربي حتى تجد ثقافتهم بيئة جديدة ذات مظهر واضح في حياتها واجتماعها ، فتحتك الثقافتان ، وتتبادلان التأثير ، كل حسب قوتها وعناصر الحياة فيها . وإذا عرفنا ان كثيرا من المصريين يقضون في الخارج عددا من السنوات ، أدركنا مبلغ تعرضهم للتأثر الثقافي في البيئات الأوربية المختلفة ، وما قد ينجم عن ذلك بعد رجوعهم إلي مصر من اختلاف في وجهات النظر وفي المقاييس الأخلاقية والاجتماعية التي تنظم سلوك الأفراد وتفكيرهم
شغلت هذه الناحية بعض تفكير المصريين في انجلترا ، فجعلوها موضع المحاضرة والمناظرة في النادي المصري " بلندن " وفي نادي الفراعنة " بكمبردج " وعمل عليها بحث " سيكولوجي " تناول أثر الثقافة في النظر الأخلاقي ، بأن درس مجموعتين اختلفتا ثقافة ، وتشابهنا عددا وذكاء وتعليما ( على قدر المستطاع ): إحداهما مجموعة الطلبة المصريين في الجامعات الانجليزية ، والأخري مجموعة مساوية لها من الطلبة الانجليز في جامعة لندن
وأهم ما يلفت النظر من نتائج هذا البحث أن أنواع
المقاييس الأخلاقية لم تختلف كثيرا في المجموعتين ، فقد انقسم أفراد كل منهما - من حيث وجهة النظر في الحكم على بعض الحوادث الأخلاقية - أربعة أقسام : ( ١ ) ففريق جعلوا نصب أعينهم ما يترتب على العمل من نتائج مادية
( ٢ ) وفريق غلبوا جانب الأثر الاجتماعي للعمل الذي يحكمون عليه .
( ٣ ) وآخرون نظروا إلي وحي الضمير فقرروا أن الأعمال بالنيات وأن لكل امرىء ما نوي
( ٤ ) وفريق رابع نظروا إلي الناحيتين معا : ناحية الضمير ، وناحية الأثر الاجتماعي ، واعتبروهما متكاملتين لا غني لأحداهما عن الآخرى
ومن الطريف ان تطبيق هذا البحث في شكل معدل - على حوالي ثلثمائة من الأطفال الانجليز بين السادسة والثانية عشرة من العمر ، برهن على أن هذا التقسيم - أو ما يقرب منه - موجود بين الأطفال أيضا .
وإذا نظرت إلي الإفراد من حيث موقفهم من مصدر المسئولية الأخلاقية وجدتهم ينقسمون فرقا قريبة من هذه . فمنهم من يأخذ المسئولية كما يفرضها عليه سلطان خارجي ، ومنهم من يستمد سلطنها من العرف والاجتماع ، ومنهم من يرجعها إلي وازع الضمير ، ومنهم من يعتبرها منبعثة عن مصدرين : صوت الضمير ، وروح الاجتماع
كذلك تشابهت المجموعتان من حيث القواعد العامة التي كانت هادية لافراد كل منهما في حكمهم على بعض الجرائم الأخلاقية : ا- فأفظع الجرائم في نظرهم ما أدي إلي انتهاك حرمة الحياة الإنسانية وخرق نظام العدل بين الناس ب - وأقل من هذه سوءا ما عاد بالضرر على الناس وزعزع الثقة والاطمئنان بين الأفراد ، كالسرقة والكذب والنفاق
ح- وأقل الأنواع قبحا تلك التي يمكن أن تعتبر نقائص في ذات مرتكبها ، وضعفا في شخصيته ، لا يتعدي اثره في الغالب إلي غيره من الناس ، كالسكر ، والجري وراء الشهوات الجنسية غير المشروعة
أما ناحية الخلاف بين الثقافتين . وهي التي تهمنا أكثر . فقد تجلت - لا في الفروق بين المصريين والانجليز فحسب - ولكن ايضا بين المصريين أنفسهم ، حسب مدة إقامتهم في انجلترا
ظهر أحد هذه الفروق في موقف أفراد كل من المجموعتين تجاه المشكلات الأخلاقية والاجتماعية التي تواجه الناس في حياتهم اليومية : من تعارض العقل والرغبة ، وتصادم المبادئ الروحية والمادية ، والتوقف بين إطاعة السلطة من جهة ، والتمسك بالحرية الشخصية من جهة أخري . فقد جاءت إجابات الانجليز عن هذه المسائل مقررة لمبدأ الفردية ، فالفرد هو الذي يحكم بين عقله ورغبته ، وهو الذي يحاول ان يفهم الدين والقانون فهما مستقلا ، والحرية الشخصية مقدمة عندهم على إطاعة السلطة ( إلا عند ٢٠ % منهم وهؤلاء اشترطوا أن تكون السطلة عادلة ) .
أما الإجابات المصرية فقد برهنت على نقص ظاهر في نواحي الحرية الفردية . وتجلي الأفراد في مظهر المغلوب على أمره ، الذي تنزويه رغبائه الجامحة فلا يستطيع إلى ردها سبيلا . وكانت الغالبية المصرية في جانب إطاعة السلطة إذا تعارضت ومبدأ الحرية الفردية
اختلفت وجهة النظر الأخلاقي عند المجموعة المصرية - كما أشرنا - حسب اختلاف المدة التي قضاها كل فرد في انجلترا : فالوافدون حديثا من مصر لا يرون في السلوك الإنجيلزي شيئا كثيرا جديرا بالاعجاب ، ولا يروقهم من الأنظمة الإنجليزية ( اخلاقية واجتماعية ) شئ كثير يستحق أن يوصي المصريون بتقليده . وآراء هذا الفريق الذي
لم تمض عليه بعد سنة واحدة في انجلترا ، تبرر النتيجة التي وصل إليها البحث ، وهي ان الغالب ان هذه السنة الاولى سنة مقاومة فعالة او سالبة من جانب القادم الجديد لما حوله من الظروف والمؤثرات ، فهو ينظر إلي كل شئ نظرة قلق واتهام ، وهو مشغول بأن ينبت قدمه في هذه الارض الغريبة ويتغلب على صعوبات اللغة وظروف الاجتماع
أما الفريق الثاني وهم الذين مضي علي اقامتهم في انجلترا سنتان او ثلاث او اربع ، فقد اثبت البحث وجود ظاهرتين متعارضتين فيهم تسبق إحداهما الاخري وتجر إليها ؛ الأولى تفكك في الشخصية ، وإهمال لقوانين الأخلاق ، وإطاعة للرغبات والأهواء ، واستهتار بالعرف والمجتمع ، والثانية تربية الخلق من جديد ، وتهذيب الوجدنات والانفعالات وضبطها ، والأقتداء بالإنجليز في هدوئهم وتربيتهم ومعالجتهم الأمور في روح الحكمة والحزم ، وتوفيقهم بين حرية الفرد وإطاعة القوانين
وأظهر ما لوحظ في الفريق الثالث ( وهم من زادت مدتهم على اربع سنوات أو خمس ، وفرغوا من دراستهم . واوشكوا ان يشدوا رحالهم إلي وطنهم ) انهم مشغولون بتنظيم شخصياتهم ، والتوفيق بين عناصرها ، وإقرار كل شئ في نصابه ، واعتبار الأخلاقية مظهرا للشخصية الكاملة يتعاون فيها الظاهر والباطن ، والنظر إلي الدين لا على انه نظام مفروض فرضا ، ولا على انه شئ ينبذ وراء الظهور ، ولكن على انه شرعة منظمة للحياة ، موجهة لها ، معينة على اصلاح نواحيها المختلفة . وإذا سئل هؤلاء ، ما الذي تظنون أنكم استفدتموه مدة إقامتكم في انجلترا " اجاب معظمهم "تهذيب الشخصية واتخاذ قانون اخلاقي حر منظم للسلوك "
ولقد يطول بنا القول لو أننا أردنا الاستشهاد لما ذكرنا من النقط ، ولكنا نكتفي بذكر النتائج العامة التي ادي ( البقية على صفحة ١٧ )
