الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 591الرجوع إلى "الثقافة"

الجامعات البريطانية, الجامعات البريطانية

Share

- ٢- إن الجامعات هى معاهد تدريس ، ولكنها إلى جانب ذلك يجب أن تجعل من مهمتها حماية الفكر ورعاية مستوى الحضارة والقيام على تلك المبادئ الأساسية للذوق والحق التى هى عماد حياة العقل ، وهى أيضا معامل فى الأدب كما فى العلم حيث يوجد رجال يتابعون البحث على الدوام . وهناك بعض الحق فى قولنا إنه قد تقوم جامعة وتحقق بعض الواجبات العظيمة والهامة لجامعة دون ان يكون فيها طالب واحد . وعلى أى حال فإن هناك كلية فى جامعة أكسفورد وهى كلية وكل الأنفس ليس فيها طالب واحد ، ولكنها مع ذلك تقوم بوظيفة هامة وعظيمة فى نشر الآداب . فالجامعة فى المحل الأول هى مكان لمتابعة البحوث الجامعية على يد رجال قد برزوا فى العلم ولكنهم ما زالوا يتعلمون ، وسيظاون إلى الأبد ينشدون العلم والمعرفة .

ومن واجب الأساتذة الكبار فى الجامعات أن يختصوا بمتابعة العلم الخالص وتقدمه ، وإن كان يبدو أنهم الآن

يجتذبون شيئا فشيئا إلى محيط الدراسات الجامعية المبتدئة ، لكننا يجب أن نستغل الأساتذة كأداة لتقدم العلم أكثر مما ننتظر منهم عن طريق إذاعة العلم بمحاضرة الطلاب . وهناك عاملان آخران يعوقان الأساتذة عن وظيفتهم الهامة . العامل الأول : اشتغالهم بالشئون الإدارية واللجان فى الجامعة ، وهذا هو ثمن استقلال الإدارة الجامعية ، لكنه قد يكون نثما باهظا . والعامل الثانى : هو اشتغالهم فى العمل خارج الجامعة للحكومة وبعض الهيئات الأخرى .

ولقد سبق القول بأن إنشاء الدرجات العليا كان شيئا حديثا يرجع تاريخه إلى نهاية حرب ١٩١٤-١٩١٨ . كما لاحظنا أن الجامعات البريطانية لم تدرك واجبها فى تيسير البحث وتنظيمه إلا أخيرا ، لكن هذا النقص سيكمل بسرعا فى السنوات القليلة المقبلة ، وبخاصة فى الجانب العلمى الذى كان للحرب الأخيرة فضل توجيه الأنظار إلى أهميته .

ولا يفوتنا أن نذكر بالخير مكتبات الجامعة ومطبعتها ، فإن الذى يعيش فى جامعة مثل أكسفورد أو كمبردج يتمتع يمزيتين لا تقدران بثمن : مكتبة عظيمة تحوى كل كتاب قد يحتاجه المرء وومطبعة للنشر كبيرة يديرها جامعيون ، مستعدة على الدوام أن تتلقى وان تنشر وأن تطبع فى دقة عظيمة كل ما يقدم إليها من أعمال علمية ، فإذا ما ذكرنا الجامعات البريطانية فيجب ألا ننسى مكتباتها ويجب أن تذكر بالتقدير دور النشر بها .

نتحدث الآن عن حياة الطلاب فى الجامعات البريطانية ،

فتلاحظ أن الطالب أثناء دراسته يسكن فى منزله أو وحده فى الخارج ، وأن القليل منهم فيما عدا أكسفورد وكمبردج هم الذين يقطنون داخل الكليات أو فى منازل الجامعة . فمالحاجة ماسة إذا إلى زيادة الوسائل اللازمة لتيسير إقامة الطلاب . ولقد اقترح أنه فى المستقبل يجب أن توضع قاعدة فى كل الجامعات بأن على كل طالب أن يقضى عاما من حياته الدراسية فى المدينة الجامعية ، وستظل جامعنا أكسفورد وكبردج متمتعتين بتلك الميزة العظيمة ، وهى وجود محل إقامة عام مما يسهل المناقشات وتبادل المعلومات بين الطلبة ، وتلك إحدى واجبات الجامعة الهامة ، والطالب الذى يقيم فى منزله أو فى خارج الجامعة محروم من كثير من مزايا الحياة المشتركة ، لكن ليس منها كلها ؛ فالكاتب وقد كان عميدا لإحدى كليات جامعة لندن خلال الأعوام الثمانية من التعمير التى تلت الحرب العالمية الأولى ، يجب أن يسجل إعجابه الشديد حين يذكر النشاط الذى أبداء الطلاب يعاونهم الأساتذة ويشجعونهم ، فقد أنشأوا ملعبا رياضيا جديدا وناديا . وأقاموا الجمعيات المختلفة للمحاضرات والتمثيل والموسيفى والشئون الاجتماعية والعالمية . ونظموا سلسلة من المحاضرات العامة يلقيها رجال ذوو شهرة فى الحياة العامة .

إن الإقامة الشتركة فى كلية توجد رجالا من مختلف المشارب معا ، فقراء وأغنياء ، وطنيين ومن الخارج ، ولا بد حينئذ من أن يصهروا جميعا فى بوتقة واحدة ، وسيتمتعون فى مناقشة كل الموضوعات التى تخطر بالبال فى حجراتهم حتى الثانية أو الثالثة صباحا ، وستنشأ بينهم صداقات تستمر طيلة حياتهم وتؤثر فى مستقبلهم .

ولقد كان دخول الفتيات فى الجامعات البريطانية الذي بدأ سنة ١٨٨٠ ذا أثر كبير فى الحياة الجامعية ؟ فقد زاد من نواحى واتجاهات النشاط الاجتماعى . ففى لندن عدد من الكليات التى مختص بالنساء فقط ، لكن معظم الكليات تضم الطلبة من الجنسين ، وفى أكسفورد وكمبردج للطالبات كليات خاصة . أما فى باقى الجامعات فإن الطلبة والطالبات مختلطون ، ولو أن أماكن إقامة كل منفصلة بطبيعة الحال . وبرغم أن إحدي كليات النساء بجامعة لندن تقدم دراسة خاصة بها تعد للحصول على درجة فى إدارة المنزل والعلوم

الاجتماعية ، فإن الطالبات عادة يحضرن نفس المقررات ويحصلن على نفس الدرجات كالطلبة ، لكننا نتساءل : أليس من حق الطالبات فى المستقبل أن نهيء لهن بعض ما يلائم مطالبهن الخاصة وإن أنكر الكثيرات منهن أن لهن حاجات تختلف عن حاجات الرجال .

وفى ختام هذا الحديث لابد أن نتعرض لبعض المسائل التى لابد أن تواجهنا فى المستقبل نتيجة لتقدم الجامعات البريطانية ؛ وأولى هذه المسائل وربما أخطرها هو ما يجب أن يكون عليه عدد الطلاب فى الجامعة . فما هو العدد الذى يجب ألا تتجاوزه ؟ إنه من الظاهر أننا لابد أن نواجه زيادة فى عدد الطلاب فى السنوات القليلة المقبلة ، لكن زيادة العدد ليست كسبا على الدوام ، بل إنها تصبح خسارة كبيرة إذا تهاونا فى مستوى الطلاب المقبولين إذا لم تعمل على زيادة أعضاء هيئة التدريس وزيادة المعدات والوسائل فى الجامعات لمواجهة هذه الزيادة فى الطلاب . لقد قال عالم مشهور : " إنى أرى كل عام بين الطلاب عددا كان يجب ألا يكون فى الجامعة لأنهم فى الحقيقة لا يفيدون منها " كما لاحظ أحد عمداء الجامعات البريطانية أن زيادة عدد الطلبة للثمانين قد أنتج زيادة فى عدد المتخرجين بدرجات ضعيفة وقلل من عدد الحاصلين على درجات الشرف . فيحب أن نذكر أن الطلاب اللذين سيقبلون يجب أن يكون مستواهم لائقا وان يختاروا بعناية ، ويجب أن تذكر ايضا أنه قبل أن نقبلهم يجب أن نعد العدة لنكون واثقين أنهم سيلقون التدريب الكافى وسيجدون الاستعدادات اللازمة . ومهما قلنا إنه يجب أن زاد عدد الطلاب الذين يتمتعون بالدراسة فى الجامعة لما فيها من روح عالية ، فلا ينبغى أن يغرب عن بالنا أننا نفسد هذه الروح التى أردنا أن نزيد عدد المتمتعين بها إذا ما أردنا أن تحتمل الجامعات فوق طاقتها من الطلاب .

فهناك حد أقصى لعدد المدرسين اللذين يلتقيون للتدريس فى الجامعة ، وحد اقصى لعدد الطلاب الذين يلتقون لتلقى الدراسة الجامعية . ولقد رأينا أنه يزيادة عدد الجامعات فى الماضى فإن مستوى أعضاء هيئة التدريس قد أوشك أن ينخفض . ويجب أن نلاحظ أيضا أن الجامعة مكان يلتقى فيه الفقراء

) البقية على صفحة ١٣ (

) بقية المنشور على صفحة ٩ (

والأغنياء ، وأبناء الطبقة الراقية والطبقات الدنيا ، والطلبة الذين نشأوا فى بيت ثقافة وأخلاق والطلبة الذين يجب أن يبدأوا من الحضيض فى تكوين ثفاقتهم وأخلاقهم ؛ وفى أى خليط مثل هذا يجب أن نفكر فى النسبة الملائمة لهذه العناصر ليكون هذا الاختلاط ذا فائدة وجدوى ، فإذا كان الطلاب الفقراء وهؤلاء ، الذين يبدأون من الحضيض هم الغالبية العظمى فقد تكون ظالما لهم ، وهذا شيء من الصعب أن أقوله ، لكن الحق والصراحة يقتضيان قوله وإن كان الكاتب نفسه من هؤلاء الفقراء الذين بدءوا من الحضيض .

والسألة الثانية هى نصيب الجامعات فى إعداد المدرسين وبخاصة مدرسى المدارس الابتدائية ؛ فهل تكون الجامعة هى المورد الأول أو الوحيد لتخريج هؤلاء المعلمين ، كما أنها الوحيدة المختصة بإعداد الأطباء ؟ أم أن من الخير أن يبقى إعداد هؤلاء فى يد مدارس المعلمين الحالية وإن قرينا بينها وبين الجامعات ؛ وأيا كان جوابنا فإنه يبدو أن على الجامعات البريطانية أن تتحمل مزيدا من العبئ ، فى إعداد هؤلاء المعلمين .

ومسألة أخرى هى نصيب الجامعات فى إعداد موظفى الحكومة ، وفى أن تقدم لهؤلاء الذين يشغلون الآن وظائف فى الحكومة مقررا خاصا لمدة عام أو أكثر فى محيط جامعى ليكونوا أقدر على فهم المحيط الإنسانى العام والأساس العلمى الصحيح للأعمال التى يؤدونها ، وإن كان يبدو أن هذا قد يعوق الجامعات عن أداء واجبها الأول ، وهو العمل على تقدم العلم الخالص ونشره .

.والمسألة الأخيرة أنه يبدو أن الجامعات البريطانية لكى تؤدى مهمتها من تشجيع البحوث والدراسات يجب أن تنشأ بينها هيئة مركزية للاتصال والتعاون ، كما أننا قد غقترح أن تقام هيئة تعاون تام بين الجامعات فى الأمم المتحدة كلها كجزء، من هيئة الأمم ، وأن يكون من وظيفتها مسائل الاعتراف المتبادل بالدرجات الجامعية ومسائل تبادل الطلاب وتبادل الأسانذة لتحقيق سلم دائم وتعاون دولى على أساس سليم .

اشترك في نشرتنا البريدية