الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 385 الرجوع إلى "الثقافة"

الجامعات الشعبية،

Share

[ تلك السكانية الفاضلة العلم وكانت من بين أولى طالبات كلية " نوباتل آبي " في اسكتلندا - وهي كلية شعبية من الطراز الأول . ثم بعدها توجهت إلى الدانيمرك حيث تلقت العلم في الكلية الخاصة بتعليم الكبار البالغين ].

  تقدمة :

   لم تعد بالناس حاجة إلي أن ينبئهم مخبر بأن " العلم نور " فلهؤلاء الناس عيون هي بالطبع أقدر من الآذان على إدراك ذلك النور ، ويحسبهم ان يفتحوا عيونهم ليروا نور العلم باهراً . وأثره في كل شيء ظاهراً .

   ولقد تحقق القائمون على تعليم الشعوب أن الإنسانية لا يرجى لها امن ورخاء . وسلم وارتقاء . إلا أن يسلكوا بالناس إلي العلم اقرب السبل و أيسرها . ويذللوا للطالبين صماه . ويفتحوا للراغبين أبوابه وعلى هذا الأساس نشأت فكرة الجامعات الشعبية ، وانتشرت في معظم البلاد الأوربية .

       كذلك كان مستقبل التعليم الشعبي موضع دراسة المؤتمر السنوي الذي عقده المعهد البريطاني لتعليم البالغين من عهد قريب . وانتهي الرأي فيه إلى الاعتراف بأهمية الحوار في التعليم . وهو اتجاه يدل على حقيقة فهم ما ركز في طبائع الناس ، من حيث إن الإنسان بطبعه طلعة ، نزاع بقطرته إلي تعرف ما يجهل .

       وفي المقال الآتي تحدثنا الآنسة " زوي رفيعة بدر " إحدي طالبات أولى الجامعات الشعبية باسكون تلاندا عن حركة تعليم البالغين في أوربا ، ثم تقارن بين معهد دبرتيوباتل " والجامعات العادية .

 توفير التعليم الجامعي للجميع معهد "ثيرباتل" بمعهد السبيل للجامعات الشعبية البريطانية

   ألم تر أيها القارئ الكريم كيف وجهت الحرب أنظارنا إلي حاجة عالم غد للعقول السليمة الناضجة ، وما للتعليم من أثر في إعدادها ؟ وهل أتاك حديث القوة الذرية التي لا تدري اشر أريد عن في الأرض من وراء كشفها أم أراد بهم ربهم رشدا ؟

      لا جرم أن تيمة الخلاف العالي تقع الآن - أكثر منها فيما مضي - على عاتق الرجل العادي . وان يتيسر لهذا الرجل العادي الاضطلاع بحملها بغير التعليم . وان الواجب يقضى بتعييد مسالك التعليم وتمهيد سبله لكل فرد من المهد إلى اللحد . ذلك بأن من السخف ان يتصور إنسان أن التعليم والنضح الفكري يقفان عند سن السادسة عشرة أو الثالثة والعشرين على أثر ترك المدرسة او التخرج من الجامعة ، وهي السن التي يغلب ان تقتصر معلومات الطالب فيها على ما تلقنه من الكتب دون أن تكون قد تولدت في نفسه الرغبة في الاطلاع أو الميل إلي التحصيل .

   فأما من حيث تعليم النشء فإن لائحة التعليم الحديثة تبشر بأعظم إصلاح عرف في تاريخ انجلترا إلي الآن . وما زال مشروع تعميم تعليم البالغين وهم في عقر دورهم موضع البحث والتمحيص .

     ولكن ما هو نظام تعليم البالغين كما نعرفه الآن ؟ وكيف يمكن ان يؤثر في الحياة العامة ؟ إنه نظام يرمي إلي إشباع روح الاستقصاء والتحدي . تلك التي لا تكتمل في امرئ وإلا بعد ان يكون قد جاوز سن الرشد . وهو نظام يعني بإيقاظ الرغبة في استيفاء المعلومات التي يعتقد الفرد انها تنفعه وينحرف عن مجرد جمع معلومات ليس من ورائها فائدة في الحياة العملية ، ويقرب للطالبين من آثار العلم ما كان بعيد المنال .

ويهيء لهم تعرف مدى ما وصل إليه الجنس البشري من تقدم وارتقاء . وما حققه من جليل الأعمال .

  وإذا كانت الحروب مجر في أذبالها الخراب والدمار فإنها كذلك منزل وحي الدهشات ، من الكشوف والمخترعات . وهي التي توسع للناس آفاق المدارك . وتفتح عيونهم إلي ما يحيط بهم من مساويء اجتماعية ، وتستنهض الهمم لمواجهة الحقائق والمطالبة بما هو خير منها . ولا شك في أن تغير الظروف وتطور المعلومات يستلزم العمل على إعداد مواطن يدرك حقوقه ويقدر تيمائه ويستطيع مقاومة المؤثرات التى قد تتهدد الاستقلال وحرمة الإنسانية بأبلغ الأخطار .

       وفي هذا المقام يخلق بنا أن تنوه ببلاد الدانمارك ، فتذكر أنها من اكثر الديمقراطيات تقدما بما أصابت من نجاح باهر في تثقيف جمهرة الشعب عن طريق تعليم البالغين . ولئن اعتبر " جرونديج " رسول فكرة تعليم الجماهير ولسان وحيها . فإن أول جامعة شعبية هي التي تأسست في هذه البلاد عام ١٨٤٤ بقصد مكافحة الدعاية الألمانية في إقليم " شلزويج هولستين " . أما اليوم فان في بلاد الدانيمارك على ضآلة رفعتها ستين كلية شعبية داخلية .

     أما في انجلترا فقد نبتت حركة تعليم البالغين على أثر الحرب العالمية الأولى ، ثم اتسع نطاقها وازداد الإقبال عليها في أوساط العمال الذين استطاعوا بمعاونة نقاباتهم وجمعيات تعاونهم وغيرها من الهيئات إنشاء معاهد تعليمية خاصة بهم . ومن ابرز هذه الهيئات تلك التي تعرف باسم " جماعة تعليم العمال "، فهي صاحبة الفضل في تيسير أسباب التعليم للعمال في جميع أنحاء البلاد ، بإنشاء دراسات ليلية في مختلف العلوم والفنون ، يتطلع بها محاضرون نابهون في مقابل بل زهيد يقدر بنحو خمسين قرشاً في الدور الواحد .

 وقد تجدد الاهتمام بتعليم البالغين إبان الحرب الأخيرة مما هيأته إدارة الشئون العامة للجيش من إتاحة الفرصة

لجميع المجندين والمجندات أينما كانوا وحينما حلوا ، لزيادة معارفهم وتوسيع نطاق مدار كهم ، بتأليف جماعات البحث والمناقشة والتي تلقي فيها أبحاث عديدة في واجبات المواطنين والتعليم بعد الحرب ونظرات في احوال الممالك المختلفة ، وغيرها من المسائل العادية التي تفتح عيونهم إلي ما يحيط بهم كما يحيطوا به من أهون سبيل . وحديثاً أبد المؤتمر السنوي الذي عقده المعهد البريطاني لتعليم البالغين فكرة البحث والمناقشة بطريقة الجماعات ، على أنها عامل ديموقراطي عظيم الأثر في التربية السياسية .

  الكليات الداخلية

    لم يمض طويل وقت منذ كتب المركيز زيتلاند إلي جريدة التايمز مقترحا أن ينزل أعيان الريف للدولة عن بيوتهم الريفية الكبيرة طالما تبهظهم نفقات صيانتها وأن يردفوا هذا التنازل بالموافقة على اتخاذها كليات شعبية . والبيوت الريفية الإنجليزية يا لها من جمال الموقع وما يحيط بها من حدائق بديعة وأراض نضرة شاسعة ، تعتبر من أجل المناظر التاريخية الانجليزية ، وليس هنالك هدف لاستخدامها أسمى من جعلها مراكز لزيادة تثقيف الشعب البريطاني .

   وليس هذا الاقتراح بدعة مبتكرة ، فقد سبق أن نزل المرحوم اللورد " لوذبين " عن قصره الريفي المعروف باسم " ديزنيوباتل " بمقاطعة دالكيت بالقرب من أدنبرة ليكون أول جامعة شعبية داخلية للعمال في اسكتلاندة . وكانت الفرصة التي ألاحت لي أن أكون من أوائل من التحقوا بهذه الجامعة من أنفس وأثمن تجاربي في الحياة .

  ولو أنا وازنا بين كليات البالغين والجامعات العادية وتقصينا مزايا الالتحاق بهذا النوع الجديد من المعاهد لوجدنا أن كليات البالغين لا تري إلي إعداد الطلاب لمهنة أو حرفة خاصة . ولا تهدف إلي اجتناء مزايا اقتصادية . ولكنها تنزع إلي وضع الأسس لتربية إنسانية حرة .

ومناهجها معدة خصيصا لمن يدرك من الرجال والنساء . ان مصير مواهبهم إلى الفناء ، سدا لما ينقص هذه المواهب من حاجة إلي الإرشاد والمران . اأولئك الذين يرحبون يتضحية مرا كزهم نحو عام ليعودوا إلي طوائفهم او هيئاتهم أو اتحاداتهم ، وقد عولوا علي أن يبذلوا ما أكتسبوه في خدمة مواطنيهم . أما نفقات التعليم فتتكفل بها السلطات المحلية ومجالس المقاطعات كما تتبع بعض الكليات ، كمعهد "دير نيوباتل" مثلا ، نظام قبول الطلاب بالتبادل مع معاهد البلاد الآخري .

   وقلما يصادف الإنسان في جامعات العالم ما يضارع قصر " ديرنيوباتل " من حيث فخامة البناء وما تذخر به جنبياته من ذخائر أدبية وفنية رائعة ، كلها مهداة لتكون في متناول الطلاب . وتزدان الجدران بصور تمينة مما أنتجته عبقرية " رميرانت " و " موريلوس " . بينما نشهد في قاعة الجلوس تلك الصورة الأصلية التي تفننها ريشة الرسام " فاندا بك" وتمثل الملك شارل الأول ممقطيا صهوة جواده .       على أنه يتعذر أن تجد في غير هذا المكان مثل هذا الخليط من الطلاب الذين قدمت لهم في أول يوم لي بمعهد دير نيوباتل ، فقد كان من بينهم عامل منجم وصانع بمصنع فولاذ وموظف حكومي وصحفيون ومؤلف مسرحي وسائق ترام وبناءون ومحاسب دانمركي ؛ فهم جمهور لن يعجز أي إنسان عن أن يفيد من مخالطته ، وكلهم تتراوح أعمارهم بين الثانية والعشرين والخمسين ممن عركوا الحياة العملية ، ثم جاءوا إلي ديرنيوباتل طائعين مختارين لا يدفعهم إلي ذلك مطمع اقتصادي ، ولكن يحدوهم فضل العلم والرغبة في دراسة المشاكل الإنسانية . وسرعان ما تتوثق الصلة بينهم وبين أساتذتهم بسبب إقامتهم بالكلية . بعيدين عن متاعب الحياة الخارجية ومشاغلها ، ذلك التي لا يسلم منها حتى الطالب المراهق العادي إذا هو حاول الدراسة في منزله ، حيث لا يتيسر في الغالب أن يحظي بحجرة مستقلة وبمعزل عن باقي أسرته .

وأبلغ من هذا أثراً أن تجارب هؤلاء الطلبة في الحياة تؤهلهم لاستيعاب ما يتعلمونه وتقديره حق قدره . خلافا لطلبة المدارس الثانوية أو الكليات الجامعية من المراهقين الذين لن تتهيأ لهم الفرص الكافية لاختبار الحياة . كما يدركوا قيمة التعليم تمام الإدراك .

   ولعل من أبلغ مزايا ديرنيوباتل - كما في غيره من معاهد تعليم البالغين - ان الدراسة تقوم فيه على مبدأ الحوار والمناقشة ، كما أشرت من قبل . وتتألف الفرقة الواحدة من أربعة من الطلبة على الأكثر ، ولكل جماعة دراسة صامتة خاصة ، وهذا ما لا يتوافر في معظم الجامعات العادية       على أن أهم أغراض كليات البالغين تتجه إلي دراسة العلوم في جميع مظاهرها والمعايير التي تقوم النظم الاجتماعية على أساسها . ولذلك كان من بين المواد العملية التي يتألف منها البرنامج الدراسي بمعهد ديرنيوباتل المسائل العامة والسياسة والاقتصاد والاجتماع وعلم النفس والفلسفة والتاريخ والجغرافيا . غير أنه لما كان هذا المعهد ثقافياً اصلا فقد عنى فيه بصفة خاصة بالآداب والتاريخ والموسيقي بوصف أنها تمثل صور الحياة العليا كما يوحى بها الفن والفكر .

وقد يتساءل الناس عن إمكان توفير التعليم لجميع البالغين ، وكيف يتسني لكل عامل بالغ ان يعتزل عمل لتحقيق ما تصبو إليه نفسه من الالتحاق بكلية داخلية مدة سنة على الأقل ! والجواب على ذلك أن كل عقبة تقف في وجه تحقيق هذه الأمال لابد لها من الانهيار لو أنا كنا صادقين في إيماننا بأن هذا الأتجاه من التعليم عمل له خطره لا بالنسبة إلي الفرد فحسب ، بل بالنسبة للمجتمع ومستقبل العالم ايضاً . مثلنا في ذلك مثل ما بدا من روح المصانع والمتاجر ومصالح الحكومة والجامعات والمدارس إبان الحرب من استمداد بل ومن رغبة ملحة في إخلاء موظفيها وعمالها من أعمالهم ، فضلا عن أنها كانت في كثير من الحالات تدفع أجورهم

وتضمن لهم وظائفهم إذا ما عادوا إلي الحياة المدنية .       وفي هذا المقام يحسن ان تعود بالقارئ الكريم إلي ما ارتآه المربي القدير " السير ريتشارد ليفنجستن" ، من أننا يجب أن نعلم أن كل شخص يؤدي عملا عاديا ، آلياً كان أم عمليا ، وبخاصة إذا كان يشغل مركزا رئيسياً ، لابد له من فسحة من الوقت بصرفها في دراسة منظمة يتجدد بها الذهن ويتزود منها العقل ويصقل بها نشاط التفكير . وآية ذلك انه لا توجد ولن توجد حرفة او مهنة لا تكون الدراسة المنظمة لمن تقدمت به الآيام انفع لصاحبها وأجدي عليه ، وأنه يندر ان يكون بين بني الإنسان من لا يستفيد منها . ومما يدعو إلى التفاؤل ما نشرته الحكومة البريطانية في الكتاب الأبيض عن تقرير المراكر التعليمية من إعداد مناهج دراسية المسرحين والمسرحات من القوات الإتجليزية لإعدادهم إمدادا صالحا للعودة إلى الحياة المدنية . قد افتتحت بالفعل كلية التعليم التابعة لإدارة الحبش ،

واتخذ " ديروليك " وهو قصر دوق بورتلاند مقراً لها . والآمال معقودة على أنه سوف يفتتح كثير غيرها عما قريب .     إننا الآن مقبلون على أكبر تغيير في حياة العالم ، والتعليم هو السبيل الوحيد إلي إمداد الرجل العادي المساهمة في تقدم المجتمع والشاركة في العمل على سعادته واطمئنانه .

اشترك في نشرتنا البريدية