الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الثقافة"

الجامعة العربية، صورة من صورها المعنوية

Share

للدول القوية منطق تستأثر بتطبيقه ، فإذا اجتمع رأيها على أمر من الأمور ترى فيه وحدة الباعث والمصلحة ، أقدمت على إبرامه وتنفيذه وفق مشيئتها ، دون أن تحسب حسابًا لما قد يثيره موقفها أو عملها في نفوس الغير من شك أو اعتراض .

ولكنها تأبى على غيرها من الدول الضعيفة مثل هذا الحق ؛ فإذا اجتمع فريق من الدول الصغرى على أمر من

الأمور يرى في تحقيقه تحقيقًا لصالحه المشترك ، فإنها ، أي الدول الكبرى ، تستقبل مثل هذا الإجماع ، إذا لم يكن لها يد في عقده وتوجيهه ، بكثير من الشك والاعتراض ، وقد نرى فيه عملا غير ودي تحاربه بكل قواها .

وقد رأينا الدول الغربية الكبرى تجتمع في العصر الأخير في مختلف المناسبات والمؤتمرات ، لتتفق على اقتسام الأمم الضعيفة وامتلاكها ، أو اتخاذها على الأقل مناطق

نفوذ سياسي واقتصادي ، ورأيناها تنظم هذا العدوان على حريات الأمم الضعيفة بمعاهدات دولية معروفة ، لم تحجم عن عقدها والعمل بما فيها .

ورأيناها كلما همت جماعة من هذه الأمم المغلوبة للتفاهم على مقاومة هذا العدوان المنظم ، بالكفاح المعنوي والوسائل السلمية التي لا تملك سواها ، تنكر عليها كل حق في التفاهم والتآزر ، وتنزعج لأية حركة تبذل في هذا السبيل ، وتعمل لمقاومتها واحباطها بكل ما وسعت .

وهكذا لبثت الأمم الغربية طوال القرن الماضي ، وحتى العصر الأخير ، تنكر على الأمم الشرقية كل حركة في سبيل توثيق أواصر الجامعة المشتركة ، الجامعة الإسلامية ، أو الجامعة العربية ، أو الجامعة الأسيوية ، أو ما إليها من حركات التفاهم المشترك ؛ وتتخذ من كل دعوة نظرية ، أو سعي عملي في سبيل حركة من هذه الحركات ، نذير خطر مشترك على النفوذ الغربي ، يجب العمل على مقاومته وسحقه.

بيد أنه يلوح لنا أن العالم الغربي قد تغير اليوم ، فهو يرى ، أو على الأقل يرى فريق منه ما لم يكن يرى بالأمس ؟ أجل ، يري هذا الفريق في نفس الحركات التي كان يخشاها بالأمس ما يشجعه اليوم على قبولها ، بل على تعضيدها والأخذ بناصرها.

كانت بريطانيا العظمى وفرنسا قبل الحرب تجزعان لأية حركة أو بادرة لها صلة بالجامعة الإسلامية أو الجامعة العربية ؛ ذلك لأن كلا منهما تبسط نفوذها على فريق كبير من أمم تدين بالإسلام وتنطق بالعربية ، وكانت كل منهما تخشى أن يعقد أي تفاهم أو أية رابطة بين هذه الأمم الشقيقة ، فتزيد في قواها المعنوية ، وتذكي رغبتها في الجهاد في سبيل حقوقها وحرياتها .

ولكن السياسة البريطانية أدركت بعد طول التجارب ، وعلى ضوء التطورات الدولية الأخيرة خطأ هذه النظرية ؛

وهنالك ما يبعث على الأمل بأن فرنسا سوف تحذو حذوها في فهم هذه الحقيقة التي طال الأمد على إقفالها .

شهدنا في مصر في الأسابيع الأخيرة مظهرًا رائعًا من مظاهر التفاهم والتآزر بين الأمم العربية ؛ فقد اجتمعت وفود هذه الأمم الشقيقة في مصر شقيقتها الكبرى ، لتعنى جميعًا بمسألة عربية إسلامية طال العهد بها حتى تفاقمت . وأضحت تتطلب حلًا سريعًا عادلًا ، هي المسألة الفلسطينية .

وشهدنا خلال المآدب العديدة التي أقيمت لهذه المناسبة ، والاجتماعات الرسمية التي عقدت لبحث المسألة الفلسطينية ، ما يغتبط له قلب كل عربي وكل مسلم ؛ شهدنا أمراء العرب الكرام ، وزعماء الأمم العربية ، ورؤساء حكوماتها ، يلتفون حول رئيس الحكومة المصرية ، ويتوافرون جميعًا على بحث الموضوع المشترك ، بحث الإخوة الأشقاء ، يلتمسون جميعًا بروح المحبة والوئام ، طريقًا لتوحيد الرأي ، وتوجيه المسعى المشترك ، إلى خير ما يمكن أن يسفر عنه لتحقيق أماني الأمة الفلسطينية .

وسمعنا يومئذ في غير مناسبة من الأمراء العرب ورجالاتهم تنويهًا بأهمية هذه الرابطة العربية الوثيقة ، ودعوة إلي تمكينها ودوامها لخير الإسلام والعرب ، ثم سمعنا رئيس الحكومة المصرية يشيد بها في حفل رسمي في عبارات حماسية يقول فيها : " ليس يعدل سعادتنا باجتماعكم اليوم في عاصمة المملكة المصرية ، إلا فخارنا باختياركم مصر للتشاور في حل المشكلة التي طال عليها الزمن ؛ فهذا الاجتماع يعيد أمام بصائرنا صورًا شتى من ماض مشترك بيننا جميعًا ، وفي كل صورة منها ذكريات مجيدة يحق لكل واحد من أبناء البلاد العربية المختلفة أن يجعل منها موضع فخاره ، لأن بلاده التي يقيم اليوم بها ، قد اشتركت فيها بحظ عظيم ؛ وهل ينسى أحد منكم ، وهل ننسى نحن ما سجله التاريخ بأحرف من نور في العهود المختلفة ، حين

كانت القاهرة المعزية وجهة الجميع وقبلة أنظارهم ؟" ويقول سمو الأمير فيصل في كلمته ردًا على رئيس الحكومة المصرية : " إنه لأول مرة في التاريخ الحديث نشهد هذا المظهر البارز لتضافر الأقطار العربية وتعاونها ؛ ولأول مرة نقف من بعضنا مجتمعين على هذا المنوال " .

وفي حفل آخر يشيد رئيس الحكومة العراقية بالجامعة العربية ويدعو إليها صراحة فيقول : " إننا وإن دعتنا مصر العزيزة للنظر في أمر معين ، إلا أن شعورنا يدفعنا إلى أن نأمل في أن يكون اجتماعنا التاريخي هذا احتفالا بوضع الحجر الأساسي لتكوين جامعة دولية من الأقطار العربية والشرقية الممثلة هنا ، ترمي إلى غاية إنشائية سلمية شاملة غير هدامة تقوم على أساس إحقاق الحق ، وتوطيد العدل , ودفع الظلم عن هذه الأقطار ، وتنهض بها بالتعاون والتآزر إلى ما تصبو إليه ، وليس من وراء هذه الغاية تهديد لأحد ". أليس في هذه الإشارات الرسمية الصريحة من الزعماء والرؤساء المسئولين ، ما يحمل على الاعتقاد بأن فكرة الجامعة العربية قد تحققت في معنى من المعاني ، وأن هذا التعاون الوثيق بين الأمم العربية في بحث الشئون المشتركة إنما هو فاتحة عهد جديد في السياسة العربية والإسلامية يبشر بكثير من الخير والأمل ؟ .

ولقد تناولت بعض الصحف الانكليزية والفرنسية التي عرفت من قبل بتوجسها وخصومتها لكل تقرب أو تعاون بين الأمم العربية ، هذا المظهر الحديد من اجتماع الأمم العربية واتحاد كلمتها ، بشيء من الاعتدال لم نعهده فيها من قبل ، ولكن تناوله البعض الآخر من الصحف الاستعمارية بكثير من التوجس والريب ، وصوره في صورة خطر داهم على نفوذ بريطانيا وفرنسا في الشرق الأدنى .

ويتساءل مراسل إحدى الصحف الفرنسية الكبرى في جزع : أليست هذه الحركة التي نشهدها الآن في مصر ، والتي تقودها مصر وترعاها ، هي الجامعة العربية بعينها ؟ وماذا

تبغي هذه الكتلة العربية الإسلامية الجديدة أن تعمل لتحقيقه ؛ أليست تبغي العمل على تقويض كل نفوذ لانكلترا وفرنسا ، وإرغامهما على الانسحاب من كل بقعة تحتلانها في الجزيرة العربية ؟ إن مثل هذه الحركة إذا تفاقمت ، فقد تزيد في مخاوف انكلترا وفرنسا ، وفي تشددهما إزاء أماني الأمم العربية ؛ وقد يحمل ذلك فرنسا بالأخص على أن تعدل نهائيا عن إبرام المعاهدة السورية ، التي يرى البعض إبرامها ضربة قاضية على مركز فرنسا الأدبي والعسكري في الشرق الأدني .

ذلك ما يهمس به بعض الكتاب والساسة الغربيين الذين لا يريدون أن يفهموا الأمور على حقيقتها ؛ بيد أن هذا التصوير الذي كان بالأمس مثار التهويل والإرجاف , لا محل له اليوم ، فقد تطورت الحوادث الدولية بصورة تجعل من المرغوب فيه أن تقدر بريطانيا العظمى وفرنسا أماني الأمم العربية والإسلامية قدرها ، وألا يبذل أي جهد للحول دون تفاهمها أو توثيق روابطها ، وأن تفهم كل منهما أن قيام جبهة عربية إسلامية موحدة في صورة من الصور ، وإنما هو عامل هام في استقرار السلام في العالم العربي والإسلامي ، الذي تربطهما به روابط قوية : ذلك أن العالم العربي والإسلامي يغدو اليوم بحكم الظروف والأحوال حليفًا طبيعيًا للديمقراطية التي تمثلها بريطانيا وفرنسا ؛ أولا لأن معظم الأمم العربية والإسلامية ترتبط ببريطانيا وفرنسا براوبط المصالح المشتركة ، وبعضها يرتبط

برابطة التحالف ، كما هو الشأن بين مصر وبريطانيا ، والعراق وبريطانيا ، وكما يرجى أن يكون الشأن بين سوريا وفرنسا ، وفلسطين وبريطانيا ؛ وثانيًا لأن الأمم العربية والإسلامية الفتية ، وهي أمم ديموقراطية بطبيعة تكوينها ، وطبيعة الدين السمح الذي تعتنقه ، وكونها كافحت ، أو ما زالت تكافح في سبيل حرياتها ، أمم تؤمن بقضية الحرية الإنسانية ، والحريات القومية ؛ وهي بذلك لا يمكن أن تؤمن بالنظم الدكتاتورية أو الاستبدادية ، أو أن تجنح

إليها ، لأنها تخالف عقليتها وأمانيها ، ومن ثم كان اتجاهها إلى المعسكر الديموقراطي الذي تقوده بريطانيا وفرنسا .

وليس من شك في أن صداقة العالم العربي والإسلامي للديموقراطية ، أو بعبارة أخرى لبريطانيا وفرنسا ، إنما هي عامل يجب أن يحسب حسابه في الحركة الهائلة الى تضطرم اليوم بين الدكتاتورية والديمقراطية ، والتي يوشك أن يتقد ضرامها بين آونة وأخرى ؛ وبريطانيا وفرنسا تعرفان قيمة هذه الصداقة ، ولاسيما في مثل هذه الظروف العصيبة التي تجتازانها ، وليس من صالحهما أن يعمل شئ للقض من قيمتها ؛ ولا ريب أن تفاهم الأمم العربية والإسلامية لن يكون موجهًا إلى أحد ، وإنما هو كما قال رئيس الحكومة العراقية ، تفاهم إنشائي لا تحدوه أية غاية هدامة ؟ وهو يرمي قبل كل شئ إلى التعاون والتآزر بين الأمم العربية والإسلامية على تحقيق أمانيها المشروعة ، وذلك بالوسائل السلمية المحضة ، وبالاعتماد على قوى هذا التضامن المعنوية والأدبية.

ويلوح لنا من موقف بريطانيا الحاضر إزاء المسألة الفلسطينية ودعوتها الأمم العربية جميعًا إلى الاشتراك في بحثها ، أن السياسة البريطانية بدأت تفهم تضامن العالم العربي والإسلامي على وجهه الحقيقي ، وتقدر ما يمكن أن يترتب من عقد أواصر التفاهم بين هذه الكتلة المتحابة من الأمم العربية وبين بريطانيا العظمى ، وإذا وفقت السياسية البريطانية ووفق مؤتمر لندن إلى وضع حل شريف عادل للمسألة الفلسطينية ، فإن هذا التفاهم بين الفريقين يقوى ، ويغدو من أهم عوامل الاستقرار في الشرق الأدنى .

والأمل معقود بأن تحذو فرنسا حذو حليفتها بريطانيا ، فتقدر هذا التفاهم بين الأمم العربية قدره الحقيقي . وتعمل من جانبها على تحقيق أماني سوريا المشروعة ، وتبادر إلى إبرام معاهدة الصداقة السورية التي طال الأمد على إغفالها بعد أن تضافرت الجهود في سبيل عقدها .

اشترك في نشرتنا البريدية