يتجه الباحث الذى ينشد الاصلاح عادة إلى مواطن الضعف أكثر مما يتجه إلى مظاهر القوة فيما يحاول بحثه ، وهذا شأن الكثيرين منا ممن يتناولون شئون الجامعة المصرية بالنقد والتحليل . فنحن نؤمن بأنها - على حداثة عهدها - قد أثبتت حقها فى الوجود ، وقد أحرزت فى جهودها نصيبا من النجاح ، وقد أثرت بعض الأثر المحمود فى حياة البلاد. ونحن إذ نوازن بينها وبين الجامعات الأخرى لا نفضل ناحية التطور ، ولا ندعو إلى الطفرة فى اقتباس النظم الصالحة .
ولكن هناك نواحى نقص فى حياتنا الدراسية والاجتماعية ، يبدو لنا معظمها ميسور الإصلاح متى صحت العزيمة على فهمه وعلاجه . ومن تلك النواحى نظم الامتحان ؛ فلأمر ما أخذت هذه الجامعة الناشئة بنظام الامتحان مرتين كل سنة ، وكتب على الطلبة والأساتذة
أن يوجهوا جهودهم طول العام للامتحان ، وتخصصت فى هذه العملية طائفة من هيئة التدريس فى كل كلية أصبحت مراجع يعتمد عليها فى كشف خفايا هذا النظام وإدراك دقائقه ؛ فما يكاد ينتهى شهر إبريل حتى تعكف هذه الطائفة فى حجرة خاصة على الأسئلة والأجوبة والقوائم والدرجات . وتستمر فى اعتكافها هذا حتى منتصف شهر يونيه ، ثم تنقض على أن تعود إلى استئناف جهادها فى أواخر أغسطس حيث مأساة الدور الثانى . ويتخلل ذلك بالضرورة اجتماعات لمجالس الأقسام ومجالس الكليات ، يبحث فيها أمر الدرجة والدرجتين ، والسقوط فى مادة أو مادتين ، واغتفار الدرجة الواحدة فى المجموع أو حسابها ، وضياع الامتياز من أجل درجة أو إبقاؤه ، ومحاكمة من يرعون حول حمى الشبهات العقلية ، والاختلاف على النسبة المطلوبة للنجاح ، وما إلى ذلك مما يصلح مادة خصبة للناقد الحصيف . .
إن الشكوى من الامتحانات ظاهرة عامة لا تكاد تخلو منها أمة من الأمم الراقية ، وقد كشف العلماء عن مساوئ الامتحان بما لا يدع زيادة لمستزيد . ولكن النظام الذى أخذت به جامعتنا أربى فى نقائصه على كل نظام جامعى معروف ، ويكفى فى التدليل على هذا عقد موازنة بسيطة بينه وبين النظام المتبع فى جامعة أوربية معروفة كجامعة لندن . إن الطلاب الإنجليز فى المدارس الثانوية يبقون فى دراستهم حتى سن السادسة عشرة ، ومتى بلغوا هذه السن استطاعوا أن يغادروا المدرسة ، ولو لم يجتازوا امتحان matriculation . وهو المقابل للبكالوريا عندنا - ومن اجتاز منهم هذا الامتحان فله الخيار بين أن يخرج إلى دنيا العمل وبين أن يبقى سنة أو سنتين فى المدرسة ، ليقوم بدراسة وسط بين التعليم الثانوى والتعليم الجامعى ؛ حتى إذا بلغ الثامنة عشرة كان له أن يتقدم لدخول الكلية التى يريدها من الجامعة ؛ والكثرة الغالبة من هؤلاء التلاميذ تتصرف عادة عن الجامعة إلى العمل فى المصالح ، أو إلى الاستعداد للتدريس فى المدارس الأولية ، أو إلى الالتحاق بالمعاهد الفنية ، أو التمرين على أعمال التمريض فى المستشفيات . . .
أول ما يعمله الطالب - بعد دخوله واحدة من كليات لندن . هو الاتصال برئيس القسم الذى سيدرس فيه ، والاتفاق معه على الزمن الذى يحسن أن يستغرقه الإعداد للدرجة ، وعلى نوع هذه الدرجة ، شرفا أم عادة . ويقضي الطالب السنة الاولى فى دراسة فرعين من فروع المادة التى سيتخصص فيها ، وفرعين آخرين يختارهما من بين مجموعة تحددها لوائح الجامعة . وفى آخر السنة يتقدم فى هذه الفروع الأربعة لما يسمونه (( الامتحان المتوسط )) فإذا جازه بدأ المرحلة الأساسية فى دراسته ، وهى تستغرق سنتين ، وفى الاغلب ثلاثا ، ولا يتخللها
امتحان مطلقا ، بل يقسم الطالب محاضراته حسب مدة دراسته ، فيحضر منها مجموعة كل عام ، ويعد فيها البحوث والمقالات لأساتذته ، ويبقى على اتصال دائم ( بمثقفه )) الخاص ؛ حتى إذا جاء موعد الامتحان الأخير كان الطالب قد أعد له عدته، وأحاط بفروع دراسته ، وربط بين بعضها وبعض رباطا وثيقا .
من أخص مزايا هذا النظام - كما ترى - الاقتصاد فى الوقت ، وإلقاء مسئولية الدراسة على عاتق الطالب ، وإشعاره أن النجاح فى الدرجة أمر يخصه هو ، وفى بدء بلوغه والامتياز فيه . ويسير مع هذا - جنبا إلى جنب - حرص الأساتذة على أن ينصحوا لطلابهم ألا يحضروا فى الأسبوع أكثر من سبع محاضرات أو ثمان ، معللين هذا بأن الدراسة الجامعية الصحيحة تستلزم من الوقت الخاص للطالب (لكل ساعة يحضرها فى الجامعة) ثلاث ساعات ، يراجع فيها المصادر ، ويبحث مستقلا ؛ وبعض طلاب السنة النهائية فى الأقسام العلمية يمنعون أحيانا من أن يحضروا أكثر من محاضرتين فى الأسبوع .
أرأيت للفرق بين هذا النظام وبين نظام حياتنا الدراسية فى مصر؟: إن الطلبة فى بعض الأقسام عندنا يحتم عليهم أن يحضروا أكثر من عشرين محاضرة فى الأسبوع . لهذا ترى الملل محتما عليهم ، وتراهم يندفعون لانتهاز أول فرصة تعرض لتضييع شئ من الوقت ؛ ومنطقهم فى هذا جد معقول ، فكل يوم يمر من غير دراسة يخفف من أهبائهم أثناء العام ومن أثقالهم يوم الامتحان .
هناك إذا - من بين العوامل - عاملان يتعاونان على شل الجهود العلمية فى الجامعة ، وعلى تعكير صفو الحياة فيها ، ذاتك هما الامتحانات السنوية ، والإسراف فى عدد المحاضرات التى يكلف الطلبة حضورها . ولعل من
التدرج فى إصلاح الناحية الأولى ، أن نجعل التحضير للدرجة من مرحلتين ، تتكون كل منهما من سنتين ، وتنتهى كل منهما بامتحان ، ويستطيع الطالب أن يفرغ - فى الامتحان الأول - من المواد غير الأساسية فى دراسته ، ثم يعد عدته للامتحان الأخير فى فروعه التى تخصص فيها .
أنا - إذ أقترح هذا الاقتراح - أعلم تمام العلم ما يعترض به المعترضون من أن الطلبة عندنا ليس لهم وازع من أنفسهم على العمل ، وأن نظاما قريبا من هذا قد جرب فى بعض الكليات، ثم عدل عنه بعد أن تبين إهمال الطلاب فى الدراسة ، وتقصيرهم فى التحصيل . ولكنى لا أفهم أن بداوى النقص بنقص مثله ، ولا أرى من الحزم قبول هذا المبدأ فى فلسفتنا التعليمية . فإذا كنا نشكو من طلبتنا ضعف الثقة فى نفوسهم ، وعدم اعتمادهم على مجهودهم ، وعدم شعورهم بالمسئولية الفردية ، فلنتخذ نحن من جانبنا الوسائل الإيجابية التى تصلح من شئونهم ، إن لم يكن عاجلا فآجلا ؛ والعبرة فى مثل هذه النظم بالنتائج المستقبلة الدائمة ، لا الحاضرة العارضة .
على أن هذا الجو المدرسى - الذي غمرنا به الجامعة عندنا - لم تقف أضراره عند إضعاف الانتاج العلمى فيها ، بل تعدته إلى إضعاف حياتها الاجتماعية الاجتماعية . وناحية الاجتماع - كما يعلم المشتغلون بالتعليم - ركن أساسى فى بناء أى جامعة . فالجامعة - كما يدل اشتقاقها اللغوى - وكما تقتضيه طبيعة عملها ، تقوم على الاجتماع والتعاون . وكل من درسوا فى الجامعات الانجليزية - مثلا - يعلمون كيف يصر الانجليز على اعتبار العضوية فى جامعة عضوية فى جماعة ؛ فليست الدراسة عندهم مجرد معرفة تحصل ودرجات تنال ، ولكنها حياة غنية حافلة الجوانب وليست صلاة
الطلاب معا ، ولعبهم معا ، بأقل أهمية فى حياة الجامعة من دراستهم معا ! وليست الامتحانات مقاييس للعلم والمعرفة فحسب ، ولكنها مقاييس للخلق والإرادة أيضا .
يبدأ العام الدراسي هناك - وتختم فصوله بصلاة عامة يشترك فيها أفراد الكلية جميعا ، طلبة وأساتذة ، حيث يخرج موكبهم ، يخطر فى جلاله ووقاره ، حتى يصل بيتا من بيوت الله فيصلي الجميع لله ويعودوا لاستئناف العمل . والانجليز - حتى أساتذتهم فى الجامعات الأجنبية - حريصون كل الحرص على الظهور فى ردائهم الجامعى فى مختلف المناسبات الرسمية : فى صلواتهم وحفلاتهم ومناظراتهم وما أشبهها . وتلعب المناظرات عندهم دورا كبيرا فى توثيق الصلة بين الكليات والجامعات المختلفة ، وفى السمو بغرائز المنافسة والخصام فى الشباب ؛ فلكل كليلة فريق ، ومن فرق الكليات يتألف الفريق المختار الذى يمثل الجامعة فى مناظراتها مع الجامعات الأخرى . وقل مثل ذلك فى مختلف الألعاب . وهم يتبادلون الزيارات لهذه الأغراض ، وتذهب مع كل فريق مجموعة كبيرة من الطلاب يشجعونه ويشدون أزره ؛ وتكون هذه المواقف فى العادة فرصا تغتم للسمر والفكاهة ، ولمثلها يعد الطلاب الانجليز كل طرفة مستملحة ، ونكتة مستظرفة ، وقد خلقوا لمجتمعاتهم من هذه الناحية تقاليد يتوارثونها جيلا بعد جيل .
ومن تقاليدهم الصالحة أسبوع يحتفلون به أثناء العام - وهو أسبوع الذكرى لتأسيس الكلية - يتفننون فيه فى ضروب الفائدة واللذة البريئة ؛ فمن عاداتهم فيه دعوة عظيم من العظماء لإلقاء محاضرة فى أحد الأمسية ، تحضرها أسرة الكلية وأصدقاؤها - بلباس السهرة - ويعقبها حفل سمر ؛ ومنها يوم للمناظرة ضد جامعة أو منتخب من فرق الجامعات الاخرى ! ومنها حفلة سمر
خاصة يقيمها اتحاد الطلاب ، وأخرى أنيقة يقيمها اتحاد الطالبات ؛ وهاتان الهيئتان دائمتا النشاط أثناء العام ، وعليهما تقوم معظم النواحى النشاطية فى الكلية ؛ وأعضاؤهما من الطلبة ، ينتخبهم الطلبة ، ورياسة كل منهما شرف يتطلع إليه ذوو القدرة والاستعداد ، حتى من الطلبة الأجانب ؛ وكثير من زعماء انجلترا فى الأيام الحاضرة كانوا رؤساء اتحاد فى جامعاتهم أيام الدرس والطلب .
هذه النواحى المتمددة من النشاط ذات أثر كبير فى بناء الخلق عند الطالب الجامعى ، وفى تكييف سلوكه بصورة ترضاها البيئة والاجتماع . على أن لها فوق ذلك أثرا سيكلوجيا مهما : ذلك هو التخفيف عما يساور الطالب فى تلك الرحلة من حياة من قلق واضطراب . وقد كشف علم النفس الحديث عن منابع هذا القلق ومظاهره ، وعما ينقلب على نفس الشاب حينئذ من شكوك وحيالات وامال والام . ولقد أعرف من بين طلابنا عددا شكوا إلى هواجس نفوسهم ، وما يعنيهم من مخاوف وأوهام ومتاعب داخلية . فالشاب فى هذه المرحلة من عمره يجتاز دور البلوغ إلى الرجولة ، ويمر بأزمات وجدانية وعاطفية ، وذهنية واقتصادية ، وهو أحوج ما يكون إلى جو حر نشيط ينفس فيه عن رغباته ، ويسمو فيه بنوازعه ، وينصرف فيه من الجموح الغريزي إلى أنواع من النشاط الحر ، كالاشتراك فى لجان الموسيقى والفنون والرحلات والمناظرات ، وكالاندماج فى سلك الجمعيات الاصلاحية والتعاونية وما إليها .
إن جامعتنا قد خطت فى بعض هذه النواحى خطوات موفقة ، وقد نشطت الجمعيات فى كلياتها نشاطا كبيرا . ولكن مجال الكمال لا يزال فيه متسع . وأهم نقص يلحظه الباحث فى نواحى النشاط الجامعى عندنا هو قيام
إدارات الكليات وهيئات التدريس بالنصيب الأكبر فى تنظيمها ؛ ويظهر أن هذه نتيجة لما مر بنا من ظروف سياسية فى السنوات الأخيرة ، فمعظم اللجان يرأسها فريق من هيئة التدريس ، وأعضاء الاتحاد يصلون الآن إلى مراكزهم بالتعيين لا بالانتخاب ، وكلما نادى المنادون بالرجوع فى هذه الشئون إلى الأوضاع الجامعية الديقراطية قيل لهم إن الطلبة يسيئون استعمال الحرية ، وإن سياسة الأحزاب تتدخل حتى فى الانتخابات الداخلية لاتحاد الجامعة ، وإن نتائج هذه الانتخابات ينظر إليها فى دوائر السياسة الحزبية كما ينظر إلى انتخابات نقابة المحامين مثلا . ويخيل إلى أن مخاوف أولى الأمر من هذه الناحية مبالغ فيها ؛ وهذا ظن أبنية على تجربة شخصية ! فقد دعوت إلى تأليف جمعية لأحد الأقسام فى كلية الآداب ، وتوليت الإشراف على عملية الانتخاب فى سنتين دراسيتين منه ، وأعجبت كل الإعجاب بالروح الديمقراطى الهادئ الذى تجلى من جانب الطلبة ، وبما بينهم من ود خالص لم تكدره شوائب الانتخاب . ولعل الحل الوسط الذى لجأت إليه كلية الآداب فى هذا الموضوع يكون خطوة موفقة فى سبيل ديمقراطية الاتحاد ، فقد اشتركت الكلية عميدها وأساتذتها فى تنظيم جمعيات النشاط المختلفة فيها ، على أن ينتخب من بين أعضاء هذه الجمعيات - فى نهاية العام الحاضر ممثلو الاتحاد للعام المقبل . وتألفت كذلك فى هذه الكلية جماعة للعناية بأبناء الأقطار الشقيقة فيها ، ولتوثيق الصلات الثقافية بين مصر وجاراتها من المالك العربية .
هذه وغيرها بشائر نهضة نرجو أن تؤتى أكلها قريبا بإذن الله ؛ ونرجو أن تنجح الجامعة فى أداء رسالتها على النهج الذى صوره - منذ أيام - سعادة مدبرها فى خطابه الحافل بكلية العلوم .

