الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 403الرجوع إلى "الثقافة"

الجراثيم المسروقة، قصة للكاتب الكبير ه .ج . ولز، المتوفي في ١٣ أغسطس سنة ١٩٤٦

Share

) كثيرا ما يمزج ج أولز العلم بالحبال في قصصه ورواياته . ولا تخلو هذه القصص من فكاهة تصل أحيانا إلى حد السخرية وتري هاتان الصفتان واضحين اعظم وضوح في القصة التالية وقد صب فيها سخريته على العلماء كما فعل في روايته المشهورة طعام الآلهة

قال العالم البكتريولوجي وهو يضع زجاجة صغيرة تحت المجهر ؛ وهذه أيضا جراثيم الكارا .

ونظر الرجل ذو الوجه الأصفر الكالح في المجهر بأحدي عينيه نظرة من لم يتعود هذا العمل ووضع يده النحيلة فوق عينه الآخرى وقال : إني لا أكاد أري شيئا

فقال له العالم : أدر اللولب قليلا فلعل بؤرة المجهر في حاجة إلي الضبط لتلائم عينك، وإن عيون الناس تختلف اعظم اختلاف ، ولعلك إذا أدرت اللولب قليلا إلي هذه الجهة أو تلك رأيت ما أراه أنا

وقال الزائر : الآن استطيع أن أري وإن كان ما أراه قليلا لا يستحق كل هذا العناء فكل ما ابصره الآن خيوط ونقط صغيرة قرنفلية اللون ؛ فهل تستطيع تلك الخيوط والنقط او قل تلك الجزيئات والذرات ان تتضاعف آلاف المرات وأن تهلك مدينة بأكملها ؟ يا للعجب !

ثم وقف الزائر وأمسك الزجاجة في يده واتجه بها نحو النافذة وقال وهو ينظر إليها بإمعان : إنها لا تكاد ثري . وهل هي كائنات حية ؟ وهل منها الآن خطر ؟ .

وقال العالم : لقد قتلنا هذه الجراثيم وليتنا نستطيع أن نقتل كل ما في الكون منها .

وسأله الرجل الأصغر وهو يبتسم قليلا : أظنك لا تحتفظ بشيء منها حيا !

فأجابه العالم : بلي . إنا مضطرون إلي ذلك اضطرارا ثم اتجه إلي أحد أركان الحجرة وأخذ أنبوبة محكمة السداد وواصل حديثه قائلا : في هذه الانبوبة طائفة من هذه الجراثيم حية نشطة . هذه زرعة من جراثيم المرض ولدينا منها عدة أنابيب ، فهي الكارا محبوسة في زجاجات إذا صح هذا التعبير

وأبرقت أسارير الرجل الأصفر لحظة قصيرة ، ثم قال وهو ينظر إلي الأنبوبة نظرة فاحصة كاأنه يريد ان يلتهمها التهاما : إن من اخطر الأشياء ان تحتفظ بهذه الجراثيم كلها في معملك .

وراقب العالم ما بدا علي وجه زائره من سرور عجيب مريب وقال وهو مستغرق في التفكير ؛

نعم هنا الموت السجين فليس عليك إلا أن تكسر هذه الأنبوبة الصغيرة في حوض ماء الشرب وان تقول لهذه الجسيمات الدقيقة التي لا تستطيع العين أن تبصرها حتى بعد تلوبنها إلا بأقوي مجهر والتي لا يستطيع الإنسان أن يشمها أو يذوقها - ليس عليك إلا أن تقول لها : سيري في طريقك وازدادي وتضاعفي وأملأي الحوض . فينطلق الموت في المدينة ، الموت الخفي الغريب السريع الفظيع الملئ بالألم والعذاب ، والذي يعجز عن صد تياره أعظم الأطباء . الموت الذي يختطف الزوج من بين ذراعي زوجته ، والطفل من أحضان أمه ، ويريح العامل من كده ونصبه ، ثم يسير في مجاري المياه وفي الشوارع والطرقات يختار بيتا هنا وبيتا هناك يعاقب أهله علي ما أهملوا من طرق الوقاية ، ويزحف بجيوشه الجرارة علي منابع المياه المعدنية ، وبكمن في الخضر وينام وسط الجليد ، ويختفي في أحواض شرب الخيل لينقض عليها حين تأتي إليها في طلب الماء ، وللأطفال حين يعبثون في فساقي المياه العامة . وتمتصه الأرض فيعود إلي الظهور في الينابيع والآبار وفي آلاف من الأماكن التي لم يكن

ينتظر ظهوره فيها وقصاري القول أنه إذا تسرب إلي مورد ماء فلن تستطيع ان تقبض عليه فيه إلا بعد أن يفتك بأهل المدينة الى تستقي منه

ثم سكت الرجل فجاءة ، فقد كان يعلم أن الخطابة وزلافة اللسان من اسباب ضعف العلماء ، ولكن غلبته حماسته فواصل حديثه قائلا : ولكنا امنون من شره في هذا المكان - فهو هنا حبيس لاخوف منه على الإطلاق .

وهز الرجل الأصغر الوجه رأسه وأبرقت عيناء وتنحنح ثم قال : إن هؤلاء الفوضوبين حمقى بلهاء ، إنهم عمي لا يبصرون . ولو كان لديهم شئ من العقل لما لجأوا إلي القنابل ولديهم ما هو أشد منها فتكا إني أظن .

وسمع تقر خفيف على الباب ، ففتحه العالم ونادته زوجته بصوت لا يكاد يسمع : أستأذنك دقيقة واحدة يا عزيزي .

ولما عاد بعدئذ إلي معمله رأي زائره ينظر في ساعته ، فلما وقعت عينه عليه قال : لم اكن اظن ياسيدي اني أضعت من وقتك ساعة كاملة ، إن عملك هنا ممتع غاية الإمتاع ولكني لا استطيع البقاء هنا دقيقة واحدة . إني على موعد في الساعة الرابعة تماما

وخرج الزائر من المعمل وهو يكرر الشكر للعالم ، وصحبه هذا إلي بابه ثم عاد مرة اخرى إلي معمله وهو يقول في نفسه : ما أشد نظراته إلي هذه الجراثيم . ثم سار إلي منضدة حمام البخار ثم عاد إلي مكتبه وقلب جيوب سرواله واندفع نحو الباب وهو يقول : لعلى قد وضعتها على منضدة الدهليز . ونادي زوجته وسألها : هل لم يكن في يده شئ حين كان يتحدث إليها منذ قليل ؟ فأجابته ان لم يكن معه شئ . . فلم يكد يسمع منها هذا القول حتى انطلق إلي الباب الخارجي ونزل على الدرج وخرج من البيت إلي عرض الشارع .

وسمعت مبنى الباب يغلق بقوة فأسرعت مذعورة

إلي النافذة وأبصرت رجلا نحيفا يركب عربية ثم رأت زوجها عاري الرأس يجري خلفه وينادي المارة بأعي صوته . وخرج احد خفيه من قدمه ولكنه لم يعبا به وقالت عيني في نفسها : لقد جن من غير شك ، واوشكت ان تناديه من النافذة . والتفت الرجل النحيف الأصفر خلفه وكانه هو الآخر قد اصيب بمس في عقله ، فأشار بيده إلى العالم وقال شيئا إلي الحودي فساط هذا جواده ، ولم تمض إلا لحظة حتي كان الرجل قد اختفي عن عينيها وزوجها في اثره .

وبقيت عيني في النافذة لحظة اخري ثم عادت إلي الحجرة وقد عقد لسانها من الرعب وقالت في نفسها : إنه غريب الاطوار بلا شك ، ولكني لم أكن اعتقد انه تجري في شوارع  لندن في هذا الوقت من غير قبعة او حذاء ثم لاحت لها فكرة جديدة فلبست قبعتها واخذت حذاءي زوجها في إحدي يديها وامسكت باليد الاخري قبعته وسترته ونزلت على الدرج ونادت سائق عربة كانت لحسن حظها قريبة منها وأمرته ان يسير بها في الطريق العام مقتفيا أثر رجل عاري الرأس والقدمين . والهب الرجل بالسوط ظهر جواده واندفع كانه يسير إلي مكان يعرفه ويذهب إليه كل يوم من ايام حياته .

ولم تمض على ذلك بضع دقائق حتي كان المتعطلون المتسكعون في الشوارع يبصرون عربية تمر بهم في سرعة البرق ومن ورائها عربية أخري ركبها رجل كأن به مس تتبعها عربية ثالثة بها سيدة تحمل في يديها حذاءين وقبعة وسترة وقال شاب خبيث : إنها المرأة تجري وراء الرجل هذه المرة وقد تعودنا ان نري العكس .

وانطلقت مركبة عيني بين تصفيق المارة وهتافهم تتبع عيناها ظهر سائق العربة المقلة لزوجها . أما الرجل الأصفر الوجه فقد جلس في احد جانبي العربة الأولي مطوي الذراعين يمسك بإحدي يده الانبوبة المحتوية على الجراثيم المهلكة وتبدو عليه أمارات الابتهاج والخوف معا .

فأما الخوف فقد كان بعضه ناشئا من خشيته أن يقبض عليه العالم قبل أن ينفذ قصده ولكن كان وراء هذا خوف أعظم منه وأكثر غموضا ، وهو خوفه من شناعة الجريمة التي يوشك أن يرتكبها . على أن ابتهاجه مع هذا كان يفوق خوفه بنوعية . وكيف لا يبتهج ولم يفكر أحد من كبار الفوضويين قبله فيما فكر فيه هو فإذا استطاع أن يصل إلي مورد الماء الذي تستقي منه المدينة فإنه سيكسر فيه الأنبوبة المحتوية علي جراثيم الكارا ، فيحقق من أغراض الفوضويين مالم يحققه قبله أحد منهم . وكان قد دبر أمره تدبيرا بارعا محكما ، فزور خطاب التوصية ودخل المعمل وانتهز فرصة دخول زوجة العالم فأخفي الأنبوبة وخرج علي عجل . وهكذا سيسمع العالم بأعماله ويذكر إسمه ، وسيجله في آخر الأمري كل أولئك الذين يسخرون الآن منه ويهملون شأنه ويرغبون عن صحبته ويفضلون عليه من لا يستحق التفضيل . لقد كانوا يرونه رجلا حقير الشأن ويأتمرون به ليبقوه خاملا مغمورا ، ولكنه سوف يعلمهم عواقب عملهم هذا . وأطل من العربة فرأي غريمه في أثره لا تكاد يبعد عنه أكثر من خمسين ياردة وأكبر الظن أنه سيلحق به ويحول بينه وبين قصده . ووضع يده في جيبه وأخرج منه نصف جنيه ونفح به السائق وقال له : لك أكثر من هذا إذا أوصلتني إلي حيث أريد قبل أن يدركني هذا الرجل .

واختطف السائق النقود من يده وقال وهو يلهب بالسوط ظهر الجواد : لك ذلك

وانطلق في الطريق انطلاق الريح . وقبض الفوضوي على جانب العربية بيده التي كان يمسك بها الانبوبة الزجاجية الصغيرة . وفي هذه اللحظة كسرت الأنبوبة وسقط الجزء الاكبر منها في المركبة ، ونظر هو في حزن واكتئاب إلي ما سقط منها من ماء على ملابسه وقال وهو يضطرب في مقعده

- إذا ساكون أول الضحايا ! سأموت شهيدا ! إن في هذا بعض العزاء ، ولكنها ميتة خبيثة ما في ذلك شك ! ولست أدري هل يؤلم هذا الموت الألم الذي يصفونه به !

ثم لاحت له فكرة جديدة ورأي نقطا قليلة لا تزال في جزء الأنبوبة الذي بيده ، فما كان منه إلا ان تجرعه لكيلا يكون ثمة شك في مصيره المحتوم .

ثم بدا له أن لا حاجة له الآن إلي الهروب من العالم البكتريولوجي ، فأمر السائق ان يقف ونزل من العربية وهو يحس بدوار في رأسه لقد كان السم سريع المفعول من غير شك . ثم اشار إلي السائق ان يذهب في سبيله ووقف على الطوار وذراعاه مطويتان على صدره ينتظر قدوم العالم . وكانت وقفة حزينة مؤلمة ، وقد أكسبه اعتقاده بقرب ميتته قدرا غير قليل من المهابة ، ولما اقبل غريمه حياه بضحكة متحدية ساخرة وقال :

- لتحي الفوضوية لقد جئت بعد فوات الوقت ياصديقي ، لقد شربتها وخرجت الكارا إلي العالم !

ونظر إليه العالم وهو في مركبته من خلال منظارية وقال في دهشة : شربتها ! أفوضوي انت ؟ لقد عرفت إذا وهم أن ينطق بشيء آخر ولكنه منع نفسه من قوله وبدت ابتسامة على جانب فمه وهم بالنزول من العربة . وحياه الفوضوي تحية ساخرة وسار بترنح نحو جسر ووترلو وهو يحشر جسمه بين أكبر عدد من المارة يستطيع حشره فيهم . وشغل مطارده بأمره فلم تظهر عليه آية دهشة حين ابصر زوجته إلي جانبه وفي يديها قبعته وحذاؤه وسترته ، وقال لها وهو لا يزال غارقا في تفكيره ينظر إلي شبح الفوضوي الذي كان يختفي عن ناظريه : " لقد احسنت إذ أتيت بملابسي . وخير لك أن تركبي هذه العربة "

ولم تشك عيني وقتئذ في ان الرجل قد جن ، فأمرت السائق أن يعود به إلى المنزل . وقال هو بعد ان أدار السائق جياده نعم سألبس حذاءى الآن ياعزيزتي . لاحت له فكرة غريبة فضحك وقال : ومع ذلك فإن

الأمر جد خطير ثم التفت إلى زوجته وقال لها

" لقد جاء هذا الرجل إلي بيتي ليزورني ، ولكنه من الفوضوبين - لا لا ترتاعي وإلا عجزت عن أن اقص عليك القصة كلها . وأردت ان اثير دهشته ولم أكن اعرف انه فوضوي ، فأخذت مقدارا من الزرعة الجديدة من جراثيم الكارا التي حدثتك عنها ، وهي التي اعانت القردة ، وقلت له إنها الكارا الإسيوية ، وسرقها الرجل وخرج من عندي ليسمم بها الماء الذي يستقي منه اهل لندن ، ولو أفلح لكان في ذلك الطامة الكبري على أهل المدينة . وقد ابتلعها الرجل . ولست أدري ما سوف يحدث ، ولكنك رأيتها تميت القطة الصغيرة والكلاب الثلاثة الصغيرة . على أن اكثر ما يضايقني إنى سأضطر إلي إعداد زرعة منها جديدة وانفق في إعدادها كثيرا من

الوقت والمال

اشترك في نشرتنا البريدية