الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 140 الرجوع إلى "الثقافة"

الجستابو، ، نشأته وتنظيمه وطبيعة رجاله

Share

إن ما يتمتع به الأفراد من حرية شخصية ومن نظم مدنية تهيىء لهم سبل مراقبة الحكام وإسماع أصواتهم للهيئات التنفيذية ، كل هذه الأنواع من الحرية لا يمكن أن تعيش وتنمو وتترعرع إلا فى أوقات السلم ، فاذا ما وقعت الحرب ، أو تحرجت الأمور ، أو حدثت أزمات من أى نوع ، فان هذه الحريات وتلك النظم ينالها الكثير من الانتقاص أو الحد أو التعطيل ، مما ينزل عنه الفرد مختارا ، ويتقبله الجمهور عن طيب خاطر بصفة مؤقتة ،

بحيث يسترده كله ويعود للاستمتاع بحقوقه كاملة غير منقوصة بمجرد انفراج الأزمة أو الشعور بأن الذين نزل لهم عن حرياته ومنحهم سلطة واسعة فى إدارة الشئون ، بدون أن يعرقل أعمالهم بالمحاسبة الدقيقة المستمرة ، قد لجأوا إلى القسوة أو أساءوا استعمال تلك السلطة التى منحهم إياها . ولذلك ترى رجال الحكومات الذين منحوا سلطات استثنائية فى البلاد الديمقراطية (لاسيما فى انجلترا وأمريكا) يصدرون من آن لآخر تصريحات وتأكيدات تطمئن الشعب على حرياته ، وتعده بأن الحكومة التى أولاها ثقته سترد إليه كل حقوقه وكامل حرياته .

بمجرد انتهاء الحرب وزوال الخطر المحيق به فى هذه الظروف العصيبة .

أما فى البلاد التى تسودها دكتاتوريات حقيقية فإن الرقابة البرلمانية والتشريعية قد أصبحت أثرا بعد عين . والسلطات الاستثنائية ، التى أشرنا إلى منحها للحكومات بالبلاد الديمقراطية فى الظروف غير العادية ، تلك السلطات الاستثنائية تتمتع بها الحكومات الدكتاتورية بصفة دائمة ، أى كإجراء طبيعى لا استثناء فيه ؛ ومثل هذه الحكومات بطبيعة الحال ( وبمدلول اسمها)  لابد من أن تدعى العصمة الدائممة وتنفر من كل محاسبة ، وتعد كل نقد لتصرفاتها خروجا علي القوانين بل وخيانة للدولة .

ومن ثم كان من الطبيعى أن يصير مركز البوليس والدور الذى يلعبه علي يد  دكتاتور أوأية حكومة استبدادية على جانب عظيم من الأهمية والخطورة . والتاريخ شاهد على ذلك بما سجله عن عصور ما ترنخ وفوشيه ، ونظام القيصرية (حكم الزار ) . ولذلك طالما ترد على ألسنة الذين يرقبون الحالة فى ألمانيا مراقبة سطحية السؤال الآتى : " هل هناك حقا ما هو جديد فى أساليب حكومتها لقمع الحريات الشخصية ؟ " بل قيل فعلا بالنسبة لنظام بوليسها القوى الصارم إلى حد كبير إن ألمانيا لم تفعل أكثر من رد عقارب الساعة إلى الوراء . وقد يكون هذا حقا فيما يتعلق بوسائل القمع الشنيعة التى ارتكبتها السلطات النازية وسجلتها الحكومة البريطانية فى كتابها الأبيض عن " معاملة المواطنين الألمان فى ألمانيا " ؛ ولكنه ليس صحيحا فيما يتعلق بنظام البوليس نفسه ، فان هذا النظام ليس وليد الرجوع إلى الوراء ، وإنما هو ثمرة فكرة جديدة ابتدعها الخيال النازى .

الوضع السياسى الجديد للجماعة بألمانيا:

ولا يغيبن عن البال أن النازية قد جعلت الدولة والأمة

فى المقام الأول ، أى فوق كل اعتبار آخر عند كل فرد من الأفراد ، ولا يقتصر واجب المواطن على أن يقوم بقسطه نحو الدولة والأمة ، مما يزيدهما عزة ورفعة وسعادة ؛ وإنما يتحتم عليه ان يكرس حياته كلها لهذا الغرض .

فالمبادىء النازية تجعل للألمانى دينا جديدا تفرض عليه فيه أن يعبد أمته من دون االله ، وأن يهب جسمه وروحه لهذا الدين الجديد . وقد صرح زعماء النازية فى عدة مناسبات أن المواطن الألمانى لا يصح أن يعتبر أى ناحية من نواحى حياته خاصة به ، بل عليه أن يسقط من اعتباره أثناء قيامه بعمله وتأديته لوظيفته كل شئ عدا الجهود القومية ، وأن ينظم حياته الخاصة غير ناظر إلا لمصلحة الجماعة ؛ وبالجملة فالآلمانى مطالب بألا ينسى أنه نازى إلا فى ساعات نومه .

وعلى كل ألمانى سواء أكان رجلا أو امرأة أو طفلا ، جنديا أو عاملا أو فنانا ، موظفا فى الحكومة أو طالبا ، من رجال الفنون أو رجال الأعمال - على كل واحد من هؤلاء أن يؤدى أكثر من مرة فى حياته قسم الطاعة والولاء لزعامة الفوهرر ؛ وبهذا القسم ينعقد بين كل فرد من أفراد الأمة الألمانية وبين رئيس دولتها رباط روحى شبيه بذلك الذى كان يربط فى العصور الأولى السيد بعمال مزارعه ومستغلى إقطاعياته لحسابه ، لكن بفارق واحد هو أنه فى العصور الماضية ، كان الذين يقدمون فروض الطاعة هم عدد قليل من الملاك ورؤساء العشائر وكبار الزراع أو الأعيان ؛ أما فى النظام النازى فيؤدى القسم جميع أفراد الشعب بلا استثناء ؛ هذا علاوة على ما يلتزمه كل فرد بأن يضحى راحته ومصلحته الشخصية فى سبيل سعادة المجتمع الألمانى . فإذا أضفت إلي هذا الالتزام وذلك القسم التنظيمات الاقتصادية الواسعة النطاق ، والسيطرة التامة ، التى تشبه التجنيد ، على جميع الأعمال التجارية والمباحث العلمية والتعليم والفن الخ ، أخذت

فكرة قريبة من الحقيقة عن الوضع السياسى الجديد للجماعة النازية بألمانيا .

المعارضة فى ألمانيا وحاجتها الى بوليس من نوع جديد :

لكن العصمة لله وحده . وكما أن رجال الدين أنفسهم كثيرا ما يخالفون أوامر دينهم ، فكذلك النازيون بشر كيفية البشر ، وهم معرضون للخطأ . وإنك لن تستطيع أن تقتلع من نفس الانسان شراهته ولا أنانيته ولا حرصه على أن تكون شئونه الخاصة سرا لا يطلع عليه سواء ؛ ومن ثم كان لا بد للمعارضة أن تظهر فى ألمانيا وأن تنمو يوما بعد يوم استجابة للقانون الطبيعى ، الذى يقضى بأن لكل فعل رد فعل يساويه . على أن المعارضة كانت بطبيعة الحال ولا تزال فى ألمانيا معارضة غير منظمة ، ولكنها على كل تستدعى إجراآت خاصة . فإذا كانت قوة البوليس العادية كافية فى معظم الدول لمعالجة حالات الخروج على قواعد السلام والنظام وكذلك حالات الاجرام ، وكافية لا تخاذ جميع الوسائل الضرورية للمحافظة على الأمن العام ، فإنه فى بلد كألمانيا حيث تغلغلت السياسة فى كل شىء ، ودخل فى نطاقها ما هو فى العادة من صميم خصوصيات الناس - فى مثل هذه الدولة لا مناص من توسيع الفكرة القديمة عن السلام والنظام وحسن الاداة الحكومية . كذلك لا بد لتوطيد النظام القائم فى ألمانيا ، والذى يضيف إلى أمور الدولة العادية أوجها متعددة من النشاط الواسع المدى - لا بد من إنشاء نوع جديد من البوليس ، وهذا ما أقامته ألمانيا تحت اسم الجستابو ، أو البوليس السرى للدولة الألمانية .

التطور أو الثورة :

وهنا تذبذبت الأفكار بين التطور والثورة . فقد قال قوم بأنه ما دام ظهور الدولة الألمانية الجديدة قد انطوى فى ذاته على خروج متعمد على التقاليد ، فإنه إذا أريد

لهذه الدولة أن تعمر فلا مناص من خروج آخر على التقاليد بشأن البوليس الذى اتخذ وصيا على الدولة الجديدة وحاميا لها .

والآن نتساءل عما كان عليه نظام البوليس الألمانى فى ذلك اليوم التاريخى المشهود (٣٠ يناير سنة ١٩٣٣) الذى صار فيه هتلر رئيس الدولة وزعيمها . على الرغم من أن الولايات التى يتألف منها الاتحاد الألمانى كانت قبل ذلك التاريخ قد نزلت للريخ عن حق التشريع فى المسائل المتصلة بالدفاع والضرائب ؛ فان كل واحدة منها كانت لا تزال تحتفظ بقوة من البوليس خاصة بها ، ولم يكن لدى الريخ بوليس قانونى إلا للضرورة القصوى . ومما يدل على حيوية تلك الولايات أن قانونا مر فى الرشستاغ عام ١٩٢٢ لتنظيم البوليس الجنائى ، ولم ينفذ قط فى عهد الجمهورية . وكان الريخ إذا شاء أن يؤثر فى عمل البوليس لأية ولاية من تلك الولايات اتخذ له سبيلا ملتويا ، ومثال ذلك ما لجأ إليه وزير الداخلية من حبس الاعتمادات المالية لبوليس إحدى تلك الولايات المعارضة ، ارتكانا منه على أن التشريعات المالية من حق الريخ وحده ، وأن الولايات تعتمد اعتمادا كليا فى إقامة بوليسها على الاعانات المالية التى يصرفها الريخ لها . على أن مثل هذه الاجراآت الضعيفة المحدودة لم تكن بطبيعة الحال لترضى الزعيم هتلر .

فقوات البوليس كانت إذا تحت تصرف الولايات ، ولم يكن تاريخ بوليس خاص به ، وإنما كانت هناك عدا القوات المشار إليها قوة خاصة لتحقيق القضايا الجنائية ، وأخرى تدعى قوة البوليس السياسى محدودة الآثر جدا . وكان المتبع عند ذاك بألمانيا أن من يقبض عليه يقدم لقاضى التحقيق فى خلال أربع وعشرين ساعة من وقت القبض عليه ؛ هذا كل ما وجدته الدولة الجديدة تحت تصرفها من نظام بوليسى عديم الفائدة ؟ وعندئذ شعرت بأنه لا بد لها من نظام آخر يكفل تحقيق أغراضها ويؤيد إجراآتها .

وكانت نواة النظام الجديد قد وضعت بالفعل عندما كان الحزب لا يزال يعمل هاديا متحينا الفرصة لانتهازها "وللقبض على أزمة الأمور ؛ فقد كون له فى تلك الأيام الحالية تشكيلات أطلقت عليها أسماء مختلفة أهمها (S. S) كانت تجمع المعلومات وتقوم بتأييد الزعماء ؛ وهذه التشكيلات أدمجت فى البوليس العادى ، بمجرد تبوؤ هتلر الزعامة . ثم أجريت بعد ذلك حركات فصل فيها من الخدمة الكثير من رجال البوليس الأصلي بحجة عدم الكفاية ، وذلك لترجح كفة هؤلاء ، أى البوليس الحزبى الخاص الذى أدمج فى البوليس الرسمى ، وسرعان ما صارت له الكلمة العليا فيه .

انشاء الجستابو بالفعل :

أنشئ الجستابو (أو البوليس السرى للدولة)فى أبريل سنة ١٩٣٣ على يد جورنج ، واقتصر فى مبدأ الأمر على مقاطعة بروسيا ، التى كان جورنج فى ذلك الوقت رئيس وزارتها ( علاوة على وظائفه الأخرى ) . أما الولايات الأخرى فقد عهد للبوليس السياسى الموجود فى كل منها بالقيام مؤقتا بواجبات البوليس السرى النازى . ويدل الأسم الذى اختير لهذا البوليس على أن أهم صفة لطبيعة العمل الذى أنشئ للقيام " هو " السرية " ( ١ ) ، فهو يراقب فريسته ، وينزل بها العقاب سرا دون أن يشعر به أحد ؟ ومن ثم أحيط بجو مهيب مرعب ، وأعفى من تقديم الحساب إلا إلى سلطة واحدة لا سبيل إلى محاسبتها .

ولم يستمر الجستابو مدة طويلة مقتصرا على بروسيا ؛ فقد كان النازيون يحسون بأن بقاء البوليس مسألة خاصة

بالولايات له عيوب كثيرة من وجهة نظرهم ؛ ولذا كان لابد لهم من قلب هذا النظام . حقيقة صدرت عدة قوانين تقوى مركز النازيين ، وتثبت سلطانهم ( ومنها ما ينص على تعيين حكام فى جميع الولايات مسئولين قبل الفوهرر مباشرة ) مما استبعد كل خطر لاستخدام قوة البوليس فى أى ولاية فى أى حركة ضد النازية ؛ لكن هذا لم يكف السلطة المركزية للحزب ، فكانت تطالب بإنشاء قوة جديدة داخلية فعالة تحت سلطاتها وفى سنة ١٩٣٤ ( أى فى ذكرى تزعم هتلر ) تبع البوليس لحكم الريخ مباشرة إلا فيما يتعلق بالاجراآت الإدارية وحدها ، فقد تركت للولايات التى كانت قد أصبحت مجرد فروع إدارية للريخ .

هملر :

وكان هذا البوليس الألمانى الريخى الجديد بنقصه قائر أعلى ( وإن كان تابعا لوزير الداخلية مباشرة ) وعلى الرغم من أن هذا النقص ظل عائلا مدة عامين ، فإن الشخص الذى قدر له أن يتولى هذه القيادة ، ويعالج هذا النقص ، كان فى ذلك الوقت يشق طريقه فى المراكز العليا النازية . ففى أبريل سنة ١٩٣٤ عين " هاينرخ هملر " رئيسا لأهم فرع من فروع البوليس ، وهو الجستابو ، وكانت سنه إذ ذاك لم تتجاوز الثالثة والثلاثين ، على أنه لم يكن قليل الخبرة بالشئون البوليسية .

وهملر بافارى كاثوليكى من ميونخ ، كان أبوه ناظر مدرسة ، وتلقى دراسة ثانوية إلى سن السابعة عشرة ، ثم تطوع فى الجيش الألمانى ؛ ولما انتهت الحرب قضى ثلاث سنوات فى كلية الهندسة بميونخ ، ومنها خرج يزاول الأعمال الحرة ، وانضم إلى هتلر فى تاريخ مبكر ، فأحبه وقربه إليه ، حتى صار من معاونيه المتمتعين بعظيم ثقته ؛ وسرعان ما لعب هملر دورا رئيسيا فى التشكيلات الحزبية التى أشرنا إليها سابقا ، والتى ذكرنا انها أدمجت فى البوايس القديم ، كما انه اشترك فى تأسيس نظام محكم

واسع المدى لجمع المعلومات والتجسس داخل ألمانيا وخارجها . وسرعان ما رؤى أن يستفاد من خبرته ، فعهد إليه فى سنة ١٩٣٣ بالاشراف على البوليس السياسى فى عدة مدن كبيرة ، إلى أن عينه جورنج ( الذى كان مشرفا على البوليس السرى فى بروسيا ) رئيسا لهذا البوليس ، وأخيرا عين رئيسا للبوليس السرى فى الريخ كله فى أبريل سنة ١٩٣٤ كما قدمنا ، أى أنه كان رئيسا للجستابو فى ذلك المساء التاريخى المشهورمساء ٣٠ يونيه سنة ١٩٣٤ .

وهناك خلاف على حقيقة شخصية هملر ، لكنا إذا حكما عليه بأعماله تجلت لنا كفاءته النادرة وإدراكه التام وإحاطته الشاملة بمشاكل البوليس والواجبات العملية الفعالة للريخ الجديد . ولا تعوقه فى أعماله أى اعتبارات إنسانية ، وقد نجح فى أن يبث فى أتباعه والمرموسين له روح التشكيلات الحزبية القديمة القائمة على" عدم المبالاة وعلى المخاطرة من أجل الدولة " .

الأساس التشريعى لسلطة الجستابو  :

ظل رجال الجستابو يعملون ثلاث سنوات كاملة دون أن يصدر قانون يحدد وظيفة الجستابو ؛ وكل ما حدث أن صدرت قرارات بحمايته وأحكام تقضى بأنه ليس هناك رقابة تشريعية على البوليس السرى . وفى فبراير سنة ١٩٣٦ صدر قانون بروسى ينص البند السابع منه على أن أوامر البوليس السرى وأعماله لا يجوز أن تكون محل مناقشة أو أن تعرض فى المحاكم الادارية . وهكذا ظلت أعمال الجستابو فوق كل نقد أو اعتراض ، وأخذ كل أفراد الدولة - لا بحكم القانون الوضعى بل استجابة لما يسمونه القانون غير المكتوب - أخذوا جميعا يؤيدون استقلال الجستابو وازدياد نفوذه ؛ وأخذت الأحكام التى تصدرها المحاكم فى صفه تتزايد وتتراكم حتى أصبح قوة لا معارض لها ولا منازع ، على الرغم من أنها غير مؤيدة بأى قانون صريح صادر من الريخ .

وفى يونيه سنة ١٩٣٦ صدر قرار بأن يعين للبوليس كله رئيس عام ، لينسق أعمال البوليس المختلفة ويسيرها بانتظام . وأسند هذا المركز الساعى إلى هملر ، وجعل مسئولا أمام وزر الداخلية وحده ، وعين أيضا ثانيا لهذا الوزير ليحل محله فى غيابه ، ومنح حق الجلوس فى مجلس الوزراء كلما نظر هذا الجلس فى أى شأن من شئون البوليس .

نظام البوليس السرى :

ينقسم البوليس الألمانى إلى ثلاث شعب رئيسية ، وهى : البوليس العادى ، والبوليس السرى ، ومصلحة الأمن العام ، وهى كلها - كما قدمنا - تحت رياسة رئيس التشكيلات الحزبية الذى يعمل تحت إشراف وزير الداخلية .

أما البوليس العادى فيتبع نظاما إداريا بحتا ، وهو تحت إشراف الولايات ، ويضم مخبرين لاجراء المباحث الجنائية ؛ وهو يقوم بمعاونة البوليس السرى كلما دعت الحال ، وحين يقوم بهذا الواجب يتمتع بنفس الحصانة التى للبوليس السرى الأصلى . أما هذا البوليس السرى فمركزه الرئيسى برلين ، ويتبع هذه الرئاسة ضباط يرأسون أقسامه فى الولايات وفى الآقاليم ، ويعمل تحتهم ضباط دونهم فى الرتبة لا عداد لهم .

وللبوليس السرى نفوذ كبير على رجال الحكومة المحليين ، لاسيما فى الأقاليم ؛ ولكبار ضباطه أن يصدروا الأوامر لرؤسائها ، ولهم نفوذ سياسى أيضا ؛ وبذلك تتم الصلة بين البوليس السياسى والإدارة العامة ، ويصح أن وصف البوليس السرى بأنه الأداة التى تخيف بها ألمانيا أعداء الدولة وتتخذ إجراءاتها ضدهم .

وأما الشعبة الثالثة ، وهى إدارة الأمن فمحفوفة بالغموض ، وأعضاؤها بمثابة مخبرين سياسيين موزعين فى الدوائر الحكومية ودوائر الأعمال التجارية ، والمصانع والسفن والبواخر والعمارات الكبيرة الخ ، كما أنهم يرسلون

إلى الخارج . وبالجملة فهم ألصق أعوان رئيس بوليس الريخ به ، وإليهم قد يعهد أيضا بمراقبة حركات ضباط الجستابو أنفسهم ونشاطهم . ويصح أن تسعى هذه القوة البوليسية " أذن هملر " .

ولا تكاد تفلت أية صغيرة من ملاحظة هذه الأداة المركزية الواسعة التى تعم جميع مرافق الحياة السياسية والتجارية للأمة ؛ ومع ذلك فان هذه الآداة لم تقنع سادة النازية ، فأضافوا إليهاأن جعلوا حتما على كل ألمانى أن يبلغ البوليس السرى كل الحركات المعادية للدولة . وعلينا الآن أن نتساءل عن نوع الرجال الذين يقومون بهذه المهمة العظيمة ؟

أهم فرق الجستابو :

لهذا السؤال أهمية عظمى بالنسبة لأى نوع من أنواع الحكومات ، لأنه عنوان كفاءتها وصلاحيتها . وقد سبق بأن ذكرنا أن رجال البوليس السرى النازى يختارون من بين تلك التشكيلات الحزبية التى ذكرنا عنها بعض الشئ ، فهم إذا " صفوة " الاخوان بالحزب ، وإلى الضباط منهم تعهد أعمال مكاتب الجستابو ، لكن تنفيذ الأوامر التى تقتضى مباغتة المشتبه فيهم والقبض عليهم ، لا تترك لرجال قوة البوليس العادية ، فهذا ما لا يطمئن له زعماء النازية ؛ ولذلك أنشأوا فرقتين خاصتين : أولاهما فرقة " المفاجأة " بعد أفرادها فى معسكرات خاصة بتدربون فيها أربع سنوات . وثانيتهما فرقة " الموت " التى يتحتم على أفرادها أن يخدموا فيها اثنى عشر عاما . وهذه القوى الرعية يمكن جمعها واستخدامها فى المباغتات الكبرى فى لمح البصر كلما صدرت أوامر بذلك وإلى رجال الفرقة الثانية يعهد بإدارة " معسكرات الاعتقال " والاشراف عليها ، وأما الفرقة الأولى فتحل محل الجيش أثناء الحرب فى المحافظة على النظام داخل حدود الدولة ؛ والباعث على ذلك

تشبع النازيين بفكرة أن ألمانيا خسرت الحرب الماضية لا بسبب هزيمة حربية ، وإنما بسبب الطعنة الخلفية التى طعنتها بها الاشتراكية ؛ ومهمة هذه التشكيلات الحزبية القوية منع تكرار تلك المأساة . والدليل على ما يعلقه هتلر من الأهمية على تلك الفرق ، أنه عقب احتلال ألمانيا لهولندا لم يعرب هتلر عن امتنانه للقوات المحاربة وحدها ، وإنما خص بجزء كبير منه أيضا فرق المفاجأة للدور الذى ابته ، فقد كان أفرادها يسيرون فى المؤخرة فى أثر الجيش المحارب ليحملوا عنه عبء عمليات التشطيب ، وليقوموا بوظيفة البوليس فى المناطق المحتلة .

مميزات رجال هملر :

عرفنا مما سبق كيف كانت التشكيلات الحزبية فى مبدأ الأمر قوة صغيرة ، يقتصر عملها على تنظيم اجتماعات الحزب ، وحراسة هتلر وغيره من الخطباء ، والتصدى للمعترضين ، والاقتصاص من المقاطعين ، وكيف أن هملر لما عين قائدا لأولئك لرجال جعل منهم صفوة جنود الحزب (S. S) ، وحرص على أن يضمن لهم النقاء الجنسى بجميع الوسائل ، ومنها إجراء اختبارات طبية وجنسية قبل الزواج . وكذلك رسم لهم خطة للحصول على تدريب واف شامل سياسى وحربى . أما شعورهم بروح الجماعة فقد بثه وقواه بما وضعه لهم من قواعد خاصة للاعتماد على الشرف . وقد كان عددهم عند ما قبض هتلر على زمام الحكم نحو ٥٢٠٠٠٠ رجل ، لكن هذا العدد وصل فى سنة ١٩٣٩ إلى خمسة أضعاف ، وكلهم رجال قد جمعوا إلى التقاليد العسكرية ضميرا سياسيا فى صفاء البلور ، وقلبا ثائرا عامرا بالاخلاص .

تلك هى الهيأة التى عهد إليها بحماية الدولة ، وقد وضع هملر لأفرادها شعارا هو : " هكذا تبوأنا أما كننا وسرنا إلى الأمام طبقا لقوانين لا تبديل لها . إننا جنود النازية وعلينا الطابع الغرديكى . نحن جماعة السيف من رجال

القبائل ، نسير إلى الأمام نحو مستقبل بعيد عامر بالأمل واليقين ، لا بأننا سنحارب خيرا مما حارب آباؤنا فحسب ، وإنما بأننا سنكون أجدادا لأجيال تأتى من بعدنا تكون هى الضمان لتخليد حياة الأمة الألمانية النيونونية " .

هذه الأشياء التى عرفناها من صفوة رجال تلك التشكيلات من الأهمية بمكان ، لأنها تدلنا على الروح التى بها يقومون بأعبائهم ؛ فسلطانهم لا حد له ، ونفوذهم فى منتهى القوة ، وكل منهم يباشر سلطته بالحرارة والحماسة التى لا يولدها إلا التعصب الدينى الشديد ، ويزيدها خطرا الكفاءة والمقدرة وعدم المبالاة التى تعلم كل فرد من أفرادها أن يحقق بها أغراضه وينال مآربه .

استدراك والرد عليه

من النوادر التى أوردها الأستاذ خلف الله فى مقاله الأول عن " أدب الفكاهة فى التأليف العربى"   (عدد ١٢٧ من الثقافة) نادرة نسبها إلى " أبى العيناء " خلاصتها أن قنة قالت له : هب لى خاتمك وأذكرك به . فقال لها أبو العيناء : الذكرى أنك طلبته منى ومنعك .

وقد أرسل الأديب محمد أحمد التميمى يستدرك على نسبة هذه النادرة لأبى العيناء ، ويقول إنه قرأها فى كتاب المطالبة التوجيهية لسنة ١٩٤٠ (ص ١٠١) منسوبة لأشعب بن جبير ، وصاحب المقال يشكر الأديب الفاضل ويخبره أن " معجم الأدباء " (ج ١٨ مطبوعات دار المأمون) ينسب هذه النادرة وطرفا أخرى كثيرة إلى محمد بن القاسم الهاشمى "المعروف بأبى العيناء الأخبارى" ، وهي كذلك منسوبة إلى أبى العيناء فى البحث الذى نفسه المستسرق " مرجليوت " باللغة الانجليزية وأشير إليه فى المقال .

اشترك في نشرتنا البريدية