(مترجمة عن النشرة ٣٦ من سلسلة نشرات أكسفورد عن الشؤون العالمية ، وكاتبها المستر جيلز من رجال القانون الذين درسوا النازية ، وأحاطوا بمراميها وحقائق إجراآتها .)
حدد قانون سنة ١٩٣٦ الشهير عمل الجستابو كما يلى :
((واجب البوليس السرى للدولة هو اكتشاف كل ما تحشده الجماعات من قوى تهدد الدولة ، ومقاومة هذه القوى الخطرة ، وعليه أن يجمع نتائج مباحثه فى هذا الصدد ويقدر قيمتها وأهميتها ويبلغ الحكومة وجميع السلطات كل ما وصل إلى علمه من أدلة . أما الحالات الفردية فرئيس البوليس السرى يقرر بالاتفاق مع وزير الداخلية أيها تجب إحالته على البوليس السرى للدولة )) .
ويصح أن نشير هنا إلى تعريف (( البوليس السياسى )) كما ورد فى أهم كتاب فى الموضوع وهو : (( البوليس
السياسى النازى هو الأداة الرئيسية لقوة الدولة ، وهو نظام ابتكره رجال التشكيلات الحزبية لضمان حماية الأمة والحزب والدولة ، وتقدمها جميعا من الناحيتين السياسية والفلسفية . والطريق الذى يسلكه لذلك هو تحطيم كل مقاومة تظهر فى الميدان السياسى والفلسفى تقوم بها أية قوة أو هيئة معادية للدولة . فبوليسنا السياسى يمتد سلطانه إلى مدى بعيد ، لأن نفوذه قوى وسلطته لا حد لها )) .
ولما كان من الأهمية بمكان عظيم أن يعتنق كل فرد من الأفراد مبدأ النازية وحده ، فالجستابو يراقب بعين يقظة الصحافة والهيئات الدينية على اختلاف طوائفها ،
والأعضاء السابقين للماسونية أو للأحزاب السياسية . وإذا كان لا بد من عدم السماح لأية معارضة للحكومة بالظهور ، فان البوليس يراقب مراقبة دقيقة كل شخص تحدثه نفسه بأن يثير فى الناس الامتعاض والسخط بانتقاداته وتذمراته ، مهما ضاقت الدائرة التى فيها ينثر بذور المعارضة .
ولما كانت المعركة التى شنتها ألمانيا قبل نشوب الحرب الحالية بزمن طويل ، وخاضت غمارها بقوة من أجل مضاعفة الانتاج القومى حتى تكفى ألمانيا كل حاجاتها بنفسها - لما كانت جهودها فى هذه الحركة لا يصح بأية حال من الأحوال أن يعترض سيرها أى عائق . فقد أخذ البوليس على نفسه أن يبحث عن الذين تحدثهم أنفسهم بانتهاز الفرص للحصول على أرباح فاحشة ، وعن الذين يخالفون القواعد والنظم التى وضعت لمراقبة الأغذية وغيرها من المواد الضرورية ، ولاحكام مراقبة توزيعها ، وكذلك عن الأشخاص الذين يرتكبون الجرائم التى تؤدى إلى تخريب المصانع ، وتعطيل الانتاج ، وشل الحركة الاقتصادية .
أما كيفية التصرف مع هؤلاء المذنبين فأمره متروك لتقدير رجال البوليس الذين لم يقيموا إلا حدا واهيا يفصل بين تعمد إحداث الفوضى الاقتصادية وبين الاهمال البسيط ، ولذلك كان رجال الجستابو إذا وقعت حادثة ما فى أحد المصانع ، واعتقدوا بأن سببها لا يرجع إلى إهمال فى تنفيذ قواعد الأمن العادية ، بل إلى تعمد إعاقة الجهود القومية ، فان مثل هذا الاعتقاد كان يحمل رجال البوليس على اتخاذ أشد الاجراآت ضد مرتكب الخطأ ، ونفوسهم راضية مطمئنة ، ولا يجرؤ أحد على أن يجابههم بضرورة إجراء تحقيق دقيق ، أو أن يصر على فحص الأدلة على هدوء نية المتهم ، أو أن يطالبهم بالأخذ بمبادئ العدالة التى تقضى بسماع دفاع المتهم عن نفسه .
وعلى الرغم من أن للمحاكم العادية أن تقضى بعقوبة
الذين يخالفون قواعد توزيع الأطعمة وغيرها ، فان البوليس السرى كان يحاكم المخالفين بنفسه إذا تراءى له ذلك . وكثيرا ما سمعنا وقرأنا فى الصحف أن الجستابو قد أرسل إلى معسكرات الاعتقال بعض رجال الأعمال الذين ارتكبوا مثل تلك المخالفات ، وكذلك بعض مدرسى المدارس وأساتذة الجامعات الذين تفوهوا فى أثناء دروسهم بعبارات لم ترق فى نظر البوليس ، ولم يرتح لصدورها منهم .
وعلاوة على ذلك فان للبوليس السرى أن يقبض على الأشخاص ، لا لمظنة ارتكاب أى ذنب ، وإنما لاعتقاده بأنه قد تكون لديهم معلومات قيمة تعينه على أداء مهمته ، وهو يستعمل هذا الحق دائما ، فاذا اشتبه مثلا و أن عمالا معينين فى أحد المصانع يقومون بحركة من شأنها الاخلال بالنظام والخروج على قواعده ، فان البوليس لا يتردد فى القبض على زملائهم ، لعله يستطيع أن ينتزع منهم بالرضى أو بالاكراه معلومات عن زعماء تلك الحركة . بل إنه حدث مرة أن محاكمة أحد المتهمين لم تكن تسير كما يشتهى البوليس . فلم يتردد فى أن يقبض على محامى المتهم ، على أمل أن ينتزع منه - بشئ من التهديد أو الارهاب - أدلة كافية ضد موكله تؤدى إلى الحكم عليه .
وإذا تذكرنا أن هذه الأمثلة إن هى إلا حوادث فردية صغيرة تافهة ، وأن التقارير عن نشاط البوليس السرى وأعماله المهمة بحق فلما تتسرب إلى الصحف ، وأن ذلك النشاط تقوم به قوة يبلغ عدد أفرادها عدة مئات من الآلاف ، يعاونها جيش جرار من المخبرين المنتشرين فى العمارات والمعامل والورش والمصانع والمدارس الخ - إذا تذكرنا ذلك كله اتضح لنا اتساع مدى نشاط هذه الهيئة ، والأثر العظيم الذى لا بد أن يكون لها فى الحياة اليومية للأمة الألمانية ، فالبوليس هناك تهديد مستمر ، وسيف مسلول على الدوام فوق الرءوس ، لا يحس بشدة
وطأته على حقيقتها إلا الذين عاشوا فى ألمانيا النازية ؛ فالشعور الذى يتولد عند سكان تلك البلاد هو الفزع والخوف والذعر الشديد المستمر من الجاسوسية التى تعمها كيف يؤدى رجال الجستابو وظيفتهم ؟
وإذ كانت أعمال البوليس السرى لا تقبل النقض بواسطة المحاكم ، فان لهذا البوليس تمام الحرية فى اختيار أساليبه فى العمل ، وله سلطة واسعة فى الاجراآت ، مثل إصدار الأوامر إلى أقسام البوليس الأخرى ، وتفتيش المساكن ، ونفى الناس من بعض المناطق ، ومصادرة الرخص أو إلغائها الخ . والواقع أن للبوليس السرى أيضا أن يحكم بالعقوبة الكبرى ( عقوبة الاعدام ) وإن كان حكام ألمانيا قد تحاشوا النص على هذه العقوبة فى النشرات والقوانين التى يصدرونها ، لكن حوادث الاعدام معروفة بالفعل ، لا داخل معسكرات الاعتقال وحدها ، بل خارجها أيضا ، وهذا أمر طبيعى ما دامت أوامر هملر ورجاله تمضى بلا منازع .
وللجستابو أنواع ثلاثة من الإجراآت ، وهى : التحذير والحجز الاحتياطى والزج فى معسكرات الاعتقال .
أما التحذيرات فتصدر بكثرة ، فيستدعى الشخص المراد تحذيره إلى أقرب مكتب من مكاتب البوليس السرى ، ويفهم أن بعض نواحى حياته قد تكشفت للبوليس ولم ترقه ، وأن تكرار ظهورها سيكون له أسوأ النتائج وأخطرها ؛ كما يحدث أحيانا عند محاكمة أحد المتهمين أن يستدعى محامى الدفاع عنه ، ويفهم أن بعض العبارات التى ذكرت فى المحكمة دفاعا عن موكله سببت امتعاضا ، وأن الاصرار على عدم مراعاة هذا التحذير قد يؤدى به إلى معسكر الاعتقال .
وأما الحجز الاحتياطى فقد كان فى الأصل معناه أنه على الرغم من أن الشخص المقبوض عليه لم يرتكب إثما إلا أن سلوكه قد آثار عامة الشعب ضده بحيث لم يكن فى استطاعة البوليس حمايته إلا بحجزه فى البوليس لكن
هذه القاعدة لم نراع بعد إنشاء الحكومة النازية لأن هذه الوسيلة من القبض على المذنبين كانت وسيلة مريحة للبوليس تمكنه من مضايقة المعارضين للنظام النازى ، ولذا لقيت ارتياحا من رؤسائه وتأييدا ، وأسبغ على الحجز الاحتياطى معنى جديد ، وهو أن هذا القبض على الأشخاص لا يحدث على سبيل حمايتهم هم ، وإنما يقصد حماية الدولة من أضرار نشاطهم السياسى ، وقد تعلم رجال الحكومة أيام أن كانوا لا يزالون يجاهدون ضد الجمهورية الويمريه أساليب الفرار من الوقوع تحت طائلة العقاب والاستخفاف بالحكومة ، بل وأساليب مضايقتها ، ووضع رجالها فى أخطر المراكز . وقد استخدموا تجاربهم هذه فى الحيلولة بين استخدام أى إنسان لتلك الأساليب التى كانوا يمرحون فيها هم أنفسهم فيما مضى ، ولذا فهى تلقى فى أيامهم الآن من البوليس كل شدة وقمع .
أما الإجراء الثالث للبوليس السرى ، والذى يخشاه الألمان أشد خشية فهو معسكرات الاعتقال التى لا يعلم عددها على التحقيق ، وإن عرف أن أحدها مخصص للنساء وليس هنا مجال وصف الفظائع التى تجرى فى تلك الأماكن التى يصح تسميتها بمصائد الموت ، والتى تقع فيها حوادث من القسوة فوق ما يتصوره العقل ، وقد تضمن الكتاب الأبيض الانجليزى الذى أشرنا إليه فى المقال السابق كثيرا من تفاصيلها .
وأعظم هذه السجون الجستابية شهرة هو (( داركلمبيا )) فى برلين حيث يحجز الرجال والنساء فى غرف انفرادية ينتظرون المحاكمة بالطرق العادية أو بالطرق الخاصة ، تلك المحاكمة التى قد لا تحدث مطلقا . وهناك أفراد يرسلون إلى هذه الدار ليوزعوا فيها على معسكرات الاعتقال الأخرى والسعداء الذين يطلق سراحهم من هذه الدور عددهم قليل جدا .
وإرسال الشخص إلى معسكر الاعتقال يعتبر على الدوام تقريبا عقوبة سياسية تنزل بالفرد بغير محاكمة ،
وتنفذ عليه إلى أجل غير محدود . وبهذه الطريقة يعاقب الأفراد والجماعات عقوبات تأديبية أو على سبيل الاقتصاص ، كما حدث لآلاف من اليهود عقب قتل الدكتور فوم راث ، وإن كانت الشواهد الكثيرة تدل على أن تدبيرات تلك الاعتقالات قد اتخذت قبل ذلك بزمن طويل ، وأن مسألة القتل هذه قد اتخذت نكثة أو مثابة عذر ظاهرى فقط يستند عليه لتبرير تلك المظالم .
وعلاوة على ذلك فان البوليس السرى يعتقل فى تلك المعسكرات الأشخاص الذين يخشى منهم الضرر إذا ظلوا مطلقى السراح ، وهو يلجأ إلى هذا الاجراء عادة كمقدمة للحركات الكبيرة التى تزمع الحكومة القيام بها ، والتى لها أهمية سياسية .
وليس هناك علاج لهاتين الصورتين من الحد من الحرية الشخصية إلا عن طريق التظلم ، وهو ما لا ترضى عنه الحكومة ولا تشجعه بتاتا ؛ فقد حدث مثلا أن اعتقل الجستابو عقب مظاهرات تشيكوسلوفاكيا فى ١٥ نوفمبر سنة ١٩٣٩ مقدار ١٢٠٠ شخص ، وعقب على إعلانه اعتقالهم ما يأتى : (( لقد تسلمت السلطات فى الأيام الأخيرة عدة استفهامات وشكايات ، وأنها تعلن أن مثل هذه الطلبات عديم الفائدة بتاتا ولن تجد لها مجيبا )) .
ويحدث أحيانا أن يقبض على الأشخاص ويزج بهم فى معسكرات الاعتقال عقب خروجهم من المحكمة بعد تبرئتها لهم مما وجه إليهم من تهم ، أو عقب خروجهم من السجون بعد قضاء المدة المحكوم عليهم بها إذا كانت هذه المدة فى نظر الجستابو أقل مما يجب ، وإن كانت الحوادث التى من النوع الأخير قليلة . وقد روى أن بعض المحامين عن المتهمين كان ينصح لهم بالاعتراف وإن كذبا حتى لا تبرئهم المحكمة فيقبض عليهم ثانية .
الجستابو والمحاكمة :
يلاحظ أن السلطات القضائية العادية تقوم بواجباتها جنبا إلى جنب مع سلطة الجستابو ، حتى إنها تنظر فى
بعض القضايا التى هى من صميم المخالفات النازية البحتة ، كجلب العار الجنسى والاستماع إلى الاذاعات الأجنبية والتلكؤ فى تأدية الواجبات القومية ، حيث كان ينتظر الحكم على مرتكبيها بالزج فورا فى معسكر الاعتقال . ومن المستحيل أن نستشف مبدأ متبعا فى إحالة القضايا على هذه السلطة أو تلك .
كذلك بوجد فى ألمانيا مجالس تأديبية عدة يحاكم أمامها أعضاء بعض الهيئات أو الاقطاعيات ؛ ومن ثم لا بد من أن يجول بالخاطر التساؤل عما يحدو بزعماء الربح الثالث لأن يلجأوا إلى ذلك الترف من المحاكمات والإجراآت القضائية العادية وتحت تصرفهم إجراآت أسهل منها لمحاكمة المخالفين ؟ لهذا السؤال عدة إجابات : أولها حكم العادة القوى ، وذلك لأن ألمانيا كانت قبل الحكم النازى تتمتع بإدارة قضائية بارعة النظام ما كان يجدى النازيين شيئا إلغاؤها أو تعطيلها ، ولذلك فضلوا بقاءها لتأدية وظيفتها مع تطعيمها بالتدريج بقضاة مشبعين بالروح النازية ، ووجدوا من الخير لهم أن تقوم المحاكم بالفصل فى القضايا الكثيرة العدد البعيدة عن السياسة ، وبالتالى عن دائرة نفوذ البوليس السرى واهتمامه ، وإن كانت عبارة (( البعيدة عن السياسة )) تحتاج إلى تعليق لأن المحيط السياسى يمتد نفوذه متغلغلا فى جميع مرافق ألمانيا النازية كما قدمنا ؛ ولكن الواقع أن زعماء النازبين قصدوا أن يتركوا لهذه المحاكم جميع القضايا العادية والسياسية التى يكون فيها الذنب أو المذنب تافها لا يستحق اهتمام الجستابو .
وهناك نوع آخر من القضايا الهامة الشهيرة التى تدخل بطبيعتها تحت كلا النوعين من المحاكمة آثر الجستابو أن يدع الفصل فيها للمحاكم العادية لأغراض خاصة ، منها تهيئة الأذهان لسياسة تنتوى الحكومة انتهاجها أو حملة تزمع القيام بها ، فتكون المحاكمة وسيلة للتأثير فى الرأى العام وكسب تعضيده للحكومة فى سياستها أو حملتها ؛ ومثال ذلك مقاومة الحكومة الألمانية للشيوعيين ، وحملتها
على الكنيسة ورجالها وإثارة شعور الجمهور ضد بريطانيا .
ثم إن هذه المحاكمات العلنية تعتبر فى ذاتها مظاهرات يتجلى فيها للشعب سلطان الحكومة النازية وتوقع الرعب فى نفوس مشاهديها من الألمان والأجانب على السواء على أن بعض هذه المحاكمات قد دلت على أن الجستابو لا يحقق أغراضه على الدوام ولا يفوز بما يشتهيه من أحكام ، على الرغم مما يبذله من جهود فى سبيل التأثير على المحكمة ، لكن هناك حدودا لا يتعداها القضاة فى بعض الأحيان ، وفى مثل هذه الحالات لا يتحرج الجستابو من التدخل مرة ثانية ، وإعادة القبض على الأشخاص بعد تبرئة المحكمة لهم .
وهناك حالات أخري لا عداد لها فيها يقبض البوليس السرى على أناس لمجرد الشبهات ، وهو يعلم أنه إذا قدمهم إلى أشد القضاة تحمسا للنازية فلن يدينهم ، هذا إلى أن الخصوم السياسيين الحقيقيين للنازية على جانب عظيم من الصلابة وقوة الشخصية ، وكثيرا ما يكونون من التحمس لمبادئهم والتعصب لها بحيث لا ينفع وعيد ولا تهديد فى حملهم على الاعتراف بخطيئاتهم ، ففى مثل هذه الحالات بفضل رجال البوليس السرى أن يبتعدوا عن المحاكم العادية ، وأن يتولوا بأنفسهم إصدار الأحكام على خصومهم هؤلاء .
ويقول الدكتور بست فى هذا الصدد ، وهو من الرجال الذين وصلوا إلى أعلى المراكز ولهم كعب عال فى تنظيمات البوليس السرى - يقول : إن قانون الجنايات العادى غير صالح لكبح جماح التعصب وإحباط المؤامرات السرية التى لا تفتأ أعداء النازية يدبرونها ؛ ذلك لأن القواعد القانونية تبصر من يريدون ارتكاب مثل هذه الجرائم بالأساليب التى تمكنهم من تحاشى الوقوع تحت طائلة القانون ، كما تبصرهم بما يبيحه القانون من إجراآت ، وبما يمنحهم من حريات ، وهذه الحريات ينبغى ألا يمكن عدو الدولة من أن يظفر بها . فالجستابو
إذا لا يحتمل أن تعترض سيره المباحثات القانونية . إنه يسبغ على نفسه صفة الجيش ، والجيش لا يطيق أن تعترضه قواعد قانونية فيما يتخذه من أساليب وما يضعه من خطط لكسب الموقعة .
وأخيرا هناك سبب وجيه آخر لالتجاء البوليس السرى إلى محاكمة بعض المخالفين من وراء الأبواب المقفلة والسجون الموصدة ، وفى غياهب المعسكرات والمعتقلات ؛ ذلك أنه كما يقول شقيدر : إذا تصادم البوليس مع المعارضة ، ولا سيما ما يتصل منها بتنظيمات دولية ، فان إجراآته فى محاربتها تكون أحق بالثناء وأجدر بالتقدير ، كلما استطاع أن يخفيها عن الجمهور ، حتى لا يحس بهذا العراك القوى ، وينصرف إلى أعماله هادئا ، دون أن يشعر أن حكومته مهددة بمعارضة قوية . ومن ثم كان من الحكمة فى نظرهم أن يظل عدد المذنبين أو المشتبه فيهم الذين تتسرب أسماؤهم إلى الجمهور محدودا بقدر الامكان .
أعمال الجستابو خارج ألمانيا :
إن الدور الذى يلعبه الجستابو فى تزكية سياسة دولته والدعوة لها وإذاعتها ، يزداد وضوحا بنوع خاص فى نشاطه خارج ألمانيا . ولعل الحصول على أدلة تبرز آثار مجهوده فى هذه الناحية أصعب منه فى أية ناحية أخرى من نواحى نشاط الجستابو المتشعبة . وتنزع بعض الصحف غير الألمانية إلى وصف كل نازى خارج ألمانيا يسعى جهده للدعاية لها بأنه من رجال الجستابو ، لكن معظم الدلائل تشير إلى أن خطة ألمانيا خارجها تقضى - كما هى خطتها داخلها - بالفصل التام بين أعمال البوليس السرى السياسى وبين أعمال الدعاية المادية للمصالح النازية ولإذاعة تعاليمها . ثم إنه على الرغم من تعاون رجال الجستابو مع المخبرين البحريين والحربيين ، فمما لا شك فيه أن أعمال البوليس السرى خارج الحدود الألمانية أوسع مدى أعمق غورا من أعمال أولئك المخبرين .
ففى الخارج يكون البوليس السرى بمثابة الأداة للسياسة الألمانية الخارجية ، وبهذه الصفة يبدو أن عليه واجبين سياسيين : هما جمع المعلومات ، وإثارة الفتن ؛ ففيما يتعلق بالواجب الأول بجمع الجستابو كل ما يستطيع جمعه مما يختص بجميع النواحى التى قد تهم الحكومة الألمانية معرفتها عن تقرير خطتها السياسية فى ميدان الشئون الخارجية ، ومثال ذلك المسائل المتصلة بالسياسة المالية العليا ودوائر الأعمال الكبرى فى الدول الأخرى ، وصلة دوائر الأعمال بالسياسة ، والعلاقات بين الأجناس المختلفة فى كل مملكة ، سواء أكانت هذه العلاقات دولية أم اقتصادية ، وكذلك التعليم ؛ وبالجملة لا تكاد توجد ناحية من النواحى لا يهتم بها رجال البوليس السرى الألمانى فى الخارج ، كما أن عليهم أن يكونوا بمثابة الظل لدعاة الألمان المقيمين فى الخارج للتأكد من أن جواسيس النازى لا يساومون .
وأخيرا يدخل فى نطاق واجبات البوليس السرى الألمانى إعداد قوائم سوداء بأسماء الرجال البارزين المناهضين للنازية من أبناء البلاد الخارجية ، لاتخاذ الاجراآت ضدهم إذا سنحت الفرصة . ولا تقتصر إثارة الفتن على الدعاية السياسية العادية ، وإنما تشمل تنظيم مراكز المعارضة ضد الحكومات ، وهى المراكز المعروفة الآن بالطابور الخامس ، وتستغل الحصانة السياسية غالبا لإخفاء مجهودات الجستابو فى هذا الميدان ، ولمعاونته على أداء مهمته .
ولا يستطيع البوليس السرى الألمانى بطبيعة الحال أن يتخذ خارج المانيا إجراآت تعسفية بصفة رسمية ، وإنما يلجأ إلى الرشوة والارهاب والوعود للتأثير فى أعمال المصالح الحكومية فى البلاد التى يعمل فيها ، وفى إحداث ضغط اقتصادى على بعض الشركات أو رجال الأعمال . وقد حدث أكثر من مرة أن استدرج هؤلاء الدعاة الألمانيون بعض الأشخاص إلى بلاد ألمانية ليستطيعوا محاسبتهم الحساب العسير المطلوب .
وقد أماطت الحوادث الأخيرة اللثام عن أعمال البوليس السرى الألمانى فى البلاد الخارجية ، فقد سمعنا كيف دخلت القوات الألمانية المسلحة إلى الدنمرك والنرويج وشقت طريقها بسهولة فى مدن المملكتين ، كما سمعنا عن قائد ألمانى أسر فى هولندا فى مبدأ الحرب ، ووجدت فى حيازته قائمة بأسماء الأشخاص الذين يتحتم إعدامهم بمجرد استيلائه على بعض المناطق ، وكل هذا من استعدادات البوليس السرى الألمانى . هذا إلى أنه بمجرد استيلاء القوى الألمانية المسلحة على بلد من البلاد ، فان الجستابو يتبع هذه القوى لينفذ فى هذا البلد أوامر الريخ وقوانينه .
ولكي يسبغ الريخ الثالث على أعماله وتصرفاته مسحة من القانونية والاحترام أصدر أخيرا قانونا يقضى بتطبيق قانون العقوبات الألمانى على المذنبين من الألمان وغيرهم على السواء خارج ألمانيا ، ويدخل فى قائمة الذنوب المقصودة فى هذا القانون سلسلة طويلة تندرج من الخيانة العظمى ضد الريح إلى التفوه بعبارات التجريح أو التحريض ضد الشخصيات البارزة فى الحكومة الألمانية أو فى الحزب النازى . وبهذه الوسيلة يغتصب الريخ حق التشريع والمقاضاة من البلاد الأجنبية ، ويمد البوليس السرى وأعوانه بسلطة تنفيذية عليها مسحة قانونية ، ويزيد فى هيبة الريخ وسلطانه .
الخلاصة :
من كل ما سبق يتضح أن الجستابو ليس مجرد إدارة لتنظيم أعمال المخبرين السريين تسرى عليها قوانين البلاد ، وليست لها سلطة تنفيذية ، وإنما هو نظام محكم للبوليس السرى الألمانى ، يتمتع بحصانة تامة ومناعة مطلقة ، تحمى كل أعماله وتصرفاته من أية مؤاخذة أو نقد . كما يتمتع بقسط عظيم من الاشراف على المصالح الادارية ومراقبتها . حتى لتكاد علاقته بها تصير علاقة رياسة ، وهو مستقل عن كل رقابة تشريعية ، يباشر سلطته الواسعة بما يكتسبه
من قوة عن طريق كثرة عدده ، وتغلغله فى كل مكان ، ووجود جيش لا عداد له من المخبرين تحت تصرفه .
ويجب أن نذكر فى آخر الأمر أن جميع أفراد هذه القوة أى رجال الجستابو قد اشبعوا روح الحزب النازى ، وكذلك صفوة رجاله الذين تتألف منهم تشكيلاته القوية (S. .S) ، ويعتبرون حراس الأمة والدولة الألمانية ، والأمناء على سلامتها ، وليسوا رجال بوليس عادى يعمل لتنفيذ القانون وتوطيد النظام ، وإنما هم باعتراف الجميع جنود شديدو التعصب لسياسة النازبين ، يدافعون بكل قوتهم عن النازية الحزبية ، ويذودون عن حياضها داخل حدود وطنهم وفى جميع أنحاء العالم .

