دع الحرص على الدنيا وفى العيش فلا تطمع
وما نجمع من مال فلا ندرى لمن نجمع
فقير كله حرص غنى كل من يقنع
تفد علينا من " روسيا " قصة مزارع مرابع كان مهوى فؤاده اقتناء الأراضي الأريضة ، والمساحات العريضة ، وكلما اقتنى منها شيئا امتدت عينه إلى المزيد ، واشتدت رغبته فى استزادته ، وسمع ذات يوم من تاجر جوال عن بلاد نائية يستطيع أن يحصل فيها على ما يريده من الأراضى بثمن بخس زهيد . فاستفسر عن طريق الوصول إلى أقطاب تلك البلاد وزعمائها الذين كانوا يتساهلون في توزيع الأرض الطبية التي اشتهر بها إقليمهم . وغادر بلده في الحال وحمل معه كثيراً من الهدايا ابتغاء مرضاتهم واكتساب مودتهم ؛ وما إن وصل حتى استطاره الفرح بمعاينة تلك التربة الخصبة العذراء الغنية .
وبادر إلى تقديم هداياه للزعيم ولعشيرته وكانوا من أهل السذاجة والسريرة الطيبة والدماثة الزخارة ، وأبدى له الزعيم استعداده لأن يمنحه أكرم ما يتمناه عليه من المطالب . فقال الرجل " إن تربة أرضكم خير ما يرضينى ، أما الإقليم الذى نشأت فيه فقد اكتظ بساكنيه اكتظاظاً ذريعاً استهلك حيوية التربة السوداء وانتزع منها القدرة على العطاء " .
وهجس فى نفسه قائلاً : كيف أستطيع أن أنال ما أريده من أراضى هذه البلاد ؟ كيف أتمكن من حيازته فلا ينازعنى في حقه منازع . ثم قال بصوت عال : " إن لديكم مساحات واسعة من الأراضى الزراعية وأريد أن أجتزىء باقتناء
القليل منها ، ولكنى أريد أن أضمن حيازة هذا القليل وأتبين حدوده لنفسى لأتصرف فيه تصرف المالك فى ملكه ، فهل في إمكانك أن تسلمنى حجة هذه الملكية ؟ " فقال الزعيم : " تعمى عين ياصديقى ، قريباً دعوت ، وسمعياً مجيباً ناديت ، فعندنا في بلدنا ذلك المسجل المختص الذى يستطيع أن يزودك بالوثيقة القانونية المبصومة بالتوقيع الرسمى اللازم " فسأله عن قيمة ثمن الأرض ، فأجابه الرئيس : " إنه يبلغ ألف روبل في اليوم الواحد " . فسأله المزارع قائلا : " في اليوم الواحد ؟ ماذا تعنى ؟ وما عدد الأفدنة التي يستوعبها هذا اليوم ؟ ! " فقال الرئيس : " إننا نحسب عددها بمقدار المساحة التى تستطيع أن تلف حولها ماشياً على قدميك فى اليوم الواحد ، ولكن لنا شرطاً فريداً ، وهو أن تعود إلى النقطة التي بدأت منها في اليوم بعينه ، وإلا ضاعت عليك نقودك وقرر الرئيس وزعماؤه أن يبكروا في الصباح التالى ليعملوا علي تحديد مساحة الأرض التي يزرعها ذلك المزارع المرابع ، الذى لم يعرف للنوم طعماً في تلك الليلة المشهودة ، لإمعانه فى تقدير جميع الأطيان التى ستكون له في الغد ولانهماكه فى وضع المشروعات الخاصة بتخطيطها وفلاحتها وحرثها وغرسها . واستغرق فى النوم عند الفجر ، وحلم أن الشيطان كان جالسا خارج الخيمة التى احتوته وأن الشيطان كان يضحك منه وأنه قضى نحبه ، فانزعج وهب من نومه مذعورا ، وعول على البدء برحلته حالما ينبثق النهار ، وانطلق من خيمته أخيرا وانهمك فى المشى في ثبات ومثابرة ونهم إلى ساعة متأخرة بعد الظهر ، ثم التفت نحو الراية التى أجتمع حولها أقطاب العشيرة وكان لا يزال على بعد عشرة أميال من محطه المروم ، وقد أخذ الكلال منه كل مأخذ ، إلا أنه تابع سيره في جهد عظيم ، ولكن قدميه أصيبتا بالجروح ونزفت منهما الدماء الغزيرة واشتدت حاجته إلى الراحة ، ولكنه لا يجد سبيله إليها الآن ، إذ كان لزاما عليه أن يعود قبل غروب الشمس إلى النقطة التي انطلق منها ، فأسرع فى سيره وبدأ يشعر أنه قد أفرط في محاولته ، وشافهت الشمس الغروب وكان لا يزال بعيداً عن الراية ، فأخذ يعدو عدوا سريعا خاطفا وينبذ كل ما يمكن أن يعوق تقدمه ، وحين اقترب من الراية استطاع أن يتبين الرجال الذين كانوا يلوحون له بأيديهم ليستحثوه على الإسراع قبل
فوات الوقت ، واشتد عدوه ، وبرغم الجهد العظيم الذى نال من قواه لم يستطع التوقف لحظة وفت في عضده وقال وهو يجهش : " لن أدرك تلك البقعة وسأفقد حياتي في هذه اللحظة " وذكر حلمه الرهيب في مرارة وكربة ، واستجمع قوته كلها ليستأنف مجهوده الأخير ، وانطلق كالسهم ووصل إلى الراية وإلى الزعيم ورجاله ، فما إن لامسهم حتى وقع ميتاً عند أقدامهم ، وهناك حفروا له قبراً ، وهناك استحوذ على قطعة الأرض الوحيدة التى كانت تلزمه - قطعة الأرض التى لم تزد مساحتها على بضع أقدام ، تبتدىء من مسقط رأسه وتنتهى عند أخمص قدميه ! !
إيه - ما أكثر ما تسجله الحوادث من أمثلة أهل الطمع ونتائجه الوخيمة ؛ ولقد كان الطمع وسيظل سبب دمار الناس مذ أحرز الشيطان السيادة على هذا العالم .
ولكن الطمع بل الجشع في مقدمة القوة المسيطرة على المسكونة اليوم ؛ ولذا يلزمنا أن نلتفت ونتبه إلى ما نختاره لذواتنا " وماذا يفيد الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه ؟ " . إن الإنسان الطماع الذي تشره نفسه إلى متعة الدنيا ونعيمها لا بد أن يندرك إلي حضيض التطفل والإسفاف والخمول والدناءة ، ويكون موضع احتقار الناس وسخريتهم . وإن النفس لتشمئز وتنفر حين تذكر " أشعب " - ذلك الرجل الرخيص الذي ضرب به المثل في شدة الحرص والجشع ؛ وإنا لتذكر أنه كثيراً ما كان يقول : " لم أنظر إلى اثنين يتساران إلا ظننتهما يأمران لي ... بشئ . . . وما أدخل أحد يده فى كمه إلا ظننت أنه سيعطينى شيئا . " ؟!
وكان يتحلل من كرامته ورجولته وإنسانيته ، ويجنح عن حدود الأدب والورع ليصل إلى ما يريد من طعمة الدنيا وحطامها . وقد روى أن جارية جاءته بدينار فقالت : " هذا وديعتى عندك " فجعله بين طيات فراشه ، ثم جاءته بعد أيام فقالت : " بأبى أنت وأمى يا أشعب ، هات الدينار " فقال لها : " ارفعى الفراش وخذى ولده فإنه قد ... أنجب درهماً !" فأخذته ، وعادت إليه بعد أيام ، فوجدت في يده درهما آخر فأخذته ، ثم عادت مرة ثالثة فلما رآها بكى فقالت : " ما سر بكائك يا أشعب ؟ " فأجاب : " لقد مات دينارك في النفاس " فقالت : " وكيف يكون للدينار نفاس ؟ " فقال لها : " أتصدقين بالولادة ولا تصدقين بالنفاس ؟ !"
ألا رحم الله شاعرنا المجيد الحكيم شوقى حين قال : " حظ النفس من الحرص ، حظ المقاتل من السلاح ، إذا زاد عن حاجته اغتيل وناء بما حمل ، وإذا قصر تقهقر وأنخذل " . وقال لسان الدين بن الخطيب : " ما درجت أفراخ ذل إلا من وكر طماعة ، ولا بسقت فروع ندم إلا من جرثومة إضاعة " - ومن أمثال الترك : " متى دخل قلب الإنسان التعبد للمال خرج منه الدين والإيمان وحرمة الضمير" وصدق الشاعر الذى قال :
إن القناعة من يحلل بساحتها
لم يلق في ظلها هما يؤرقه
ولله در من تغنى قائلا :
هى القناعة فالزمها تعش ملكا
لو لم يكن لك إلا راحة البدن
فإن من ملك الدنيا بأجمعها
هل راح منها بغير القطن والكفن

