الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 690الرجوع إلى "الثقافة"

الجشع

Share

دع الحرص على الدنيا وفى العيش فلا تطمع

وما نجمع من مال فلا ندرى لمن نجمع

فقير كله حرص غنى كل من يقنع

تفد علينا من " روسيا "  قصة مزارع مرابع كان مهوى فؤاده اقتناء الأراضي الأريضة ، والمساحات العريضة ، وكلما اقتنى منها شيئا امتدت عينه إلى المزيد ، واشتدت رغبته فى استزادته ، وسمع ذات يوم من تاجر جوال عن بلاد نائية يستطيع أن يحصل فيها على ما يريده من الأراضى بثمن بخس زهيد . فاستفسر عن طريق الوصول إلى أقطاب تلك البلاد وزعمائها الذين كانوا يتساهلون في توزيع الأرض الطبية التي اشتهر بها إقليمهم . وغادر بلده في الحال وحمل معه كثيراً من الهدايا ابتغاء مرضاتهم واكتساب مودتهم ؛ وما إن وصل حتى استطاره الفرح بمعاينة تلك التربة الخصبة العذراء الغنية .

وبادر إلى تقديم هداياه للزعيم ولعشيرته وكانوا من أهل السذاجة والسريرة الطيبة والدماثة الزخارة ، وأبدى له الزعيم استعداده لأن يمنحه أكرم ما يتمناه عليه من المطالب . فقال الرجل " إن تربة أرضكم خير ما يرضينى ، أما الإقليم الذى نشأت فيه فقد اكتظ بساكنيه اكتظاظاً ذريعاً استهلك حيوية التربة السوداء وانتزع منها القدرة على العطاء " .

وهجس فى نفسه قائلاً : كيف أستطيع أن أنال ما أريده من أراضى هذه البلاد ؟ كيف أتمكن من حيازته فلا ينازعنى في حقه منازع . ثم قال بصوت عال : " إن لديكم مساحات واسعة من الأراضى الزراعية وأريد أن أجتزىء باقتناء

القليل منها ، ولكنى أريد أن أضمن حيازة هذا القليل وأتبين حدوده لنفسى لأتصرف فيه تصرف المالك فى ملكه ، فهل في إمكانك أن تسلمنى حجة هذه الملكية ؟ " فقال الزعيم : " تعمى عين ياصديقى ، قريباً دعوت ، وسمعياً مجيباً ناديت ، فعندنا في بلدنا ذلك المسجل المختص الذى يستطيع أن يزودك بالوثيقة القانونية المبصومة بالتوقيع الرسمى اللازم " فسأله عن قيمة ثمن الأرض ، فأجابه الرئيس : " إنه يبلغ ألف روبل في اليوم الواحد " . فسأله المزارع قائلا : " في اليوم الواحد ؟ ماذا تعنى ؟ وما عدد الأفدنة التي يستوعبها هذا اليوم ؟ ! " فقال الرئيس : " إننا نحسب عددها بمقدار المساحة التى تستطيع أن تلف حولها ماشياً على قدميك فى اليوم الواحد ، ولكن لنا شرطاً فريداً ، وهو أن تعود إلى النقطة التي بدأت منها في اليوم بعينه ، وإلا ضاعت عليك نقودك وقرر الرئيس وزعماؤه أن يبكروا في الصباح التالى ليعملوا علي تحديد مساحة الأرض التي يزرعها ذلك المزارع المرابع ، الذى لم يعرف للنوم طعماً في تلك الليلة المشهودة ، لإمعانه فى تقدير جميع الأطيان التى ستكون له في الغد ولانهماكه فى وضع المشروعات الخاصة بتخطيطها وفلاحتها وحرثها وغرسها . واستغرق فى النوم عند الفجر ، وحلم أن الشيطان كان جالسا خارج الخيمة التى احتوته وأن الشيطان كان يضحك منه وأنه قضى نحبه ، فانزعج وهب من نومه مذعورا ، وعول على البدء برحلته حالما ينبثق النهار ، وانطلق من خيمته أخيرا وانهمك فى المشى في ثبات ومثابرة ونهم إلى ساعة متأخرة بعد الظهر ، ثم التفت نحو الراية التى أجتمع حولها أقطاب العشيرة وكان لا يزال على بعد عشرة أميال من محطه المروم ، وقد أخذ الكلال منه كل مأخذ ، إلا أنه تابع سيره في جهد عظيم ، ولكن قدميه أصيبتا بالجروح ونزفت منهما الدماء الغزيرة واشتدت حاجته إلى الراحة ، ولكنه لا يجد سبيله إليها الآن ، إذ كان لزاما عليه أن يعود قبل غروب الشمس إلى النقطة التي انطلق منها ، فأسرع فى سيره وبدأ يشعر أنه قد أفرط في محاولته ، وشافهت الشمس الغروب وكان لا يزال بعيداً عن الراية ، فأخذ يعدو عدوا سريعا خاطفا وينبذ كل ما يمكن أن يعوق تقدمه ، وحين اقترب من الراية استطاع أن يتبين الرجال الذين كانوا يلوحون له بأيديهم ليستحثوه على الإسراع قبل

فوات الوقت ، واشتد عدوه ، وبرغم الجهد العظيم الذى نال من قواه لم يستطع التوقف لحظة وفت في عضده وقال وهو يجهش : " لن أدرك تلك البقعة وسأفقد حياتي في هذه اللحظة " وذكر حلمه الرهيب في مرارة وكربة ، واستجمع قوته كلها ليستأنف مجهوده الأخير ، وانطلق كالسهم ووصل إلى الراية وإلى الزعيم ورجاله ، فما إن لامسهم حتى وقع ميتاً عند أقدامهم ، وهناك حفروا له قبراً ، وهناك استحوذ على قطعة الأرض الوحيدة التى كانت تلزمه - قطعة الأرض التى لم تزد مساحتها على بضع أقدام ، تبتدىء من مسقط رأسه وتنتهى عند أخمص قدميه ! !

إيه - ما أكثر ما تسجله الحوادث من أمثلة أهل الطمع ونتائجه الوخيمة ؛ ولقد كان الطمع وسيظل سبب دمار الناس مذ أحرز الشيطان السيادة على هذا العالم .

ولكن الطمع بل الجشع في مقدمة القوة المسيطرة على المسكونة اليوم ؛ ولذا يلزمنا أن نلتفت ونتبه إلى ما نختاره لذواتنا " وماذا يفيد الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه ؟ " . إن الإنسان الطماع الذي تشره نفسه إلى متعة الدنيا ونعيمها لا بد أن يندرك إلي حضيض التطفل والإسفاف والخمول والدناءة ، ويكون موضع احتقار الناس وسخريتهم . وإن النفس لتشمئز وتنفر حين تذكر " أشعب " - ذلك الرجل الرخيص الذي ضرب به المثل في شدة الحرص والجشع ؛ وإنا لتذكر أنه كثيراً ما كان يقول : " لم أنظر إلى اثنين يتساران إلا ظننتهما يأمران لي ... بشئ . . . وما أدخل أحد يده فى كمه إلا ظننت أنه سيعطينى شيئا . " ؟!

وكان يتحلل من كرامته ورجولته وإنسانيته ، ويجنح عن حدود الأدب والورع ليصل إلى ما يريد من طعمة الدنيا وحطامها . وقد روى أن جارية جاءته بدينار فقالت : " هذا وديعتى عندك " فجعله بين طيات فراشه ، ثم جاءته بعد أيام فقالت : " بأبى أنت وأمى يا أشعب ، هات الدينار " فقال لها : " ارفعى الفراش وخذى ولده فإنه قد ... أنجب درهماً !" فأخذته ، وعادت إليه بعد أيام ، فوجدت في يده درهما آخر فأخذته ، ثم عادت مرة ثالثة فلما رآها بكى فقالت : " ما سر بكائك يا أشعب ؟ " فأجاب : " لقد مات دينارك في النفاس " فقالت : " وكيف يكون للدينار نفاس ؟ " فقال لها : " أتصدقين بالولادة ولا تصدقين بالنفاس ؟ !"

ألا رحم الله شاعرنا المجيد الحكيم شوقى حين قال : " حظ النفس من الحرص ، حظ المقاتل من السلاح ، إذا زاد عن حاجته اغتيل وناء بما حمل ، وإذا قصر تقهقر وأنخذل " . وقال لسان الدين بن الخطيب : " ما درجت أفراخ ذل إلا من وكر طماعة ، ولا بسقت فروع ندم إلا من جرثومة إضاعة " -­ ومن أمثال الترك : " متى دخل قلب الإنسان التعبد للمال خرج منه الدين والإيمان وحرمة الضمير" وصدق الشاعر الذى قال :

إن القناعة من يحلل بساحتها

          لم يلق في ظلها هما يؤرقه

ولله در من تغنى قائلا :

هى القناعة فالزمها تعش ملكا

            لو لم يكن لك إلا راحة البدن

فإن من ملك الدنيا بأجمعها

          هل راح منها بغير القطن والكفن

اشترك في نشرتنا البريدية