شغل الناس بحديث الجلاء منذ وقفت رحى الحرب ، وتطلعت الشعوب ذات الحقوق المهضومة إلى استخلاص تلك الحقوق ، تمشيا مع الوعود الخلابة التى ترددت أثناء الحرب ، وتحقيقا لميثاق الأطلنطى. وزاد شغل الناس بالجلاء أثناء المفاوضات ، فلم يكن حديث يسترعى الانتباه مثل حديثه.
ولكننى أريد أن أريح القاريئ من حديث الجلاء المعروف لأحدثه عن جلاء صغير لم يفكر أحد في المطالبة به ، أعلى أحدا من المسؤولين ، فلم تفتح بشأنه مفاوضة ، ولم تشكل للمفاوضة في شأنه هيئة.
قضت ضرورة الحرب وأهمية الشرق الأدنى كميدان من ميادين القتال وكقاعدة حربية جوية بحرية لغيره من الميادين ، بأن يكون للسلطات العسكرية فى القاهرة مكاتب ، وقضى التجاء حكومات كثيرة وقيادات كثيرة إلى مصر بأن يكون لتلك الحكومات وتلك القيادات في القاهرة مكاتب ، فاستأجرت تلك السلطات كل ما كان خاليا من مساكن وكل ما استطاعوا إغراء سكانه بإخلائه طمعا فيها كانت تلك السلطات تدفع من مال ( خلو رجل ) . ولكن المساكن الخالية والتى أخلاها أولئك الطامعون فى ( خلو الرجل ) لم تكن لتكفى لسد حاجة تلك القيادات المتعددة من بريطانية إلى بولندية إلى يوفسلافية إلى بونانية إلى فرنسية حرة إلى أميركية ، إلى غير ذلك مما يضيق المجال عن حصره ، ولم تر تلك القيادات ان تضرب الخيام فى الصحراء لتكون مراكز لتلك القيادات ومكاتبها ، فلجأت إلى الحاكم العسكرى المصرى وطلبت إليه أن يصدر الأوامر بإخلاء ما تريد تلك القيادات من عمارات كاملة ، فلم يرفض
لها الحكام العسكريون طلبا ، وصدرت الأوامر بالإخلاء ، فأخلى الماكن ساكنوها ليتكدسوا مع أقاربهم فى مسا كنهم أو ليستأجروا القليل النادر الذى بنى أيام الحرب بأجور باهظة - لأن المساكن التى بنيت أثناء الحرب لا يسري عليها قانون إيجار المساكن ولأصحابها الحرية فى فرض ما يردون من أجور .
هكذا بدأت أزمة المساكن وهكذا استفحلت ، حتى انهت الحرب ورحلت الجيوش المختلفة ، ورحلت كذلك الحكومات المؤقتة ولم يبق إلا القوات البريطانية .
وإلى أن تسوى مسألة الجلاء بالطرق الدبلوماسية - وهذا ليس موضوع هذا الحديث - سنستمر فشعر بأزمة المساكن . بسبب احتفاظ السلطات البريطانية بالأماكن التى قضت ثرورة الحرب بالاستيلاء عليها ؛ فلما انتهت الحرب وزالت الضرورة لم تجل عنها بل احتفظت بها.
ولم تحتفظ تلك السلطات بمكاتبها الخاصة ، بل كثيرا ما عمدت إلى الدور التى كانت تستأجرها بعض القيادات التى عادت إلى أوطانها فاحتلتها.
ولو أن السلطات العسكرية عند انتهاء الحرب وزوال الضرورة سارعت إلى اخلاء هذه المساكن كما سارعت إلى طرد أصحابها منها يحكم الضرورة لانفرجت أزمة المساكن ولو إلى حد ما ، وأشكرنا لهذه السلطات مراعاتها لحاجة الأهالى إلى المساكن.
ولكن المساكن لا تزال محتلة - عمارات بأسرها ، ومنها عمارات مقفلة لا يشغلها احد لأن الإدارات التى كانت فيها انتهى عملها وسرح أفرادها ، ويتبع ذلك أن الناس لا يزالون يثنون تحت ثقل الحاجة إلى المساكن ، ويئنون تحث تحكم أصحاب اللبانى الجديدة وثقل الأجور التى فرضوها على السكان ، ولا خيار لهم ، وليس أمامهم إلا قبول دفع تلك الأجور الباهظة يقتطمون الفرق الكبير
من ثمن القوت والملبس ، حتى لقد بلغ إيجار الشقة المؤلفة من ثلاث حجرات ضيقة فى ضاحية كمصر الجديدة عشرة جنيهات ، مع أن إيجار مثلها من قبل الحرب لا يزيد على جنيهين ونصف لو وجد لها ساكن يرضى بها .
لقد عملت الحكومة على تيسير استيراد الخشب والحديد تشجيعا لمن يستطيع البناء على البناء ، وذلك عملا على تخفيف حدة أزمة المساكن ، ولكن لو ان السلطات العسكرية تركت ما بيدها من عمارات لكان ذلك علاجا أسرع لهذه الأزمة .
بل لقد قال واحد ممن اضطروا لاستئجار مسكن بأربعة أضعاف إيجار مثله بأسعار قبل الحرب ، قال وهو يمزح : لم لم يصدر الحا كم العسكرى أمره حين وقفت الحرب بإخلاء المساكن التى استأجرتها السلطات العسكرية كما أصدر أمره من قبل بإخلائها من سكانها الأصليين ؟
والحق أننى أجد مزاحة جدا عابسا لا هزل فيه ! فضرورة إيجاد المساكن لإدارات الجيوش أرحت بإخلاء الدور لتلك الإدارات ولو شرد سكانها . ونحن الآن نواجه ضرورة توفير المساكن للناس ، والمساكن خالية ولكن السلطة العسكرية تحتفظ بها . فلماذا لم يبادر الحاكم العسكرى بالاستيلاء عليها بمجرد انتهاء الحرب ؟ !
وبعد فان آلاف المساكن التى لا تزال تحتفظ بها السلطات منذ الحرب خليفة بالاهتمام والتفكير بل والمطالبة بها ، فإذا كان تسليم القلعة قد أرضى كبرياءنا واشبع ناحية من نواحي الوطنية فينا ، فان تسليم هذه المساكن للمدنيين يسد حاجة ملحة إلى المساكن ، وهو في نفس الوقت لا يضر
السلطات العسكرية فى شئ ، فإذا كانت تخشى حرب فاننا نقسم بأن الحرب غير واقعة ، فان وقعت اخليناها من جديد إذا قدر الله ألا يتم الجلاء الكبير قبل نشوب الحرب القادمة ، وذلك لا تخسر السلطات شيئا.
ويجرنا الحديث عن هذه المساكن الخالية المشغولة إلى نقطة بعيدة عن أزمة المساكن تقربنا من رصيد الأسترلينى .
هذه المساكن ، وقد سمعت أن عددها خمس وعشرون ألف شقة !!مؤجرة بإيجارات مرتفعة إذا قدرنا للشقة فى المتوسط عشرة جنيهات بلغ إيجارها ربع مليون من الجنيهات شهريا تدفعها الحكومة البريطانية لأصحاب هذه المساكن بغير مبرر ولا ضرورة ونحن نعلم أن الحكومة البريطانية تعتنى بالقصد فى مصروفاتها حتى تسدد ديون الحرب ؛ فلم إذا هذا الإسراف ودفع مبلغ كبير كل شهر بغير حاجة ؟ !
والرد على هذا العجب هو أن هذا البلغ يدفع على طريقة الأرصدة الاسترلينية ، فهو ليس مالا يهم انجلترا أن تقتصد فيه ، لانه نقد سيضاف إلى دين أعلنت بريطانيا أنها لن تدفعه كاملا.
هذا هو الصرف الاحتفاظ بهذه المساكن فإنها محتفظة بها بغير أجر .
لعل هذه الكلمة تكون سببا فى إجراء مفاوضات خاصة بهذه المساكن . فما كان منها خاليا أخذ من السلطة ليكون عاملا فى تفرخ أزمة المساكن وخفض إيجاراتها . وعسى أن تنجح هذه المفاوضات وأن تنتهى برضاء بريطانيا بهذا الجلاء الصغير.

