بتردد ذكر " الجمال " في كل بحث فنى ، ويكون له نصيب كبير من الأهمية عند الاستدلال به للوصول إلي حكم نهائى في كثير من الموضوعات . وقد يكون من السهل أن نتعرف على مواطن الجمال الطبيعى وتقدير قيمته ومعاييره في بعض مظاهر الطبيعة ، فتجمع مثلا على جمال الوان الشمس عند الغروب ، ونتمكن من ان نفاضل بين درجات الوان الأزهار وقد نستسيغها كلها . كما يمكننا أن نصل إلي ما يشبه الإجماع في تفضيل اشكال بعض الطيور والحيوان علي البعض الآخر ، فالطاووس اجمل من الغراب ، والغزال أرشق من وحيد القرن وهكذا . ولكنا إذا تصدينا لجمال الجنس البشري ، فلا يمكننا أن نأمن الزلل ،
على ان جميع الشعوب والاجناس تتفق جملة على كنه الجمال ، ولكنها تختلف عند الحكم على تفاصيله . وأنت
ترى من الصور المعروضة هنا نظرة بعض الشعوب المختلفة لتفاصيل الجمال .
والجمال إما بصرى تدركه العينان ، أو صوتي تدركه الأذنان ، او ذوقى يدركه اللسان ، او غير ذلك يدركه بقية الحواس . والموسيقى تطربنا عن طريق آذاننا ، إذ لا يكون للعينين من عمل فيها إلا رؤية خطوط ورموز في نوتة الموسيقى ، يترجمها العازف إلي نغمات مختلفة ، وعند قراءئتنا لكتاب ما ، يتمتع العقل بجمال الأفكار دون أن يشعر القارئ بالملل من تتالي الصفحات والفقرات أثناء الاستغراق في القراءة ، ويمثل هذا التفسير نستطيع ان نوالى التفكير عند البحث في بقية نواحي الجمال الذي تدركه عن سبيل بقية الحواس والأعضاء .
والمفهوم ان الجمال سابق الوجود على الفنون ، فقد شرع
الإنسان في التعبير عن إدراكه لجمال اشكال الحيوان والطير والأزهار ، وما امدته به الطبيعة من الزخرف ، بالتخطيط على عظام الحيوان وعلي جوانب الكهوف ونحوها ، وبينما
لا تتغير الطبيعة في نوع الجمال الفطرى الذي تقدمه لنا ، فان الفنون تتمشى مع الانسان ، وتتغير بالزمن حسب آرائه ورغباته . ومن خصائص الفن الحديث أنه يعمل على خلق الجمال ، والبحث عنه في أماكن ومواضع لم يسبق
للانسان أن وجده فيها . وقد كانت دراسة الرسم حتى القرن الثامن عشر مقصورة على تصوير الأماكن المغطاة بالأزهار ، والأماكن الأثرية والقلاع والجوامع والكنائس
القديمة ، والصخور الشاهقة ، والغابات والبحار ، إذ كانت هذه الأماكن وقتداك هي وحدها التى تستحق أن تكون مواضيع للتصوير . وكان التصوير الشمسي في مستهل عهده بري هذا الرأي ايضا ، فكان علي من يرغب الحصول على صورة لشخصه ، ان يحرص على ان يتخذ جلسة
خاصة ، متكئا على اريكة ذات شكل معين ، وان يكون وراءه منظر مزهر مورق . وكان ترثر الفنان الانجلزي المشهور يخضع في تصويره لهذا العرف الذي كان سائدا
إذ ذاك في جمال التصوير . أما اليوم فقد تفتحت عيوننا لضروب اخري ، واصبحنا نستطيع رؤية الجمال في الشارع المزدحم بالمارة ، كما تراه في الأماكن الريفية الهادئة سواء بسواء ، لأننا نجد في كليهما جمالا في الأشكال والآلوان والتكوين والنظر العام .
وقد أخطأ اكثر الناس في تضييق دائرة الجمال ، بأن
حصروها فيما يستدعي " المحبة " أو " الاستلطاف " وبالأخص في الجاذبية نحو الجنس اللطيف ، فكانت هذه الرغبة في الناحية الجثمانية للجمال ، مانعة لبعض الناس من العمل على كشفه في النواحي الاخري ، التي يجاهد الفنانون المختلفون على إظهارها في منتجاتهم . فكان شاردا الفرنسي وغيره من الفنانين الأقدمين ، وميزان من الفنانين المصريين ويكتفون بالطبيعة الصامتة ، وكان كورو يرى الجمال في ضوء الفجر او الغروب ، فلم تبهره درجات ضوء الشمس الوهاجة ، فاكتفى منها بمقدمها اللؤلؤي في مطلع النهار ، وببقاياها الرمادية في نهايته ، وما كان يراه على بصيصها من الألوان الداكنة فى الخضرة والعشب والحشائش . كما أن المصورين التأثرين كانوا يرسمون عدة صور للمنظر الواحد في ساعات مختلفة من النهار وفي فصول السنة المختلفة ،
لأنهم كانوا مغرمين بالضوء وأثره ، ويعشقون تصويره . فالجمال البصري موجود في كل مكان ، فإذا وعته أعيننا وكانت صفحة عقلنا يقظة لالتقاط المرئيات ، فاننا نجد في كل لحظة ما يستوجب إعجابنا بايات الجمال ، ذلك الإعجاب الذي هو نوع من العبادة . فان فشلنا في إدراك الجمال ، فاننا بذلك نفقد بمهجة الفنون ومتعة الحياة
وقد اعتبار الناس أن يفهموا عمال الفنان على أنه محصور في النقل عن الطبيعة ، وان الشكل المطابق للطبيعة الجيد المحاكاة لها ، سواء أكان صورة لإنسان أو لحيوان او لمنظر طبيعبي ، هو الجدير بالمدح والاعجاب ، كما اعتادوا الاعجاب بعازف الموسيقى عند ما كان يجيد محاكاة صوت دق الأجراس ، وصهيل الخيل ، ووقع الأقدام ، وزقزفة العصافير ومحوها . ولكن لا يمكن اخذ هذه ألمحاكاة علي انها الفن كله . حقا انها ضرورية في بعض نواحي الفن كتصوير الأشخاص ، ولكنه يجب ان يكون هدف الفنان هو التعبير لا المحاكاة ، وأضرب مثلا لما اقصده بالتعبير ، فن الحفارين على الحجر في القرون الوسطى ، فقد كانوا يعبرون في حفرهم ، عن الخصائص العامة لكل النباتات دون أن يعنوا بيان نبات معين . كما أن الأخوين مارتن المشهورين بصنع الأوانى الفخارية ، كانا مغرمين بالرجوع دإئما بأعمالهما لأصول التكوين الطبيعي . وقد
رؤى عن احدهما انه كان يحتفظ بأرجل الجمبرى الكبير في جيبه لعدة أيام ، ليرجع إليها من أن لآخر دارسا طلاءها ، وفاحصا عقدها وغضاريفها والوانها وتخطيطاتها ، وكانت تنتهي دراسته هذه بإخراج إناء فني جميل ، لامحاكاة فيه لشكل الجمبري أو لارجله ، بل عليه مسحة من شكله ولمعان سطحه ولونه وطلائه وزخرفته ، من قبيل الأقتباس .
وقد يري الصور ان جمال الطبيعة ساذح غير ناضح ، فيحور فيه ويعدل بالإضافة والتبديل ، ويدخل فيه من عنده رغباته في ماهية الجمال ، وغرضه من ذلك أن ينضح الجمال فتذهب سذاجته ، ومن ثم يصبح الجمال في نظره مثلا أعلى للكمال . والمرأة هي الفنان الأول في تزويق وجهها على النحو المذكور من قديم الزمان . ونحن نرى في منتجات الفنانين ولو حائهم في جميع الأزمان ، تعبيرات اختص بها كل منهم في تصوره ، غيراها بعضنا ولا أصل لها في الطبيعة مثلا من أمثلة تزويق الطبيعة وتحليتها
