الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 328الرجوع إلى "الثقافة"

الجماهير

Share

تفضل زعيم الشباب الجامعى ، الاستاذ حسين دؤب ، فاهدى إلينا كتابه " الوعى الجديد " الذى أصدرته حديثا لجنة النشر للجامعيين ، فوجدناه كتابا جميلا بارع الأسلوب ، شائق العرض ، جديرا حقا بأن يقرأ بامعان ، وبأن يعلق عليه الكتاب والمفكرون ، والمشتغلون بالشئون الاجتماعية وبالمسائل القومية العامة .

ولست أقصد فى هذا المقال إلى ايراد نقد شامل هذا الكتاب ، وبيان مابه من حسنات ، وإظهار ماقد يكون فيه من مآخذ ، وإنما أتعرض لناحية واحدة من النواحى التى استرعت نظرى حين قراءته ، وهى فكرة الكاتب عن الجماهير ، وأثرها فى توجيه الحكومة ، وحقوق هذه الجماهير على الدولة ؛ فهو يرى أننا نعيش فى زمن يصح أن يسمى زمن الجموع ، فقد يزد تأثيرها السحري كل تأثير عداه .

تحدث الكاتب عن الجماهير فصورها فى العصر الحديث صاحبة السلطان والنفوذ الذى لا يعدله سلطان ولا نفوذ ؛ فالحكومات والصحف فى زماننا صارت تتحس رغبات الجماهير لترضيها ، بعد أن كانت بالأمس تتجاهلها ؛ وهى تأتمر الآن بأوامرها ، بعد أن كانت فيما مضى تعتبر نفسها قيمة عليها ، وهى تسير فى الوقت الحاضر تبعا لرغباتها ، وتنقاد لتوجهاتها ، بدلا من أن تقوم بدور المرشد لتلك الجماهير والموجه لها .

وهو يرى فى هذا الاتجاه عين الصواب ، ويدافع عنه ويؤيده ، ويقرر أن الحكومات قد أصبحت فى العصر الحديث ، لاتجد الحافز على أن تعمل من تلقاء نفسها مافيه خير الشعب ، وإنما تفعل ذلك إذا ساقتها الجماهير ودفعتها إليه دفعا ، والنتيجة الطبيعية لذلك أنه يضع الحكومات تحت رحمة الجماهير ، وبجعل منها آلات تتحرك تبعا لرغبات الذين يقودون تلك الجماهير . انظر إلى قوله :

" لابد أن ينهض الرأى العام ... فيطالب كل فرد من أفراد الشعب بحقه فى الحياة . عندئذ تجد الحكومات نفسها مندفعة إلى الأمام تأتى أعمالا تلهب الأكف بالتصفيق ، وتطلق الحناجر بالهتاف ، فيزداد جهادها فى سبيل الخير العام " .. " لا نريد حكومة تمن على الأمة بأنها عملت .. نريد حكومة نشعر بأنها عملت لأنها كلفت بأن تفعل " .

فالحكومات على هذا الوضع تكون حكومات مسلوبة الإرادة ، معطلة التفكير ، لا يحركها للعمل إلا مطالبة الشعب به ، ولا يحملها على متابعة الجهود الاصلاحية إلا التصفيق والهتاف ؛ إن غفل عنها الشعب نامت ، وإن لم يصفق لها ويهلل كفت عن العمل ، منتظرة الأوامر التى تصدر لها من الجماهير وقوادها ، " فكم من حكام يودون لو يعملون ولكنهم لا يستطيعون لنوم جمهورهم ومسالمة شعبهم " .

أظن أن هذا الوضع ، وهذا التصوير للأمور غير مستقيم ، وأن الواجب فى نظرنا هو أن تعتبر الحكومة نفسها مكلفة بالسهر على مصالح الشعب ، وبالعمل ليل نهار على ما فيه خيره وإسعاده ، وبتوجيه عامة الشعب الوجهة التى فيها صلاح حاله ، وتهيئة الأسباب التى تيسر له سبيل العيش ، وتحميه من غوائل المرض ، وتبصره بمناصر الحياة الحديثة ، وعوامل النجاح فى جميع نواحى النشاط التى يمارسها الأفراد ، على اختلاف نزعاتهم وأهدافهم ، وما يمارسه كل منهم من عمل خاص أو عام .

فالحكومات ، لاسيما فى بلد كمصر ، لاتزال الجماهير فيها إلى حد كبير متخلفة عن غيرها من جماهير البلاد الأخرى ، ( بعد استئذان الأستاذ الأديب ) فى نواحى النشاط الاقتصادى والعمرانى والاجتماعى ، هذه الحكومات يجب أن تكون قائدة للشعب لامقودة ، دافعة له لا مدفوعة به ، مفكرة ناشطة من تلقاء نفسها لاعالة عليه تابعة له .

وليس معنى هذا الكلام أنها لا تتحس رغبات الشعب ، ولا تستمع لأناته أو لنداءاته ، ولا تسترشد بالرأى العام واتجاهاته ، فذلك واجب عليها بغير أدنى شك . فالحرية يجب أن تكون مكفولة لكل فرد وجماعة لتبدى آراءها كما تشاء ، وتدعو لتلك الآراء بكل قوتها ، وتدلى بحججها،                                                                                       وتدافع عن وجهات نظرها وتنتقد كل مالا تقره من  تصرفات حكومتها ، وتطالب بكل ما تراه من حقوقها ، وبتنفيذ ما يعن لها من أوجه الإصلاح . كل ذلك بالوسائل المشروعة وبمختلف أساليب الدعاية الحديثة . فى الحدود الدستورية ، وطبقا للقوانين . وبغير ضغط أوارهاب .

وأما أن تلجأ كل طائفة لوسائل التصفيق والهتاف والتظاهر ، بحمل الحكومة على الائتمار بأوامرها ، والنزول على رغباتها ، وتنفيذ مقترحاتها أو مآربها ، واعتبار الحكومة مكلفة بأن تنفذ تلك الأوامر وتنزل صاغرة على ما تريده تلك الجماعات المختلفة ، سواء أكانت نقابات أو اتحادات أو ماشا كلها من مختلف الهيئات ، فهذا كله مالا نستطيع أن نتصور إنسانا منصفا يقول به ، ولاحكومة تحترم نفسها تقره وتقبله وتذعن له .

نعم إنما نعترف أنه أتى علينا حين من الدهر لم يكن لنا فيه يد من أن نلجأ إلى مثل تلك الهتافات ، أو المظاهرات التى تقوم بها الجماهير ، لحمل الحكومات على سلوك طريق معين أو انتهاج سياسة بالذات . ولكن ذلك قد حدث فى ظروف خاصة كانت فيها الحكومات القائمة تحت تأثيرات أجنبية أو ماشا كل ذلك ، تسير فى طريق غير مستقيم ، لا يتفق مع مصلحة الوطن ، ولا مع اتجاه الرأى العام للبلاد كلها ، ولا مع رغبات طبقات الأمة أو سوادها الأعظم .

ولا تقطع بأنه لن يأتى علينا حين آخر يضطر فيه الجمهور المصرى كله لأن يحمل الحكومة القائمة قسرا على أن تسلك سبيل الرشاد ؛ ولكن لا شك فى أن مثل هذه الظروف الماضية أو المستقبلة لا تخرج أحدا عن أنها

حالات شاذة استثنائية اقتضتها ، أو قد تقتضيها فى المستقبل ، ظروف خاصة غير عادية ، ولا يمكن أن يقاس عليها .

وإذا كانت الحكومة وليدة انتخابات حرة ، وكانت تعمل مخلصة لما ترى فيه مصلحة الأمة ، وتطلق الحرية لحميع الأفراد والجماعات لتقول وتنشر ما يعبر عن آرائها بصراحة وقوة ، وتحسب للرأى العام المستنير حسابه ، وترعى لمختلف الطبقات حقوقها ، فى حدود تفكيرها الحر هى الأخرى ، فلا معنى لأن نطالبها بعد ذلك بأن تقوم بأى عمل مرغمة ، ولا أن تنزل على إرادة جمهور من أفراد الشعب صاغرة ؛ فطريقة اسقاط الحكومة فى النظام الديمقراطى معروفة ، يمكن أن تلجأ إلى اتخاذها كل هيئة مصرية ترمى ضرورة تغيير الحكومة لعدم موافقتها على سياستها .

نحن لا نفهم أن تكون الحكومة تحت رحمة الجماهير ، ولا أن تكلف بتعلق مختلف الهيئات والطبقات والطوائف ، ولا أن تحاول إخضاع طريقتها فى الحكم للجماهير من عامة الشعب ، حتى على فرض أن السادة الأغنياء المثقفين هم المسيطرون الآن ، فعلاج ذلك لا يكون بأن تسلط عليهم الإخوان الفقراء الجهلاء ، فذلك مجرد استبدال ظالم بآخر قد يكون شرا منه وإحلال طاغية محل طاغية غيره ؛ وإنما يكون الاصلاح بتلمس الطرق الدستورية لمعالجة الداء ، وتصحيح الأخطاء ، بحيث لا تتحكم طبقة فى أخرى ، ولا تطغى طائفة على غيرها . وعلى الحكومة أن تتلمس ما فيه الخير للجميع وأن تقسم جهودها وأموالها وعنايتها بالقسطاس بين المواطنين كلهم بغير أدنى تمييز أو محاباة .

وبعد فهل ليس للجماهير التى أطراها الكاتب الأديب أيما إطراء ، وأثنى عليها كل الثناء ، وأشاد بها كل الإشادة ، أليس لهذه الحماهير أى عيب ولا عليها أى مأخذ ؟ إننا نلم نعثر للكاتب على تحفظ من ناحيتها ، ولا على نقد جدى يوجهه لسلوكها ولا لأساليبها ، ولا

على نصائح يسديها ، أو مخاوف يبديها ؛ فهو قد اطمأن تمام الاطمئنان إلى أن هذه الجموع وتلك الجماهير ، إنما يقودها من لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم ، فهى فى عصمة من الخطأ بفضل تلك القيادة الحكيمة .

ولكننا نعرف أن تلك الجماهير كثيرا ما تخطىء ، وأنها إذا اندفعت فى سبيل الخطأ فعند ذاك قد يعز على قوادها أن يكبحوا جماحها ، أو يحولوا دون ماتسببه أخطاؤها من شرور قد يكون لها أسوأ العواقب . وما كان ينبغى أن يغيب هذا عن الكاتب الأديب ، حتى ولو كان قد استطاع بمهارته ولباقته ، فى حادث أو أكثر ، أن يكتفى شر أخطاء الجماهير وأن يقيها نتائج السوء لتلك الأخطاء ، أو يجنبها الشطط والطغيان .

والناحية الثانية التى استرعت نظرى ، خاصة بالجماهير ورأى الأستاذ فيها ، ودعابته الحارة لها ، هى أنه جرد المسائل إلى حد كبير من الناحية العاطفية ، وضرب بالاعتبارات الروحية عرض الحائط ، وصور حركات الجماهير واتجاهاتها كلها مصوبة نحو الخبز أو الرغيف ، وصادرة كلها عن دوافع مادية فحسب . هو لا يقيم وزنا لغير القيم الذاتية ، والمنافع الشخصية . أما القيم الروحية ، والسمو النفسى ، والاعتبارات الإنسانية ، فقد أحلها الأستاذ الأديب مقاما ثانويا أو دون ذلك ، فكادت تتلاشى أهميتها عنده . انظر إلى قوله :

" إن جمهورنا لم يؤت نصيبا ذا بال من العلم والثقافة ، وإن إيقاظه لا يكون بغير الوسائل البدائية ... فالقائد الماهر هو من يطلع على الناس بطبل جديد ومزمار شجى ، ليجتمعوا حوله ، لأنفسهم ، لا له ... القائد الماهر هو من استطاع أن يحرك فى الجماهير أولا حب الذات ، فيطمئنوا إليه ثم يدفهم ، إن ملكهم ، إلى حب الوطن . القائد الماهر من يجعل من الوطنية ذاتية ... إن حب الذات غريزة ، وإنك إن تناد بالوطنية وجب أن تحرك تلك النعرة الفردية كى تصل أخيرا إلى النعرة القومية ...

إنهم أغبياء هؤلاء الذين يتشدقون كل يوم بمثل عليا ، انهم بنادون بكلمات جوفاء ، لا أصل لها ولا أثر ، لا يصرفها الأفراد ولن يعرفوها ، ما دامت لا تبشر لهم فى كل حرف من حروفها بالخير المادى الملموس ، ثم الخير المعنوى المحسوس ، ثم الخير السريع الذى يتناولونه فى الطريق " .

ونحن نخالف الكاتب فى هذه النزعة المادية التى تهوى بالقيم الروحية إلى الحضيض ؛ ونرى فى هذه الدعوة بدور شر نرجو الله ان يقينا منها ؛ فانك إن نجحت فى عرس هذه المبادىء فى النفوس جعلت كل فرد ينظر إلى راحته الذاتية ؛ فسرعان ماتتعارض تلك المصالح وتتصادم ؟ وإذا بالأفراد يتخاصمون ويتطاحنون ؛ كل وراء مصلحته الخاصة ، وإذا بالأمة التى كان يجب أن ترتبط برباط من العاطفة ومن المحبة ، ومن التضامن والتضحية ، إذا بها تتفرق أحزابا وشيعا ، كل يبغى امتلاء بطنه ، وينشد كسبا ماديا له ولطائفته ، لا بأس عندهم من أن يكون على حساب غيرهم من المواطنين .

وأما أن الشرائع كما يقول الكاتب لا تكفى وحدها لإصلاح شعب ما ، وأن المعتقد الاشتراكى يقوم الآن مقام المعتقد الديني الهرم ، فهذا قول اعتقد أنه لا يصدق على الإسلام ، فإن فيه من المبادىء الاشتراكية ما يكفى لاسعاد الخلق بغير حاجة إلى تلمس معتقدات جديدة واردة إلينا من الغرب . وعلى كل فلم يعد فى هذا المقال متسع لمناقشة أمر هام أساسى كهذا ، ولا لمناقشة الكاتب فيما يقرره من أن ( أخلاقنا أرفع أخلاق الدنيا ) ، فالكلام فى هذا يطول ولو كان يسهل .

وبعد فانا على كل حال نحمد للكاتب الأديب غيرته وصراحته وشجاعته ، ونرجو أن ينال كتابه عناية خاصة من المفكرين والنقاد ، حتى تناقش مافيه من أراء قد يبدو بعضها غريبا وخطيرا ، ولعل هذا المقال يكون بمثابة فتح باب لمثل تلك المناقشات .

اشترك في نشرتنا البريدية