الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 208الرجوع إلى "الثقافة"

الجمعيات العلمية، في انكلترا

Share

تمتاز إنكلترا بما يسودها من نشاط فكري يقوم على أساس من النظام والدقة والإتقان وبفضل هذا النشاط المنظم تمت العلوم وازدهرت الفنون ، ونشات جمعيات وهيئات تعمل علي رعاية هذا النمو وتعهد ذلك الازدهار ، ورفع شأن الباحثين وتشجيع الإنتاج والابتكار

فتفتحت المدارك ، وأثمرت المواهب ، وجادت القرائح ؛ فإذا نحن أمام رشح عبقريات نتج عنه تقدم عجيب في العلوم والفلسفة والاختراع والاكتشاف . وكان من آثار هذه الجمعيات أن مهدت إلي بروز المزايا النفسية والعقلية عند كثيرين من الذين كان لهم الفضل الاكبر في إقامة دعائم الحضارة والعمران

بدأ اهتمام الناس بالبحوث العلمية في القرن السابع عشر للميلاد ، حين طلع فرنسيس باكون وديكارت ببحوثهما على الناس .

كتب باكون في الأسلوب العلمي ، وفي أن الحقائق العلمية لا تثبت إلا بالتجربة والبرهان ، ووضع قواعد اعتبرها أصولا ليسير عليها الباحثون في بحوثهم العلمية ، وذاعت هذه الكتابات وانتشرت في مختلف الانحاء ؛ ورأي فيها المتعلمون تطورا خطيرا مهد الطريق التي يجب على الباحث مراعاتها والسير بموجبها ، وبذلك تلاشت

الصعوبات التي كانت تعترض الباحثين والمفكرين عند عرض ما يجول بخواطرهم وأفكارهم . أما ديكارت فقد وضع كتبا دفعت إلي الاهتمام بالبحث العلمي ، وقضت على طريقة اعتبار القائل قبل القول فصحة القول لا تكون باسنادها إلي عالم أو إلي إمام من ائمة العلم أو الفن ، بل بمقدار ما ينطوي عليه من حقيقة وإخلاص للحق

في هذا الجو اتسعت عناية الناس بالعلم والأدب والفن وسرت في بعضهم روح البحث والدرس ، فقامت جماعات تعمل على إنشاء جمعيات غايتها الكشف عن الحقيقة في مختلف الميادين ، ورعاية القائمين والمشتغلين بذلك ؛ وتمت العلوم الرياضية والطبيعية نموا ادي إلي الارتقاء العجيب الذي أصاب الاختراع والاكتشاف ؛ وازدهرت علوم

الطب والكيمياء وما يتفرع عليها ازدهار نجمت عنه تطورات هامة في شتى نواحي الحياة الاجتماعية والصحية والمادية ؛ وفوق ذلك نفذ نظر الإنسان إلي بعض اسرار الكون مشرفا على ما هو أعجب من السحر وأغرب من بنات الخيال . وفي منتصف القرن السابع عشر للميلاد كان كثيرون من الذين يعنون بالعلوم الطبيعة والفلسفية يجتمعون للمداولة والدرس ، وقد اسسوا جمعية غايتها

توسيع نطاق البحث العلمي والعمل على ترقية العلوم والفنون . وفي سنة ١٦٦٠ طلب هؤلاء من الملك شارلس الثاني تثبيت جمعيتهم ومعاضدتها ، وكان لهم ما أرادوا من تثبيت الجمعية التي عرفت من ذلك الحين باسم " الجمعية الملكية " .

وسارت الجمعية في طريق التقدم تحيطها رعاية الملك ورجال الحكم ، فأحدث أجل الخدمات إلي البلاد ، وقامت بنصيب هام في المساهمة في خدمة المدنية

كانت الجمعية توالي اجتماعاتها حيث تلقي المحاضرات وتتلي الرسائل العلمية المختلفة ، وكان من أهم الأعمال التي قامت بها الجمعية في بادئ الأمر قضاؤها على السحر والشعوذة ، فقد نجت البلاد الإنكليزية من بدعة قتل

من يتهم بالسحر ، وبحثت في أمرهم وما يصدر عنهم من آراء وأفكار ، واستطاعت بفضل محاضراتها أن تزعزع عقائد الناس بالسحر والشعوذة ، ووضعت حدا للخرافات التي كانت شائعة ومنتشرة .

وتناوب مسند الرئاسة في هذه الجمعية كثير من فحول العلماء وكبار الفلاسفة ، وكان لبعضهم الفضل الأكبر في تحقيق بعض غاياتها ؛ فوجه روبرت بويل ، مثلا ، جهوده إلي رفع مستوي الجمعية وخدمة اغراضها ، وتمكن من تهيئة جو علمى ساعد على إظهار المواهب

والخصائص التي لم تكن لظهر لولا الجمعية وذاك الجو الذي هيأه فيها بويل ، وبرز نيوتن وغيره من الحكماء وعرض على الجمعية بعض تجاربه وبحوثه ، فانتخب عضوا تقديرا لنبوغه وآثاره ؛ وفي أوائل القرن الثامن عشر للميلاد انتخب رئيسا ، وبقى في الرئاسة أربعا

وعشرين سنة ، إلي ان وافته المنية ؛ وقد قام خلال هذه المدة بخدمات ثمينه لم تعرف الجمعية عالما غيره أنجز مثلها ، فكانت رئاسة موضع فخر ابدي . وهب نفسه وجهوده للعلم ، فكشف الجاذبية ونواميسها ، ووضع اساس التكامل

والتفاضل ، وتقدم بالضوء خطوات واسعة مما جعله من أعظم العلماء العالميين في تاريخ تقدم الفكر .

وفي سنة ( ١٦٨٥ ) طلبت الجمعية من الملك ان يبنى مرصدا للرصد والملاحة ، فأجاب طلبها ، وعهد إليها بالإشراف عليه . ولا يخفى ما اسداه ( ويسديه ) هذا المرصد من الخدمات الجليلة إلي علم الفلك وشؤون الملاحة .

في ظل هذه الجمعية نشأ علماء كثيرون اشتهروا ببحوثهم ونتاجهم في ميادين الطبيعة والرياضة والفلسفة والفلك والطب ، امثال : رمفرد ، وهمغري دافي ، وهرشل ، وينغ ودلتن ، وفراداي ، وبروستر وغيرهم . وفي سنة ( ١٨٢٥) انشأ الملك جورج الرابع وسامين من الذهب للجمعية الملكية لتنعم بهما على الجديرين من رجال العلم والفكر ،

فمنحت أحدهما لدلتن الكيماوي لاستنباطه الرأي الجوهري المعروف الآن بالعربية باسم المذهب الذري . وفي سنة ( ١٨٣٩ ) كتب دارون الشهير رسالة وصف فيها الحوادث البركانية ، فانتخبته الجمعية عضوا فيها ، ثم منحته الوسام الملكي عام ١٨٥٣ علي كتابه في جزائر المرجان ، كما منحته وساما آخر علي كتابه في أصل الأنواع .

ومن هنا تتبين فضل الجمعية الكبير في شحذ الهمم وتشجيع الإنتاج والاشتغال والعلوم . ولا يخفى ان هذا من أهم العوامل التي تقدمت بالعلم والحضارة هذا التقدم الذي نلمحه في مختلف النواحي العمرانية .

وهناك جمعيات غير هذه نشأت في إنكلترا لرعاية العلم وتشجيع البحث في شتي العلوم : الرياضية والطبيعية والفلكية والطبية والفلسفية والتاريخية والجغرافية والاقتصادية وغيرها .

وينتسب إلى هذه الجميات العلماء والمثقفون والمتعلمون من الذين يعنون بهذه الفروع ويعملون على التوسع فيها ، واستجلاء الغامض في موضوعاتها ، وكشف الحقيقة في مختلف بحوثها

وقد أضاف بعض هؤلاء إضافات هامة إلي تراث الإنسانية العلمي ، كما ساهم غيرهم في خدمة الحضارة

لولا هؤلاء وأمثالهم في الأقطار الآخرى لما تقدمت العلوم الطبيعية والهندسية والرياضية هذه التقدم ، الذي نتج عنه تطورات خطيرة في الصناعة والملاحة والتجارة

لقد أسدت الجمعية الرياضية ( مثلا ) أجل الخدمات إلي الرياضيات ، فتعهدت المشتغلين فيها ، وشجعت الإبتكار والإنتاج ، فظهر من بين اعضائها من استعمل الرياضيات في العلوم الطبيعية ، واستغل المعادلات والأرقام للاستفادة عمليا من النواميس والقوانين التي تسيطر علي الكون ومحتوياته ) وقد نتج عن هذا الجمع وذلك الاستغلال أروع

تقدم اصاب الحضارة الصناعية . وما يقال عن هذه الجمعية الرياضية يقال عن الجمعيات الأخرى التي أنشئت لرعية العلوم والفنون كالفلك والطب والجغرافيا والكيمياء والجراحة والتاريخ والموسيقي والنحت والفلسفة والاقتصاد .

في هذه الجمعيات ترعرع العلم ونما الفن وازدهر ، ومن هذه الجمعيات خرجت اكثر المخترعات والمكتشفات التي مكنت الإنسان من السيطرة علي بعض عناصر الطبيعة واستقلالها لمنافعه ، ولما يعود عليه بالتقدم والرفاء

وفي الوسع القول إن للجمعيات العلمية في انكلترا الفضل الاكبر فيما أحرزه الإنكليز من شهرة علمية ، وفيها أسداء علماؤهم من خدمات جليلة في ميادين العلوم والفنون ، وما أحدثه المخترعون والمكتشفون من تغييرات خطيرة في الحضارة الصناعية في هذا العصر

(نابلس)

اشترك في نشرتنا البريدية