تعقد الجمعية العمومية العادية لهيئة الأمم المتحدة للمرة الثالثة في السادس عشر من سبتمبر الحالي ؛ وقد عقدت " الأمم المتحدة " جمعيتها العمومية الأولى في يناير سنة ١٩٤٦ في لندن ، وعقدت جمعيتها العمومية الثانية في نيويورك في أواخر هذا العام ، كما عقدت جمعية عمومية استثنائية في شهر أبريل الماضي ، بناء على طلب الحكومة البريطانية للنظر في مشكلة فلسطين . وتدل المقدمات والظواهر على أن هذه الدورة الثالثة للجمعية العمومية ستكون ذات أهمية خاصة ، وستضطرم بالجدل الخطير ، والمجادلات السياسية المختلفة ؛ فجدول أعمالها يضم نحو أربعين مسألة ، منها طائفة من المشكلات الخطيرة ، كمشكلة فلسطين ، ومسألة حق الفيتو ، والمشكلة البلقانية ، والمسألة الأسبانية ، وغيرها ؛ وكل مشكلة من هذه المشاكل تثير كثيرا من ضروب النضال والجدل ، والتجاذب الدولي داخل " الأمم المتحدة " وخارجها . ويكفي أن نذكر أن تقرير اللجنة الدولية التي نيط بها دراسة المسألة الفلسطينية ، والذي تقترح فيه تقسيم فلسطين إلى دولتين ، إحداهما عربية ، والأخري يهودية ، مع التصريح بهجرة مائة وخمسين ألف يهودي إلى فلسطين خلال عامين ، سيكون موضع الدرس في هذه الجمعية العمومية ، وأن هذه المشكلة التي غدت
بدقتها وتعقيداتها المتناهية مشكلة عالمية ، ستشغل من وقت الجمعية العمومية ومناقشها أوفر نصيب وأعتقه .
على أن ما يحتويه جدول أعمال الجمعية العمومية ليس كل شئ فيما يعلقونه على هذه الجمعية من الأهمية والخطورة . ذلك أن هيئة الأمم المتحدة أضحت بالرغم من حياتها القصيرة ، التي لم تبلغ العامين بعد ، مثار الكثير من ضروب النقد والتعليق ؛ فهذه الهيئة الدولية العتيدة ، التي أقيمت للسهر على توطيد السلام الدولي ، وقمع العدوان ، وتحقيق العدالة الدولية ، لم تستطع بعد بالرغم مما عرض لها من الفرص العملية أن تقيم الدليل المقنع على أنها قديرة على الاضطلاع بهذه المهمة العالمية الخطيرة ؛ وأكثر ما يوجه النقد والتجريح في ذلك لجلس الأمن ، وهو الأداة العملية التنفيذية للأمم المتحدة ومن المعروف أن دستور الأمم المتحدة يحد كثيرا من اختصاص الجمعية العمومية ومقدرتها تنفيذية بخلاف ما كانت عليه الجمعية العمومية لعصبة الأمم القديمة حيث كانت تتمتع في إصدار القرارات التنفيذية بأوسع اختصاص ؛ ولكن الجمعية العمومية لعصبة الأمم كانت تضيع معظم الوقت في الجدل والمناقشات البيزنطية ، والخطب الرنانة ، ولهذا رؤي تفاديا لهذا العيب أن يحد من اختصاص الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة ،
وأن تركز المقدرة التنفيذية في مجلس الأمن بحيث يغدو أداة سريعة حازمة.
وأما عن مجلس الأمن وهو الأداة التنفيذية المباشرة لهيئة الأمم المتحدة فقد دلل بموافقته في جميع المسائل الحيوية التي طرحت عليه أنه ليس هيئة عدالة دولية مطلقة ، وأنه بالعكس قد غدا مسرحا لتجاذب الدول الكبرى ووحيها ومحاولتها السافرة لتغليب كل ما يتعلق بالهيبة الدولية والسيادة الاستعمارية . وليس أدل على هذه الحقيقة الناصعة مما شهدناه أثناء عرض القضية العربية من محاولات منظمة لتجاهل المطالب المصرية الحقة ، ثم عجز المجلس في النهاية عن أن يتخذ أي قرار حاسم في مشكلة كانت بوضوحها وقوة منطقها امتحانا حقيقيا لمقدرته وبراعته.
وبقول النقدة الدوليون الآن إن مجلس الأمن قد أبدي قصورا في الاضطلاع بمهمته ، فهو فضلا عن تأثره المستمر بالاتجاهات والأهواء الدولية الخاصة ، في نظر المشكلات الدولية التي تعرض عليه ، لم يوفق حتى اليوم إلى إنجاز شيء من المهام الخطيرة التي وكلت إليه ، فاللجنة التي شكلت لوضع نظام القوة العسكرية الدولية التي يعتمد عليها المجلس في تنفيذ قرارات لم تنته بعد من مهمتها ، ولجنة الطاقة الذرية لم تتقدم خطوة في مهمتها ؛ هذا إلى أن المجلس يعاني كثيرًا من حق الاعتراض " الفيتو " الذي شرع للدول الكبرى ، والتجاء الدول الكبرى إلى استعمال هذا الحق يشل كثيرًا من مقدرته التنفيذية ، وقد ترتب على استعماله بالفعل غير مرة أن قضى على الجهود التي بدأت لمعالجة بعض المشكلات الدولية الخطيرة ؛ ومن ثم فقد أضحى من الضروري أن يلغي هذا الحق ، أو يحد من استعماله بقيود معقولة . فهذا القصور الذي أبداه مجلس الأمن في تأدية مهمته ، وهذه الأزمة الواضحة التي يعانيها قد حملت بعض الدوائر التى يعنيها مصير هيئة الأمم المتحدة والمحافظة على هيبتها الدولية على التفكير في معالجة هذه
الأزمة قبل تفاقمها . وربما كانت الولايات المتحدة أشد الدول الكبرى عناية بهذا الأمر ، وقد تردد صدى هذه العناية أخيرا في كبرى الصحف الأمريكية ، حيث نوهت بوجوب إصلاح هيئة الأمم المتحدة ، وذلك بالعمل على تقوية الجمعية العمومية ، وتوسمة اختصاصاتها ، وإقالة مجلس الأمن من عثراته بالعمل على إلغاء حق الفيتو وهذه المسألة مدرجة بالفعل في جدول أعمال الجمعية العمومية منذ أثارتها الأرجتين وأستراليا في الدورة الماضية .
وأمريكا يناصرها في هذا الاتجاه بعض الدول الكبرى ولاسيما بريطانيا ، وعدد كبير من الدول الصغرى ، وكل شئ ينذر بأن هذه الدورة الثالثة للجمعية العمومية ، فضلا عما ستعنى به من مختلف المسائل ، ستغدو مسرحا للتجاذب الدولي والتكتل السياسي الخطير . ومن الواضح أن هيئة الأمم المتحدة قد تواجه في تلك الآونة بداية طور جديد من حياتها ، فإذا نجحت جهود السياسة الأمريكية والدول التي تناصرها ، فقد يطرأ تعديل أساسي على دستور الأمم المتحدة، على أنه من المعروف أن روسيا من الناحية الأخرى ستدافع عن حق " الفيتو " دفاعا شديدا ، ومن ورائها في ذلك الكتلة السلافية ، ودول أخرى ؛ وكما أن مجلس الأمن ما يزال منذ قيامه مسرحا للمعركة الخفية أحيانًا ، والسافرة غالبًا ، بين روسيا والدول الغربية ، فكذلك يتردد صدى هذه المعركة في الجمعية العمومية ، ومما يقوي مركز وروسيا في هذه المعركة ، أنه لابد من أغلبية الثلثين لتعديل أحكام حق الاعتراض ، وهي أغلبية صعبة المنال.
وإلى جانب هذه المهام الخطيرة ستعنى الجمعية العمومية بالنظر في قبول الأعضاء الجدد ، وهي أيضا من المسائل التى يضطرم بشأنها الجدل والنزاع بين الكتلتين الروسية والغربية ، فالكتلة الروسية تحاول العمل على قبول رومانيا والمجر وألبانيا وبلغاريا ، وتحاول الكتلة الغربية العمل على
قبول إيرلندا والبرتغال والنمسا وإيطاليا وشرق الأردن ؛ وقد كان استعمال حق الفيتو في الدورة الماضية من الجانبين سببًا في منع قبول الدول المشار إليها من الالتحاق بعضوية الأمم المتحدة . وقد فازت بهذه العضوية في الدورة الماضية ثلاث دول هي : السويد وأيسلندا وأفغانستان وسنرى ماذا يكون من أمر الترشيحات الجديدة في هذه الدورة ، وماذا تسفر عنه معركة التكتل والتجاذب .
والخلاصة أن هيئة الأمم المتحدة قد تجوز في جمعيتها العمومية الثالثة نوعا من الامتحان الدقيق ، فهي تواجه طائفة من المشاكل الخطيرة التي يتوقف على حلها صون السلم أو اضطرابه في بعض المناطق الحساسة مثل مشكلة فلسطين ، ومشكلة البلقان . وإذا لم تقدم " الأمم المتحدة " الدليل على حزمها وقوتها في هذه المرة ، وإذا عمدت إلى الالتجاء إلى الممطاولة والتسويف تفاديا للبت فيما يعرض لها من المشاكل ، فإنها بذلك تقدم دليلا جديدا على عجزها عن الاضطلاع بمهمتها الخطيرة في العمل على توطيد السلم والأمن الدولي ، وتقوي بذلك حجة القائلين بأنها قد أبدت بالفعل أنها أداة قاصرة عاجزة ، وأنها لا تتميز في شيء من وسائلها وأساليبها عن عصبة الأمم القديمة ، وبذلك تصاب هيبتها بضربة جديدة قد لا تستطيع النهوض منها.
إن أنصار السلم في مختلف البلاد ما يزالون يعلقون آمالا كبيرة على جهود الأمم المتحدة ، ويرجون أن توفق إلى تأدية مهمتها بنجاح ، ولكن " الأمم المتحدة " لن يتاح لها مثل هذا التوفيق ما دامت مسرحا لتجاذب الدول وتنافسها وتكتلها على هذا النحو الذي نراه ، وما دام حق الفيتو يقف حجر عثرة في سبيل تنفيذ كل قرار يمكن أن يتخذه مجلس الأمن لتسوية مشكلة من المشاكل . وقد بلغ من تبرم بعض الدول بهذه الحالة وهذا الاسلوب الذي
يشل جهود الأمم المتحدة وجهود مجلسها التنفيذي ، لوح بعضها بالانسحاب من عضوية الهيئة إذا لم تتدارك الأمم المتحدة هذه الحالة ، وإذا لم تستقم الأوضاع والأساليب بصورة يمكنها من أداء مهمتها بكفاية ونزاهة وهكذا تجتمع كل الظروف لتسبغ على الجمعية الحالية لهيئة الأمم المتحدة خطورة خاصة ، ولتضعها أمام نوع من التجربة الحاسمة التي تتعلق بهيبتها وربما بمصيرها .

