في صباح الثلاثاء الماضي طالع الناس ، في غير قليل من الدهشة ، نبأ اجتماع خطير بين طائفة من قادة الشعب البريطاني والتركي ، في مدينة أطنه ، بالقرب من الحدود السورية القديمة ، أي في ركن قصى من اركان الجمهورية التركية ، روعي في اختياره من غير شك أن يكون قريباً بالنسبة لممثلي بريطانيا من جهة ، ومن جهة أخري أن يكون بعيدا عن مراكز الفضول والتجسس في العواصم والموانيء الغربية . وقد عقد الاجتماع في قطار من قطارات السكة الحديدية ، ولعله نفس القطار الذي أقل أحد الفريقين . فإن بلدة أطنه واقعة على الخط الحديدي الكبير الذي كان يدعي ، بل لعله لا يزال يدعي
سكة حديد بغداد ؛ والقطارات تصل مباشرة من حلب أو من أنقرة إلي هذه النقطة التي التقي فيها الطرفان واجتمعا فترة من الزمن .
إن البلاغ الرسمي الذي صدر في صباح الثلاثاء الماضي لا يشتمل على قرارات خارقة للمألوف . وإذا استمسكنا بحرفية تلك القرارات ، فإننا لن نري فيها شيئا يستحق أن يعد فصلا جديدا من فصول الحوادث الهائلة التي تجري في العالم منذ بداية الحرب الحاضرة . وقد طلب رئيس الحكومة البريطانية ألا نمعن في التفسير والتأويل ، أو أن نسرف في القراءة بين السطور ، أو أن نحاول أن نقرأ في ألفاظ ذلك البلاغ الرسمى شيئا سوى الجمل
والعبارات التي اشتمل عليها ، والمدلولات التي تدل عليها دون سواها . ورئيس الحكومة البريطانية علي حق في أن يطلب هذا إلينا ؛ فقد ولع الناس بالتكهن وفرض الفروض البعيدة التي لا تستند إلا على مقدمات سهلة يسيرة . ولهذا فإن العقل يقضي أن نكتفى بسرد ما حدث دون أن نحاول الإسراف في تفسير عبارة أو جملة ، أو أن نحملها من المعاني ما لا تستطيع أن تحمله .
وأول شئ يلفت النظر في قرارات أطنه أنها مجرد توكيد لما قد حدث من قبل . فقد سبق لرئيس الولايات المتحدة أن أعلن أن الجمهورية التركية من الأقطار التي يطبق عليها قانون الإعارة والتأجير ، ومعنى هذا أن الحكومة الأمريكية تعد الدفاع عن حدود تركيا أمراً لازما للدفاع عن الولايات المتحدة نفسها ؛ فاجتماع أطنه يعد من هذه الناحية بمثابة محاولة تنظيم الخطط الذي ينفذ به هذا التعهد الصريح الذي تعهدت به حكومة الولايات المتحدة الأمريكية .
والقرارات التي اتخذت كان من الجائر أن نعقد المفاوضات بشأنها بين السفير البريطاني وبين الحكومة التركية ، وأن يكتفي بالتمثيل السياسي العادي بين الدولتين في عقد هذا الاتفاق ؛ ولو تم الأمر على هذه الصورة لمــــــــــــا أثارت تلك القرارات ضجة ، ولا ظن أحد أن في جو الحوادث أمراً جديداً.
فالعنصر الطريف في حوادث الأسبوع الماضي ، أن رئيس وزارة بريطانيا ، الذي يحمل اليوم أعباء كثيرة يكفي بعضها لأن يشغله ويستغرق كل وقته ، رأي من الضروري أن ينتقل بنفسه إلي تركيا ، ومع رئيس أركان حربه ، وقائد القوات البريطانية في الشرق الأوسط ، والقائد العام لجيشى إيران والعراق ، وغيرهم من رجال الحرب ورجال السياسية . وكذلك كان الفريق التركي
مشتملا علي رئيس الحكومة وقادة الحرب وكبار الساسة ؛ وكان رئيس الجمهورية نفسه ، وزعيم الشعب التركى عصمت إبنونو يرقب المحادثات عن كثب ، ولئن لم يشترك فيها رسميا ، فقد اجتمع بالزعم البريطاني غير مرة أثناء المناقشات التي دارت .
فالظاهرة الأولى التي تلفت النظر في محادثات أظنه هي الشخصيات الكبيرة التي اشتركت فيها . والأمر الثاني ، الذي لا بد من ملاحظته ، هو إعلان الاجتماع للعالم كله . ولقد كان من الجائز أن يعقد مثل هذا الاجتماع الخطير ، وأن يحاط بسياج متين من التكنولوجيا الشديد بحيث يبقى العلم به مقصوراً على الدوائر المحدودة التي اشتركت فيه ، ولا يعرف العالم الخارجي من أمره سوي إشاعات ، لا تستند إلي نبأ أو بلاغ رسمي . ولكن المتفاوضين تعمدوا أن ينبئوا العالم بما حدث أو ببعض ما حدث ، مما يدل على أن لهم رغبة صادقة في أن يعلم الناس في مشارق الأرض ومغاربها ، أن اجتماعا هاما ، تدل جميع ظروفه وأحواله على أنه اجتماع تاريخي خطير ، قد حدث في أواخر شهر يناير وأول شهر فبراير من هذا العام .
ويطالع الناس بعد ذلك نص البلاغ الرسمي عن هذه المحادثات التي جرت بين أقطاب الدولتين ، فيرون أنه يشتمل علي أمرين أو ثلاثة ، أولهما : توكيد روابط الصداقة بين الجمهورية التركية وبريطانيا ؛ والثاني : العمل على مساعدة تركيا في المحافظة على " سلامتها الدفاعية " ؛ والثالث يخص مشاكل ما بعد الحرب . ولا شك أن هذا الجزء الأخير يدل علي أن تركيا تعني عناية شديدة بأن تكون التسوية النهائية بعد أن تضع الحرب أوزارها ، متفقة مع سلامتها وأمنها من أي عدوان في المستقبل .
هذه هي الأمور الثلاثة التي اشتمل عليها نص البلاغ
الرسمي عن ذلك الاجتماع التاريخ الخطير . ولعل هذه الأمور لا تؤدي معنى عظيما يتفق مع خطر الاجتماع ، إذا نظرنا إليها نظرة محدودة ؛ ولكنها قد تغدو ذات معني أوسع وأكثر وضوحا إذا نظرنا إليها في ضوء الحوادث التاريخية الحديثة التي شغلت الجمهورية التركية فترة من الزمان .
إن الجمهورية التركية في كيانـها وحدودها الحاضرة وليدة المجهود الجبار الذي بذله الشعب التركى بعد الحرب الكبري ، التي دارت من عام ١٩١٤ إلي عام ١٩١٨ . في تلك الحرب كانت إيطاليا حليفة بريطانيا ، وتركيا في صف ألمانيا ، وقد أصاب الدولة العثمانية ما أصاب ألمانيا وحلفاءها ، ففقدوا الحرب ، وأمليت عليهم معاهدات للصلح قاسية ؛ وكان ما أصاب الدولة العثمانية أقسى وأنكى مما أصاب أية دولة أخري . فلم يكتف الحلفاء بسلخ الولايات غير التركية عن الدولة العثمانية ، بل قضوا بتمزيق بلاد الأناضول ، وهي الوطن التركي الصميم ، فقسموه بمقتضي اتفاق "سفر" إلي أقسام خمسة : جزء في شمال سوريا خاضع للنفوذ الفرنسي ، وآخر حول أزمير روعي فيه أن يصبح ميداناً لنفوذ اليونان ، ومنطقة ضيقة حول مضايق البسفور والدردنيل تكون ذات نظام دولي ، والقسم الرابع ويشتمل علي الجزء الأعظم من أناضول الغربية والجنوبية ، وقد جعل ميداناً للنفوذ الإيطالي ، ويبقي بعد ذلك الربع الشمالي المتاخم للبحر الأسود ، أريد به أن يترك للدولة التركية الجديدة .
كان لايطاليا في هذا التقسيم نصيب الأسد ، وقد نالت فوق هذا جزيرة ردوس وجزيرة كاستلاريزا الملاصقتين لسواحل الأناضول ؛ كما احتفظت بجزر الدوديكانيز التي احتلتها منذ عام ١٩١٠ .
قام الشعب التركى بعد ذلك بجهاده العنيف ، فطرد اليونان من الأناضول ، واضطرت القوات البريطانية إلي
التخلي عن المضايق ، وعقدت فرنسا اتفاقا خاصا لتسوية الحدود بين الحكومة الوطنية التركية وسوريا . وعقدت بعد ذلك معاهدة لوزان صيف عام ١٩٢٣ ، واعترف للجمهورية التركية باستقلالها التام ، والغيت الامتيازات الأجنبية ، وردت إليها جميع الأقطار التركية الخالصة ، وسويت العلاقات بين تركيا واليونان باتفاق مبادلة السكان .
وانصرفت تركيا بعد ذلك إلي إصلاح شئونـها الداخلية من جهة ، وتحسين علاقاتـها مع كل دولة أجنبية من جهة اخري ...
وأصبحت تركيا الحديثة دولة جمهورية عاصمتها أنقرة في صميم الوطن التركي في الأناضول ، ولكن لها أرضا أخري في جزيرة البلقان تشتمل على مدن تركية عظيمة مثل أدرنة على حدود بلغاريا ، واستانبول علي مضيق البسفور . ولا شك في أن هذا الموقع فرض على الجمهورية الجديدة أن تعني بعلاقاتها في البلقان بوجه خاص ، فوق عنايتها بتحسين علاقاتها الخارجية بوجه عام .
وقد استطاعت تركيا بسياستها الخارجية الحكيمة أن تنمي علاقة الصداقة وحسن الجوار بينها وبين جارتيها في البلقان ، بلغاريا واليونان ، فحل التفاهم محل التخاصم ، وأصبح الوئام سائدا بين الطرفين ، ولعل تركيا أن تكون الدولة البلقانية الوحيدة التي ليس بينها وبين جيرانها خصام على الحدود السياسية ؛ ولهذا استطاعت أن تقوم بعمل جليل في سبيل إيجاد تفاهم بين دول البلقان ، لولا أن الخصومات المتأصلة بين دوله لم تكلل هذه المساعي بالنجاح .
ورأت بريطانيا أن مصالحها الخاصة ومصالح السلم في أوربا عامة باتت مضمونة بفضل وجود دولة تركية قوية في هذا الجزء الخطير من العالم ، فكانت الصلات بين الدولتين في تحسن دائم منذ تأسيس الجمهورية التركية إلي وقتنا هذا . وقد انضمت الجمهورية التركية إلي عصبة الأمم وهذا من غير شك قد زادها قربا من الدول الديمقراطية .
وخرجت من العصبة كل من ألمانيا وإيطاليا واليابان .
وقد كانت الصلات بين الجمهورية التركية منذ نشأتها وبين حكومة روسيا ، صلات طيبة . وهذه الحالة كانت سائدة بوجه خاص في الوقت الذي كانت حكومة روسيا غير معترف بها من كثير من الدول الغربية .
أما إيطاليا فإن الصلات بينها وبين تركيا لم تتحسن كثيراً في العهد الفاشي . وقد كانت خطب زعيمها تشتمل أحياناً على إشارات إلي التوسع الإيطالي في الشرق ، اضطرت الحكومة التركية مرة على الأقل أن تحتج عليها بصفة رسمية . وهنالك أسباب ملموسة تجعل الجمهورية التركية توجس خيفة من روما ورجالها ، فإن ذكري تقسيم الأناضول بحيث يوضع الشطر الأكبر من الوطن التركي تحت نفوذ إيطاليا ، أمر ليس من السهل لأحد أن ينساه ، ووجود إيطاليا في جزر الدوديكانيز وفي جزيرتي رودس وكاستلاريزا ، على مرمي حجر من سواحل الأناضول ، شيء لا يمكن أن تطمئن إليه النفوس .
وقد حاولت ألمانيا النازية أن تستميل الجمهورية التركية بمختلف الوسائل ، حتى لقد أعلن رجالها أن الترك شعب آري ، وأن ألمانيا النازية قد اقتفت في نهضتها المثال الذي ضربته تركيا من قبل . غير أن تأسيس المحور ، والحلف بين إيطاليا وألمانيا ، جعل من المستحيل على تركيا أن تطمئن إلى صداقة دولة تربطها بإيطاليا كل هذه الصلات المتينة .
وهنالك سبب آخر جعل من المستحيل علي تركيا أن تتقرب من ألمانيا ، وهو أن دول المحور قد اتخذت من روسيا موقف العداء الصريح ، وأنشأت ميثاقاً ضد الشيوعية ، وتركيا لا تزال تذكر الخدمات الصادقة التي أدتها إليها روسيا في وقت لم يكن لتركيا بين الدول صديق سواها .
وهكذا نري من الطبيعي أن تركيا ، حين رأت أوربا تنقسم إلي معسكرين متعاديين ، وتظهر بوضوح مظاهر هذا العداء في الأعوام السابقة للحرب مباشرة ، لم تجد بداً من أن تميل إلي المعسكر الديمقراطي . وكان هناك خلاف حول سنجق الأسكندرية ، وقد سوى هذا الخلاف في أول الحرب الحاضرة مباشرة بضم هذا السنجق إلي الجمهورية التركية ، وبعقد محالفة المساعدة المتبادلة بين تركيا وفرنسا وبريطانيا ، ولم يعقد مثل هذه المحالفة بين تركيا ودول المحور . وهذا دليل صريح علي أن تركيا إذا التزمت خطة الحياد في الحرب ، فإنه سيكون حياداً مشربًا بالعطف الشديد على قضية الدول الديمقراطية ، واستعداد لمساعدتها مساعدة لا نعرف مداها على وجه التحقيق .
وقد خرجت فرنسا بعد ذلك من الحرب ، وأاسست حكومة فيشى ، واغارت إيطاليا في خريف سنة ١٩٤٠ على بلاد اليونان ، ولم يكن بين تركيا واليونان محالفة مساعدة مشتركة ، فظلت تركيا ملتزمة خطة الحياد .
وفي ربيع عام ١٩٤١ هاجمت ألمانيا بلاد البلقان لإنقاذ الجيوش الإيطالية من جهة ، ومن أجل التوسع الخاضعة لنفوذه من جهة اخري ، واستطاعت أن تحتل البلاد اليونانية وأن تصبح جيوشها على أبواب تركيا . ولا شك أن رجال السياسة في تركيا كانوا يخشون في ذلك الوقت أن يصل أذي الحرب إلي ديارهم وأوطانهم ؟
ولكن ألمانيا التي كانت تنوي القيام بحربها الهائلة على روسيا ، لم تشأ أن تجازف بالإغارة على تركيا ، واكتفت بأن عقدت ميثاق " عدم اعتداء " بينها وبين تركيا في شهر يونيو سنة ١٩٤١ .
وبالرغم من أن مثل هذا الميثاق لا تتعارض نصوصه الحرفية مع المحالفة المعقودة بين بريطانيا وتركيا في أول الحرب ، فليس من الغلو أن يقال إنه أضعف من شأن تلك المحالفة قليلا . ولم يكن بد من أن تنتهز بريطانيا أول فرصة لتعزيز صلاتـها بالجمهورية التركية ، وأن ترجو تركيا أن تأتي تلك الفرصة لكي تقوي روابطها بالدول الديمقراطية ، فلقد أصبحت دول المحور على أبواب تركيا . وفوق احتلال الإيطاليين لرودس أصبحت جيوشهم التي تحتل جزر ساموش وخيوس ومدلى ، تهدد سواحل الأناضول تهديداً شديداً ؛ وجيوشهم على الضفة اليمني من نهر مرتزا تهدد الولايات التركية في البلقان . وقد أصبحت بلغاريا أو حكومتها قابلة لتأثير دول المحور ، ولا يستطيع أحد أن يتكهن عما قد تقوم " جيوشها لو أن دول المحور أرادت أن تسلك نحو الجمهورية التركية مسلك الجور والعدوان .
إذا ذكرنا تطورات الحوادث وتعاقبها على هذه الصورة ، أدر كنا أن كلا الفريقين ، تركيا والدول المتحدة ، في حاجة إلي إحياء المحالفة السابقة ، وأن كليهما ينال فائدة كبيرة من تعزيز الدفاع عن تركيا ، ومن إحياء روابط
الصداقة بين الطرفين . وهذه الضرورة الملحة هي التي قضت بأن يتم هذا الاتفاق الجديد بتلك الصورة الرائعة التي لفتت الانظار .

