الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 283 الرجوع إلى "الثقافة"

الجهود الحرة، ونصيبها فى نهضتنا القومية

Share

الأصل في الأمم الديمقراطية أن يترك الناس أحراراً فيما يقومون به من أعمال ، وأن تضيق دائرة تدخل الحكومة في شئونهم حتى لا تمس حريتهم الخاصة ، ولا تقيد تصرفاتهم ؛ وفي ظل هذه الروح قامت النهضة الصناعية الكبيرة في تلك الأمم ، وأسست الشركات المختلفة التي امتد نشاطها  واتسعت دائرة أعمالها ، حتى صار لها من النفوذ والسلطان ما زاد في قوة حكوماتها ومد في سلطانها .

وظلت الحال كذلك حتى قامت الحكومات الدكتاتورية وأخضعت النظم الاقتصادية في بلادها لإشرافها ، ووضعت يدها علي كل موارد الأفراد والشركات جميعا لتحقيق خطتها المرسومة ، وهي إعداد المعدات الحربية التي كانت تبيت استخدامها في الحرب . ولما قامت الحرب بدأ

التباين الشديد بين إنتاج الدول الدكتاتورية والدول الديمقراطية ؛ فالأولى بحكم استعدادها المبيت ، وخطتها المرسومة في الإنتاج ، وتركيز موارد بلادها جميعاً في يدها ،

كانت أقدر من الثانية علي الإنتاج ، وأرجح كفة في الاستعداد ؛ ووجدت الأمم الديمقراطية انها لا مفر لها لإيجاد التكافؤ بينها وبين خصومها من أن تصطنع في مدة الحرب أسلوبا كأسلوبها ، وأمكن بالتعاون بين الحكومة ورجال الأعمال لديها أن تحقق إنتاجاً حربياً زاد على ما تنتجه الدول الدكتاتورية .

ولكن الأمر لم يقف عند هذا التغيير الذي اقتضته  الضرورة الحربية ، بل أحدث حركة فكرية كبيرة بدأت تعالج ما ينبغي أن تسير عليه الديمقراطية بعد الحرب ،

وهل تظل سائرة على أسلوبها القديم ، ذلك الأسلوب الذي يدع الأمور تجري في أعنتها تبعاً لآراء الأفراد الخاصة ، أو أن تزيد الحكومة في تدخلها وترسم الخطط العامة الكفيلة لسد حاجات البلاد .

فأنصار الحرية يرون أن الحرية وجندها هي الجو  الصالح للمتقدم ، وأن التدخل الحكومي من شأنه أن يشل التفكير ويقيد حرية الابتكار ، وأنه ينتهي بالأحوال إلي الجمود والتأخر ؛ فالحكومة لا تقامر مغامرة الأفراد ،

وليست لأنظمتها مرونة الأعمال الخاصة ، ولا يتحقق في مشروعاتها عامل المنافسة الذي هو سر ارتقاء كثير من المشروعات الخاصة . وأنصار تدخل الحكومة وقيامها بتنفيذ خطة مرسومة في الأمور الاقتصادية والاجتماعية ،

يرون أن ذلك وحده هو الوسيلة لتغليب الاعتبارات القومية في النشاط الاقتصادي والاجتماعي ، لا ترك الأمور لأهواء أفراد وشركات تسيرهم في تصرفاتهم مصالحهم الخاصة وحدها ، وقد تتعارض هذه ، في بعض الأحوال مع مصلحة البلاد ؛ وهو الكفيل بإيجار التوازن في ضروب النشاط والإقدام علي مشروعات جليلة النفع للبلاد ، لا يهتم بها الأفراد لقلة ما يعود عليهم منها من الريح ،

وهم يرون أن سياسة التدخل والخطة المرسومة أتت فالعجائب في روسيا وتركيا

والقوم على اختلاف آرائهم مجمعون على الحرص علي بقاء النظام الديمقراطي ، ولكنهم يرون أنه أصبح بحاجة إلي تعديل يزيل عنه الجمود ، ويجعله أداة فعالة في رقي  البلاد ونهضتها .

وتحسبنا بعيدين عن هذه المعركة ، وإن كان لا مفر لنا من التأثر بما ستنتهي إليه ؛ وظروفنا تختلف اختلافاً  كبيراً عن الأمم الصناعية التي تقوم فيها هذه المشاكل ؛ والجهود الحرة لدينا محدودة الدائرة ، ولكنها مع هذا كله قابلة للنمو إذا توليناها بالرعاية والتشجيع

بل إن هذه الجهود على قلتها قد أدت ومازالت تؤدي خدمة كبيرة للبلاد ، وفيما قام به المغفور له طلعت باشا حرب من تأسيس بنك مصر وشركاته ، وخاصة شركة الغزل ، أكبر مثل على مبلغ ما تستطيع الجهود الفردية أن تقوم به ، ولو وفق الله رجالاً آخرين فقاموا في بعض النواحي بما قام به طلعت حرب لسدوا حاجة البلاد في تلك النواحي ولوفروا جهودها لتبذل في غيرها من الشئون

ولو أن الحركة التعاونية التي قامت في هذه الأيام وضعت أسسها من قبل ، ودعمت ببنك تعاوني يمدها بحاجتها  وينظم نشاطها ، ليسرت مشاكل التموين الحاضرة ، ولحفظت  البلاد من السوق السوداء ، وأساليب ذوي النفوس الجشعة من التجار ومحترفي البضائع الذين يمتصون دماء الشعب في أعصب الظروف

والخطوة الأولى التي نرى أن تسلكها الحكومة في النهضة هي أن تشجع كل الحركات الاقتصادية والاجتماعية النافعة ، وأن تتولاها بحمايتها ، وتقدم لها المساعدات جهد طاقتها ، وأن تعمل على إيجاد بنوك تمولها، فتنشئ بنكا صناعيا ، وبنكا تعاونيا تساهم فيهما بأكبر نصيب ، وأن تنشئ لكل منها مكتبا من الخبراء الفنيين يرسم لها الخطط ويقدم لها المعونة الفنية ويرشدها عما يكفل نجاحها واطراد رقيها

أما نواحي النشاط الاقتصادي التي لا يتقدم لها الأفراد لجسامتها ، أو لقلة ما يتوقع منها من الربح مع شدة حاجة البلاد إليها ، فيجب على الحكومة ألا تتردد في القيام بها بنفسها ، ويصح إذا رأت أن تجعلها بعيدة عن الصيغة الديوانية أن تكل أمر الإشراف عليها لبنك وطني خاص ،

ويزيد في ضمان بعدها عن الصفة الحكومية أن تجعل لها أسهما يشترك فيها الأفراد . بقيت الجماعات الخيرية والثقافية والفنية ، وهذه الهيئات تحتاج لأن تعيد الحكومة النظر في أمرها ، وتعمل على أن

تكون هيئات قوية واسعة الأثر. وخير ما يجب أن تشير به على هذه الهيئات أن تتخصص كل منها في ناحية واحدة محددة ، تقصر عليها نشاطها بدلا من ذلك الإسهام والغموض  الغالب على أغراض كثير منها ، وتساعدها بنشر الدعاية القوية المنظمة لها على إنشاء فروع لها في مختلف الأنحاء ،  وترغيب الكثيرين في الاشتراك الفعلي فيها ، وأن تمدها مع هذا كله بمعونة كافية ، وأن تعمل جهدها على أن تحمل منها كل العبء ، فيما تقوم به من خدمة عامة في الباب الذي تخصصت به .

بهذه اللامركزية بتحقق اشتراك الشعب فعليا في هذا النشاط الاجتماعي ، ولمصير مهمة الحكومة تقديم الخبرة الفنية والمعاونة المادية ، والإشراف على سير تلك الهيئات العامة مع المحافظة على كيانها الخاص واستقلالها بأمورها

اشترك في نشرتنا البريدية