الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 650الرجوع إلى "الثقافة"

الجواهرى من ديوانه

Share

يسر " الثقافة " أن تقدم لقرائها هذه الدراسة الجيدة لمشاعر العراقى " الجواهري الذي تتبلور في شعره قسمات هنا العصر الذي نعيش فيه ، بأخلاقه ودوافعه ونوازعه بل يصور عصرنا هذا بما فيه من نقص في مقدار الثقافة الغربية التي لا مندوحة عنها لإنسان يعيش في القرن العشرين ، ونحن نوافق الكاتب الفاضل صاحب البحث على " أن قوة التصادم بين الشرق والغرب هي وحدها التى تفتح الأعين المغلقه في الشرق والغرب ، فما من مرة احتك فيها الشرق بالغرب إلا وخرج من احتكاكهما ضوء أنار العالم ، وما من مرة تلاقى فيها وجه الشرق بوجه الغرب ونظر أحدهما في عين الآخر إلا وأبصر جمال نفسه كأنه ينظر في مرآة " . " الثقافة "

هذه دراسة كتبت محاضرة القيت في مدينة الموصل في ضحي عام ١٩٤٩ أى قبل ميلاد ديوان الجواهري الأخير ، ولكن لم ييسر لها أن تنشر في ذلك الحين لأسباب لا محل لذكرها الآن ، ونظرا لزوال تلك الأسباب ورغبة في استكمال البحث اثرنا نشرها بعد تحوير أسلوبها الخطابي عازمين على أن نقوم في المستقبل بدراسة جديدة لهذا الشاعر من ديوانه الحديث موازتين بينه في ديوانيه .

والآن لننظر في الديوان لنري أنه قد طبع عام ١٩٣٥ ميلادية ، وأن ميلاد أقدم قصيدة فيه هو عام ١٩٢٠ ، فالديوان إذا يمثل شعر الجواهري وشخصيته في الخمس عشرة سنة المحصورة بين عامي ١٩٢٠ و ١٩٣٥ ، ونحن إذا تصفحنا هذا الديوان ألفيناه فوضى مواضيع ومشتجر قصائد لا تجمع بينها وحدة الغرض ، ولا يقربها من بعضها تاريخ النظم ، وهذه الفوض في ترتيب قصائد الديوان سوف تطلعنا على الفوضي في عواطف شاعرنا والاضطراب في ميوله وأهوائه . وسوف لا ينجينا من هذه الفوضي ومن هذا الاضطراب إلا المقدمة حيث تأخذ بيدنا في أناة وسهل فتصنف لنا الديوان إلى أصناف أربعة هي : الشعر السياسي ، والشعر الاجتماعي ، ثم شعر الوصف ، ثم الأدب المكشوف .

على أنه لا ينبغي أن يفهم مما قلناه سابقا أن شاعرنا إنسان معقد مبهم لا يكاد يستوعبه ذهن أو ينفذ إليه فكر ، فصاحبنا وإن كان بحراً لجياً في عواطفه الزاخرة القلقة المتناقضة إلا أنه مع ذلك سهل الفهم سريع الانكشاف ؛ ذلك لان صريح والصراحة تؤدي بصاحبها إلى الصدق . والصدق أكبر ميزات الشعر والشاعر ، فإن أصدق الشعراء فناً وحياة لمن تعرفه بديوانه وتعرفه لديوانه .

الواقع أن صراحة شاعرنا الحبيبة قد أضفت على شعره لوناً رائعا من الصفاء والوضوح ، لأن الصراحة تصحبها الجرأة - وجرأة شاعرنا قوية عنيفة صاخبة كما سنري - كما أنها تعلم صاحبها إلى أن يكون نقي القلب سليم الطوية مكشوف العواطف والميول ، وهكذا لازمت الصراحة ديوان الجواهري في جميع أبوابه وأغراضه من مبدئه إلى منتهاه ؛ فشاعرنا كان لا يملك إلا أن يهتف بالحقيقة مع كامل يقينه بما يحمله ذلك من ضروب الأذي والإرهاق :

هتفت وما أنفك أهتف صارخا

                          ولو حرموا مسي ، ولو حللوا دمي

وهو ما يبرح مناديا بأعلى صوته رغم كل بلاء :

ديدني تصوير ما في خاطري

                           وأنا مغري بهذا الديدن

أنا من أجل لساني مبتلي

                           رغم إحساسي يعيش خشن

هذه الصراحة وهذه الجرأة ، أو بعبارة أخرى هذه الصراحة الجريئة هي التي مكنت له أن يعطينا صورا واضحة صادقة للعصر الذي عاش فيه من ناحيتية السياسية والاجتماعية ، وسهلت لنا أن نتفهم تلك الصور من دون عنت ولا إرهاق؟ فهو حين يصف لنا ما كانت عليه البلاد من التدهور

السياسي والاضطراب الخلقي، وما كان عليه زعماء البلاد من إيثار للصوالح الخاصة على الصوالح العامة ، فإنه يعرض ذلك بأسلوب جلى جريء متحد لا لبس فيه ولا إبهام ، فيقول :

ولو كنت من أهل السياسة لم أدع

                                سناما لمن ارتاب فيهم وغاربا

تخذت الوري بالظن أحصى خطاهم

                                ورحت لدقات القلوب محاسبا

ولم أر في الإثم الفظيع أقترفته

                              سوي أنني أديت للحكم واجبا

فإن لم أطق تهديم بيت مصارحا

                                   أتيت فهدمت البيوت مواربا

لجأت إلى الدستور في كل شدة

                                أفسر منه ما أراه مناسبا

وجردته سيفا امض وقيعة

                           من السيف هنديا وأمضي مضاربا

أكم به الأفواه حقا وباطلا

                             وأخنق أنفاسا به ومواهبا

أهدم فيه مجلسا لا أريده

                        وإن ضم أحرارا غيارا أطايبا

وأبني عليه مجلسا لي ثانيا

                         أضيع ألكاكاً عليه رواتبا

وأحشد فيه أصدقائي وأسرتي

                     كما ضم بيت أسرة وصواحبا

وهو حين يصور لنا حالة الحاكمين والطرق التى جاءوا بها إلى الحكم وكيف أنهم ما كانوا يحطون به لو أن الأمور سارت سيرها الطبيعى ، وكانت مقاييس المواهب والكفايات صحيحة ، إنه عند ذلك لا يسعه إلا أن ينادي بأعلي صوته :

أقول لمرعوب أضل صوابه

         تردي نظامات تضل وترعب

ألا إن وضع النهي والأمر عندنا

         غريب وأهل النهي والأمر أغرب

تداول هذا الحكم ناس لو انهم

                           أرادوه طيفا في منام لخيبوا

ودع عنك تفصيلاً لشتي وسائل

                   بها ملكوا هذي الرقاب وقربوا

فأيسرها أن در أطيل امتهائهم

                         إلى أن أدروا ضرعها وتحلبوا

هكذا صور لنا الجواهري حالة البلاد السياسية بكل صراحة وبكل جرأة ، فلم ينكر على نفسه أن يتناول أدق المسائل بالنقد والتجريج ، لأنه يعلم أنه مسئول في ذاك أمام الضمير ، والضمير الحر هو كل ما يملكه الإنسان الشريف في هذه الدنيا . ولئن كان شاعرنا في شعره السياسي على هذه الشاكلة من الجرأة في القول والصراحة في التعبير ، فإنه في شعره الاجتماعي أكثر صراحة وأمضى جرأة ؛ ذلك أن الميدان الاجتماعي عادة أوسع من الميدان السياسي وأن الضغط على اللسان في الشعر الاجتماعي في عامة الأحوال أخف منه في الشعر السياسي ؛ لهذا كانت الصور الاجتماعية التي قدمها إلينا الشاعر واضحة للعالم متعددة الألوان بارزة الخطوط متماسكة المعاني ، فهو يرمي مجتمعه بعدم الاستقرار الخلقي ويتبلبل مقايبس الأمور ، فالمنافع محامد والحرمان منها معايب ، وإن ابن آدم ثعلب لا تدري من يفترسك ، وإن ثمة من يسمى الجور حزما وحكمة ويعد المخازي مناقب . وإن الغش والكذب والنفاق والظلم قد نشرت ألويتها بين الناس ، وإن النبل والإباء والشهامة معان لا وجود لها في قاموس المجتمع . وإن الشعب بات يقاسي ألوانا قاسية من الفقر والجهل والمرض ، وألوانا قاسية من الفوضى وطغيان النفعيين والخونة وسماسرة الوطنية . فينطلق مندداً بهذه الأوضاع مطالباً بوضع الأمور في نصابها ، وحين لا يجد لكلامه واعياً يثور ، ويروح بطلب إلي القارئ أن يتجنب الشرف لأن فيه حتفه ، وأن يلتزم المخازي لأن فيها نفعه ، ويمضي في قوله ذاك وقلبه يقطر دما : دع النبل للعاجز المقعدد         وما اسطعت من مغنم فازدد ولا تخدعن بقول الضعاف    من الناس إنك عف اليد فإنك لو كنت محض الإباء   ومحض الشهامة والسؤدد

وأعطيت في الخلق طهر الغمام

                           وفي الفضل منزلة القرقد

شريفا تشير إليك الأكف     وتنعت بالعلم المفرد

لما زاد حظك من عيشة     على حظ ذي العاهة المقعد

ولما كان الأمر كذلك فإنه يهيب بصاحبه والألم يعتصر فؤاده :

إليك النصيحة من مصطل   بنار التجارب مستحصد

رد العيش مزدحم الضفتين    من الغش ملتحم المورد

وجل فيه أروغ من ثعلب     وأشجع من ضيغم ملبد

وأنت إذا لم تماش الظروف     على كل نقص حريب ردى

ثم يذهب مصارحا قارئه كاشفا له عن دخائل الناس  تبريرا لنصائحه السابقة :

إذا ما مخضت نفوس الرجال                من الأقربين إلى الأجد

وأوقفت نفسك للمدعين                       سمو التقاصد بالمرصد

تيقنت أن الذي يدعون                       من المجد للآن لم يولد

هم الناس لا يفضلون الوحوش              بغير التحيل للمقصد

وما دام الناس على هذه الشاكلة فلا بد أن يحذرهم المرء وان يأخذ للأمر أهبته :

فلا تأن ساحة هذي الذئاب                  تنازلها بفم أدرد

وخذ مخلباً لك من غدرة                     ونابا من الكذب فاستأسد

ولا تتدين بغير الرياء                        وغير النفاق فلا تعبد

ولكن شاعرنا تضيق نفسه أخيراً بهذه الأوضاع المزرية ويتنزي به ألمه فتحمله الثورة على أن يصيح بقارئه :

وصل على سائر الموبقات             صلاة المحالف لمسجد

ومااسطعت فاقطع يد المعتدي        عليه وقبل يد المعتدي

ونفسك في الخير لا تبلها             وعقلك في الخير لا تجهد

هذه إحدي صور المجتمع الذي عاش فيه شاعرنا . ما كان له ان يهمل تصويرها وهو الشاعر الملهم الذي تتجاوب في نفسه أصداء المحيط الذي يكشفه . وتناوح في أجواء روحه المآسي التي ترتكب على مسرح البيئة . وأبي له أن يسكت وهو الذي يعد السكوت للشاعر بمثابة الحكم عليه بالإعدام :

وعندك قوة التعبير عما             تحس وميزة الشعراء نطق

حياتك أن تقول ولو لهائا           وحكم بالسكوت عليك خنق

وكيف له أن يسكت والتفرقة بين مواطنيه تتخذ كل يوم شكلا جديداً ولوناً مستحدثاً ، فهي في يوم نعرة عنصرية تفرق بين أبناء البلد الواحد ، وهي في آخر نعرة طائفية تفرق بين أبناء الدين الواحد ، وهذه النعرات إن

أثارها المستعمر لمآربه الاستعمارية ، فإنما يستغلها ذوو المطامع والأغراض من أبناء البلاد أنفسهم لتطمئن رغباتهم الدانية . إن شاعرنا تجاه تلك الأوضاع لا يملك إلا أن يجأر :

لم يخل درب من عراقيل              ولم يسلم ممر

باسم البلاد يجل من                   جر البلاد إلى خطر

ويرغم أنا قد تزعم                    عندنا حتى البقر

تهتاجنا النعرات طائشة وينجح من نعر وكيف نأمل من شاعرنا السكوت وهو إن نظر إلي الشباب - وهم عدة الوطن - ألقاهم وقد أمات اليأس نفوسهم وباتوا لا يتفوهون إلا بالشكوى ؛ وهو إن تلفت يمينا وشمالا غابت عن عينية تلك النفوس الحرة التى تحتضن الحر وتجني ثماره فيولول من كبد حري :

أعلى هذه النفوس من اليأس

             استكانت مستقبل الشعب بيتي

خدعة هذه المظاهر ما في القوم

                   فرد يعيش عيشا مهني

الثياب الفرهاء رفت عليهم

                 كضماد غطي جروحاً وطعناً

والأحاديث كلها تشتكي ( الوضع )

                        وفصل الخطاب أنا ( يئسنا )

لا نظام حر فيرعي الكفاءات

                       ولا من يقيم للحر وزنا

عكست آية الفضائل فالأعلى

                       مقاماً من كان في النفس أدنى

وهناك أيضا صور أخري غير هذه للمجتمع الذي عاش فيه شاعرنا صورها جميعا بصراحة وجرأة وصدق فأجاد تصويرها ، إلا أننا نتجاوزها معتقدين أن ما عرضناه فيه الكفاية لتتمثلوا رأينا الذي ذهبنا إليه . على أن هناك أمراً هاما يستوقف نظر الباحث المدقق ، وهو أن هذه الصراحة الجريئة في شاعرنا تصحبها صفة أخرى عميقة قوية أيضا ، هي هذا التشاؤم الذي يشيع فى كل بيت من أبيات الديوان والذي اشتد حتى أصبح بأساً فانما لا تحلو الحياة معه ولا تطيب . فنحن ما نراه إلا نائحا باكيا حتى فيما لا موضع

للنواح فيه ، وحتى أصبحت الشكوى صفة لازمة لأشعاره . وهذا التشاؤم في شاعرنا وإن كان هادئا وادعا في بعض الأحيان إلا أنه متمرد تأثر على الدوام . فالانقباض إن صاحبته الصراحة والجرأة أصبح تمرداً وثورة .

ولقد يقال في تعليل هذه الظاهرة من شعر شاعرنا إن الوضع السياسي المتقلقل في البلاد ، والعبودية الاستعمارية المفروضة على الشعب هما اللذان صبغا شعره هذه الصبغة الحزينة . أليس هو القائل :

ولا تعجبوا أن القوافي حزينة

                     فكل بلادى في ثياب حداد

وما الشعر إلا صفحة من شقائها

                        وما أنا إلا صورة لبلادي

ولقد يقال إن الأزمة المالية الخانقة الأخذة بتلابيب شاعرنا هي التي وضعت على عينيه تلك النظارة السوداء . فنحن نراه يشكو العوز في أكثر من موضع من الديوان ، ولعله حين كان يخاطبنا :

كيف يستطيع رسم شكل المسرا

                       ت تزيل في غرفة مثل لحد

تائه في حياته ليس يدري

                       أي باب إلي السرور يؤدي

فأروني رفاهة ونعيما

                     لأريكم تصوير جنة خلد

أقول لعله حين كان يخاطبنا بتلك الآبيات كان يصب علينا اللعنات صباً لتخاذلنا عن تقويم معاش شاعر نذر نفسه قرباناً لشرف بلاده حتى أسلمه ذلك إلى العوز وحتى بلغ به ذلك العوز أحياناً إلى أن يتزلف باشعاره إلى من لا يحسن تقديرها ولا يفقه روائعها .

ولقد يقال أيضا في تعليل تلك الظاهرة إن إهمال التقدير للشعر والأدب في البلاد ، ونكران فضل الشعراء والأدباء والزواية بهم مع ما يحتمل في نفس شاعرنا من الطموح لنيل الصدارة بين شعراء العراق ، كل ذلك دفع به إلى الشكوي والتألم بعد أن أصبح الوضع على حالة :

إن الأديب وإن الشعر قدرهما

                  مطرح بين منبوذ ومسبوب

أعلي من الشعر عند القوم منزلة

                                نفخ البطون وتطريز الجلابيب

وبعد أن أصبح إذا تلفت حوله متبيناً موضعه وإخوانه الشعراء والأدباء من هذا الوطن الذي رفعوا بنده عالياً في سماء الفن والجمال ، ما يعتم أن يرجع الطرف دامعا والقلب كسيرا فيئن أنين الثكلي :

أيجفوني الوري حتى صحابي

           وتنبو الأرض بي حتى بلادى ؟

ومن عجب تضيعني وذكري

                        تردده المحافل والنوادي

وكيف لشاعرنا ألا يبكي حالة الأدب والأدباء وقد بات يشار إلى الشاعر العراقي :  

ذاك أديب مات اضطهاداً

                   ذاك هو الشاعر العراقى

إنه كلما تذكر هذا وأبصر ذاك يعود لثورته الداوية ليترجم عن شقائه وحرمانه في أنغام من الألم المرير أنغام الفنان المهموم الذي يبحث عن الهم في الشعر فلا يجده فيبحث عن الشعر في الهم فيصرعه . قلنا لقد يقال إن الفوضى السياسية والاجتماعية في البلاد ، والعوز المادي الذي كان عليه الشاعر ، وكذلك إخلاصه لفنه الذي لم يجد من يقدره ، وطموحه الذي لم يلف من يحققه له ، اثرت كل أولئك منفردة ومجتمعة في نفسيته ، فطبعتها بذلك اللون القاتم من الشكوي المتمردة . وهذا القول فيه كثير من الصواب ، فالحق أن لهذه الأمور مؤثراتها في نفسية شاعرنا وفي طبعه ، ولكنها عوامل مساعدة وليست مبدعة . ذلك أن الحزن والانقباض - في نظرنا - طبع أصيل في هذا الشاعر كونتهما عقد نفسية منذ طفولته لا نستطيع تحديدها لجهلنا تلك الحقبة من تاريخ حياته . ولعل مما زاد في وطأة هاتين الظاهرتين - الحزن والانقباض - حتى أصبحتا تشاؤما مريراً تحزز أعصابه ورهافة حسه . أما الفوض السياسية والاجتماعية في البلاد أو عوزه المادي أو إغفاله كشاعر فنان فهي وسائل ينفس بها شاعرنا عن تلك العقد الكامنة في أغوار نفسه . لنسمعه وهو يصف سامرا في قصيدته التي أسماها ( الطبيعة الضاحكة ) كيف يستهلها بهذا النواح :

ودعت شرخ صباي قبل رحيله

                           ونصلت منه ولات حين نصوله

ونفضت كفي من شباب مخلف

     إبراقه للعين مثل ذبوله

وأري الصبا عجلا يمر وإنني

    ساعدت عاجله على تعجيله

يأس تجاوز حده حتى لقد

   أمسيت أخشى الشر قبل حلوله

وصلدت حتى لا ألذ بمفرح

                      حذر انتكاسته وخوف عدوله

فالإنسان الذي يبلغ به طبعه إلى أن لا يري الأمور إلا أنها شر وان المسر منها لابد صائر إلى ما يسيء ، أقول إن إنسانا مثل هذا هل يتصور أن يدفع الحزن إليه دافع من غير ذات نفسه ؟ ولعل أبا فرات يؤيد رأينا هذا الذي ذهبنا إليه حين يقول :  

وأظنني فسد كنت أروح خاطراً

                      بالحطب لو لم أعن في تأويله

لكن شغفت بأن أقابل بيته

             أبدا وبين خلافه ومثيله

وشغلت بالي والمصيبة أني

           أجني فراغ العمر من مشغوله

ولكن مالنا نذهب إلى التأويل والاستنباط وصاحبنا يعترف برأينا فيه ويعجب من نفسه كيف خلق هذا الخلق فيسألنا برفق ولين :

خبروني فإنني من لباناني

                              وعيشي رهين أمر عجاب

أي حال هذي وما السر في

                         تكوين خلق بهذه الأعصاب

أبدأ ينظر الحوادث والعالم

                             والناس من وراء ضباب ؟

وإنه ليعترف لنا بهذا أيضا في موضع آخر حيث يقول إن شعر الشاعر قطعة منه وصورة له :

ما الشعر شئ خيال المرء ينظمه

                                   لكنه قطعات من سجاياه

فما دام الأمر كذلك فإن ما ذهبنا إليه من الرأي يصبح حقيقة ثابتة

للبحث بقية

اشترك في نشرتنا البريدية