تناول أحد الكتاب الأفاضل خطاب العرش ، فنقده نقدا أدبيا طريفا على صفحات " الرسالة " غير أنه أنكر ما جاء فى هذا الخطاب من أن عهد محمد على باشا كان أول عهد لظهور الجيش المصرى فى الوجود
ولكن التاريخ يحدثنا بوضوح أن مصر لم يتكون فيها جيش مصرى صميم من ابنائها الخلصاء قبل عهد محمد على باشا الكبير بزمن طويل . ولا يمتد هذا الزمن إلى الفتح العربى فحسب ، بل إلى ما قبل ذلك أيضا . إنه يمتد إلى حكم البطالسة لهذه الديار. فمنذ حكمت مصر الملكة كليوبترا ، وأدت سياستها إلى الاحتلال الرومانى حوالى سنة ٣٠ قبل الميلاد ، فقضى بذلك على جيش مصر قضاء مبرما . وظلت البلاد مزرعة للرومان نحو ٦٧٠ سنة حتى استنقذها منهم العرب ، ومن هنا انتقل إليهم أمر احتلالها حتى ولوا أمرها أحمد بن طولون سنة ٢٥٤ ه وذلك فى خلافة العباسيين
وأحمد بن طولون رجل تركى ، ولكنه صنع بهذه البلاد كما صنع محمد علي باشا من بعده إذ أداه بعد نظره إلى إصلاح مرافقها والسهر على مصالحها وتدبير أموالها وتثميرها وتكوين جيش قوى لها . ثم أعلن الناس باستقلالها
هذا ما صنعه ابن طولون ، غير أن أبناءه لم يحافظوا على استقلال مصر كما حافظ ، ولم يدافعوا عنها كما دافع . أما أبناء محمد على باشا فقد حافظوا على هذا الاستقلال ودافعوا عنه ، ولا يزالون مدافعين ... ليس هذا كل الفرق بين الرجلين ، بل هناك فرق لا ينسى ، وهو أن بن طولون لم يستخدم فى جيشه جنودا مصرية من صميم ابناء البلاد كما فعل محمد علي ، بل كان جيشه من المماليك الأتراك الديالمة . وقد أخطأ بعض المؤرخين المعاصرين ودونوا في الكتب المدرسية الحالية أن أول من استخدم المماليك الأتراك فى مصر وجلبهم إليها واستعان على تثبيت سلطانه ، خلفاء الفاطميين تشبها منهم ببنى العباس . والواقع أن أول من فعل ذلك هو أحمد بن طولون ، فقد ذكر القلقشندى فى صبح الأعشى ما نصه عند الكلام عن ابن طولون : " وفى أيامه عظمت نيابة
مصر وشمخت إلى الملك . وهو أول من جلب المماليك الأتراك إلى الديار المصرية واستخدمهم فى عسكرها" . وقال ابن إياس : " قال ان وصيف شاه : فلما تم أمر الأمير أحمد بن طولون فى ولايته على مصر واستقامت أحواله بها استكثر من مشترى المماليك الديالمة حتى بلغت عدتهم أربعة وعشرين ألف مملوك "
وبعد قليل فتح الفاطميون مصر سنة ٣٥٨ د فاشتهروا باستخدام كثير من الجنود المرتزقة من أمم شتى ، فتكون الجيش فى عهدهم من اتراك وعرب ومغاربة ومصامدة وصقالبة وروم وعبيد وغيرهم . وكان عدم التجانس بين فصائل الجيش الفاطمى سببا قويا لنزاع طال بين هذه الأجناس أدى إلى زوال الدولة
وخلفها صلاح الدين الأيوبى عام ٥٦٧ ه فقضى على نظام الجيش الفاطمى المضطرب ، ورغب فى توحيد جنس فصائل جيشه ، ولكنه بدلا من أن يتجه إلى أبناء مصر فيتخذ منهم حاجته من قادة وجند ، إستعار ذلك من الجنس الكردى
وفى أواخر الدولة الأيوبية استكثر الملك الصالح الأيوبى من شراء المماليك الأتراك ونشأهم تنشئة عسكريه وأطلق عليهم اسم ( البحرية ) وهم الذين انتزعوا حكم البلاد من يد الأيوبيين سنة ٦٤٨ ه وأسسوا دولة المماليك ...
وفى عهد هذه الدولة الجديدة أصبح شراء المماليك الجدد وتزويد الجيش منهم سنة متبعة لبث زهاء ثلاثة قرون انقسمت فيها جنود المماليك إلى طوائف متنابذة كان تنابذها وبالا على مصر ، على الرغم من خدماتها الجليلة التى يعترف بها التاريخ
وقد زالت دولتا المماليك بواسطة الاحتلال العثمانى عام 923 م ولم يعد فى مصر جيش خاص بها لا من ابنائها ولا من الطارئين عليها . وتضافرت عليها الكوارث فى ذلك العهد البغيض حتى أنقذها من براثن العثمانين هذا العصامى النابه محمد علي باشا . وكان من جملة ما قام به وفى مقدمة حسناته إلى مصر أن دفع أبناءها إلى ميدان الجندية وفتح لهم المدارس الحربية وعرس فيهم معنى المصرية الصحيحة ونبه روح الإقدام والتضحية ونال من وراء ذلك جاها عريضا وملكا كبيرا . وعاد جيش مصر لأول مرة فى التاريخ بعد زمن البطالسة

