في العدد ) ١٧٠ ( من الثقافة كتب الأستاذ محمد خلف الله من الحجاج ، وعرض لما يبدو في شخصيته من تناقض ظاهري ، إذ جمع في شخصيته بين القسوة والفتك وإراقة الدماء من جهة ، وبين التدين والوعظ وقراءة القرآن والأقتباس منه من جهة اخري ،
ولقد أصاب الأستاذ حين رفض تفسير الحسن البصري الذي ذهب إلي انه " يوافق الله في قوله ويخالفه في فعله مشيرا إلى أنه لا يصدر في وعظه عن صدق شعور ، فالحق أن خطابته الدينية أشد حرارة وأبلغ أثرا من أن تكون تكلفا وادعاء ، وإنما هي فيض نفس نؤمن كل الايمان ما تقول ، فتملك قوة التعبير وقوة الايحاء
وقد فرض الأستاذ لتفسير تلك الظاهرة فرضين يقبلهما : الأول أن الحجاج " كان ذا شخصيتين مستقلتين تحيا كل منهما حياتها الخاصة أي أنه مثل قديم لشخصية " دكتور جيكل ومستر هايد " . ولقد حركني هذا الغرض ودفعني لكتابة هذا المقال ، فهو ليس بالفرض الهين ، إذ انه يعرض لمشكلتين خطيرتين إحداهما وحدة النفس الانسانية ، وهل يمكن ان توجد في الهيكل الواحد شخصيتان منفصلتان بل متناقضتان والمشكلة الأخرى هي مشكلة فهم الأدب " كنقد للحياة ، نقد من الخير أن تتبين إلي أي حد يطابق الواقع أو يعدوه ليعيننا على فهمه .
والذي أراه في موقفنا من الأدب أن ليس لنا أن نفهمة على ظاهره ، وان نري في اداة التعبير جوهر الفكرة ، وليس لنا ان نطالبه بأن يعرض لنا الحقيقة عارية ، الحقيقة كما تنقلها الآلة المصورة ، فإنه حينئذ لا يكون قد أدى رسالته ، بل لا يكون أدبا على الإطلاق . إنما الأدب يصور ما نشاهده كل يوم دون أن نراه،
أو يسرع في عرض ما يمر بطيئا متباعدا مفككا ، فتدركه وحدة متفاعلة متماسكة ؛ او ببطئ في تصوير ما يمر سريعا متلاحقا حتى ليفلت منا ، فتراه واضحا جليا مفضلا ؛ أو هو يتسائل إلي النفوس ويشق الحجب ويطلعنا على الأسرار والدوافع التي لا تدركها كل نفس سوى نفس الادب النافذة . واخيرا هو قد يمد إلى التجسيم والتهويل ليبرز الفكرة ويطبع الأثر . وليس لنا أن نأخذ حديثه على أنه الحقيقة بذاتها ، بل له الرمز ولنا ما وراءه ، له أن يعمق الألوان حيثما أراد ، ويركز الأضواء حيثما ابتغي ؛ له ان يفصل بين ما تداخل وتراكب حتى يقيم من اجزائه وحدات مستقلة تلوح متمايزة للعيان فتستحوذ منها على الانتباه ، وتستثير التجاوب والتأثر وهل رأينا أحدا في الحياة الواقعة يتحدث إلي نفسه ؟
ولئن تحدث فبغير كلمات ، أو هي كلمات لا تهمس بها شفة ولا تسمعها أذن ؛ ولكن في المسرح ، أما نري المثل يطالعك بخطرات فكره وخلجات نفسه في مناجاة عقلية مسموعة له ولك ولآلاف المشاهدين ؟ وما ذلك إلا ليجسم لك الواقع فيستثير وجدانك ويطبع اثره في نفسك فالإبراز والتشخيص - وإن اختلفت طرقهما من وسائل الادب التي لاغني عنها ، بل من وسائل الفنون جميعا .
وعلي ضوء هذه الحقائق أحسب أن مؤلف " دكتور جيكل ومستر هابد " لم يقصد إلي ان النفس الانسانية يمكن أن تحل بها شخصيتان " مستقلتان تحيا كل منهما حياتها الخاصة " . بل أظنه رأي ما في جوانب النفس الواحدة من تباين قد يبدو تناقضا ، وراي كيف يصارع الخير والشر ، وكيف يتعاقبان على الانتصار حتى تكون لأحدهما الغلبة في النهاية ؛ فأراد أن يحسم تلك الحقيقة ، فاصطنع للرجل شخصيتين يلبس إحداهما فيصير ماردا شريرا ، ويلبس الاخري فيصبح خيرا رحما . وليس أول على أنه إنما قصد إلى التجسيم فحسب من ان المؤثر في
تحول رجله لم يكن تفكيرا يطوف بخلده أو عاطفة تمتلئ بها نفسه أو أي مؤثر من المؤثرات الانسانية ، بل سائلا كيمياويا يفعل فعله السحري العجيب ؛ فهو قد سار مع فكرته إلى النهاية ، إذ رضي لتلك النوازع التي تميل بالنفس نحو الخير طورا ونحو الشر تارة بهذا السائل الكيمياوي ، كما رمز للقوتين اللتين تسيطران على النفس بهاتين الشخصيتين المختلفتين . فالكاتب إذا قد قصد إلي تقلب النفس الواحدة وترددها بين الخير والشر تبعا للنزعات والأهواء المختلفة ، لا إلى وجود شخصيتين متغايرتين تفعل إحداهما الخير على الدوام ، وتفعل الثانية الشر على الدوام ، وتحيا كل منهما حياتها الخاصة ، لا تؤثر ولا تتأثر .
وفي الحق أن النفس الإنسانية لأدق وأكثر تعقيدا من ان توجد فيها مثل هاتين الشخصيتين المنفصلتين كل الانفصال ، إذ هي كالجسم الانساني ذاته ، كائن مركب معقد ، ذو غدد وأجهزة لا حصر لها ، يقوم كل بوظيفته الخاصة ، ولكنه ليس بمعزول عما سواه . بل نراه يتفاعل ويتفعل ، ولا يستطيع الاستقلال بمهمته . كما أنها ليست من البساطة بحيث تظل ساكنة جامدة لا تتحول ولا تهتز أمام الأهواء والأعاصير . فما من نفس تطمئن إلى حال واحدة ، وما من نفس تثبت على إيمان لا يساوره شك ، أو شك لا بداخله يقين ، بل هي نزعات متشابهة
تنقلها من حال إلي حال في صلات دقيقة خفية ، وذلك دأبها أبدا ما دامت لها صفة الحياة . ولقد دعا موسي ربه من قبل : " قال رب أرني انظر إليك " أو لم يكن من المؤمنين ؟ ولكن النظر إلي الظواهر هو الذي يجعلنا نري في النفوس تناقضا . أما الناقد المتأمل فيستطيع ان يحس خلفها العلاقات الدقيقة الخفية ، وأن يري الطريق الذي سارت فيه النفس من حال إلى حال دون ان تظفر أو تتغلب .
فالنفوس الانسانية - ونفس الحجاج من بينها - لا يمكن ان تنطبق عليها رواية " دكتور جيكل ومستر هابد " كما تفهمها فهما ظاهريا .
على أن نفس الحجاج لم تكن أيضا من تلك النفوس التي تجنح إلي الكفر فتطغي ، ثم إلي الإيمان فتنيب ولم يكن " على قدر إسرافه في قسوته يكون شعوره بخطيئته وزهده في دنياه ، كما يقول الأستاذ في غرضه الثاني . كلا ، بل لم يكن الحجاج نادما قط ، ولم يشعر مطلقا أنه أخطأ في جبروته ، بل لقد كان تقيا صريح التقوي ، وفي كل الأحوال ، ولكن . . على طريقته هو وكما يفهم الدين واوامره ونواهيه . ومن قال إن الدين الواحد لدي الناس جميعا - حتى الاتقياء منهم
سواء ؟ فما دام الانسان متأثرا في فهمه وتأويله بحياته وطبيعته وظروفه ، فلا سبيل للاتفاق المطلق ؛ فهذا كافر عند فريق ، ورع عند فريق . ولقد كفر الخوارج كافة المسلمين ، وأدخلوا في الدين أحكاما وأوضاعا أمنوا بها واقتنعوا ، واهدروا في سبيلها الدماء والأموال ؛ فأي الفريقين كان إذا من الكافرين ؟ !
ولكن الحجاج قد فهم الدين ، وفهمه على أنه الطاعة ، فمن عصى فقد كفر ، ومن كفر فقد حل دمه . إذا فقد كان الحجاج يقسو عن بينة ، ويري أنه إنما ينفذ مشيئة الله ويسعى لطاعته ؛ أفلم يأمر جل شأنه بطاعة اولى الأمر ؟ فما لأهل العراق العصاة البغاة ؟ ! أفلا يرجعهم إلى الجادة ؟
وقد ورد في خطبة له بالبصرة أنه قال : " قال الله تعالى ) فاتقوا الله ما استطعتم ( فهذه لله وفيها مثوبة ، وقال واسمعوا واطيعوا ( وهذه لعبد الله وخليفة الله وحبيب الله عبد الملك بن مروان . أما والله لو امرت الناس ان يأخذوا في باب واحد فأخذوا في باب غيره لكانت دماؤهم لي حلالا من الله " .
إذا هو يري الدين طاعة ، وطاعة عمياء في كل صغيرة وكبيرة ، فخفي في رأيه ما يصطنع من أسباب . وليس لنا ان نسأل أخطأ أم أصاب ، بل هل فعل ما فعل عن إيمان واقتناع أم اتخذه سلما للأغراض . والحق أنه قد أخطأ ولكن عن يقين .
ولقد كان الحجاج مستعدا لذلك النوع من الفهم إذ كان تابعا لعبد الملك بن مروان ، وهو الذي رفعه إلي تلك المنزلة السامية ، فرأى في طاعته كل شئ . ثم تملكته شهوة الطاعة ، طاعة المحكومين للحاكمين . ومتى استبدت بالمرء شهوة فقد عمى عما عداها ، خصوصا إذا كان رجل عمل كما كان الحجاج لا رجل فكر . رجل عمل يريد أن تستقر الأمور وتسير في طريقها مهما اتخذ من اسباب ،
لا رجل فكر يقلب الأمر ويمعن النظر ، فيري الأشياء من كافة الوجوه فتدخل نفسه السماحة ولا يملك التعصب لوجه دون آخر إلا في كثير من الرفق والحذر ؛ وإذا رأي هواء قد تثبت ما بدا لعقله خاطئا حمل نفسه بشتي ألوان الرياضة على أن تطمئن للحق . وذلك رياضة لا يفطن لها ولا يصبر عليها إلا قليل .
هذا ، إلي أن عصره وما فيه من فتن مع منزلته التي جعلته من الناس حاكما ، قد دفعته إلى ان ينشد استتباب الأمن والنظام ، وان يستأصل الفتن مهما دفع من أثمان . وأي حاكم يريد الفوضي في دائرة حكمه ؟ وأي حاكم يغضب عن الفتن والقلاقل ، ويرضى عن المروق والعصيان ؟ إذا لما قدر له أي نجاح .
ولرب قائل يعترض : لم يصطنع الحيلة والسياسة ؟ ولكني ما أظنها كانت تنجح مع كل الطوائف ، فالخوارج وهم ماهم ، واستمساكهم بعقائدهم على ما تعلم ، ما احسب السياسة كانت تجدي معهم شيئا . ولكن ليس هذا هو كل السبب ، بل إلي ذلك شئ آخر في طبع الحجاج .
لقد كان رجلا صلبا جاهلي الطبع ، رجلا صريحا لايداري ولا يداور ، حتى ليجابه أهل العراق بقوله :
" يا أهل العراق إني لم أجد دواء أدوي لدائكم من هذه المغازي والبعوث ، لولا طيب ليلة الإ باب وفرحة القفل فإنها تعقب راحة ، وإني لا أريد أن أري الفرح عندكم ولا الراحة بكم ، وما أراكم إلا كارهين لمقالتي ، وانا و والله لرؤيتكم أكره . . كان صريحا لا يعرف سوي الأمر
الصريح ، فإذا لم يطع فليس أمامه سوي العقاب الصريح . إذا تجمعت العوامل التي جعلت من الحجاج رجلا قاسيا
وأنست من طبعه مجيبا ، فأننتجت لنا تلك الشخصية الصارمة التي لم تمنعها قسوتها من ان تكون ورعة زاهدة واعظة من غير ما تناقض او تعارض . فليس للحجاج شخصيتان ، بل ليست شخصيته الواحدة من ذلك النوع الذي يميل للشر ثم يؤوب للندم ، كما ان رواية " دكتور جيكل ومستر هابد " ليست مثلا لتعدد الشخصية ، الذي لا يصدق على الرجل العادي وإن صدق في بعض الاحوال المعروفة في الأمراض العصبية ؛ وما أظن أن مؤلفها قد قصد إلي شئ من ذلك ، فما بالك بتطبيقها على الحجاج الذي أحسب أنه ما كان يستطيع أن يملك تلك الشخصية القوية التي هزت التاريخ الأموي لو أن اهون شئ من الازدواج قد تسرب إلي نفسه
