كان سلفنا إذا أرادوا الحج تأهبوا لسفر شاق ، وغاية بعيدة وتزودوا لشهور عدة ، ووطنوا أنفسهم على ما يلقون من الشقات والشدائد والأخطار . كان المصريون يذهبون بالبر من طريق سيناء فالعقبة لا يركبون البحر ، أو يسيرون إلى القصير فيجتازون البحر إلى الحجاز . ثم جاء عصر البواخر فتيسرت الغاية وقصرت المدة ، ولكن بقى بعد هذا قطع المسافة بين مكة والمدينة على ظهور الأبل ، وقي سوء الأحوال الصحية فى مجامع الحج ، والتعرض للصوص وقطاع الطريق فى كل مرحلة وكل حين . بل كان المحمل المصرى وهو فى حراسة الجند والدافع لا يجتاز المسافة بين مكة والمدينة إلا بعد إرضاء القبائل الضاربة على الطريق . وكان هؤلاء يتحكمون ويشتدون في مطالبهم ، فاذا لم يجب مطالبهم باغتوا الحجيج بالغارة . بل قال المرحوم إبراهيم رفعت باشا الذي تولى إمارة المحمل سنين إنه زار غار حراء سنة ١٣١٨ ومعه مائة جندى وقال " ومما ينبني لزائرى هذا الجبل أن يحملوا معهم الماء الكافي وان يكونوا جماعا يحملون السلاح حتى يدفعوا عن أنفسهم شر اللصوص من العربان الذين يتربصون الفرص لسلب الحجاج امتعتهم ونقودهم خصوصا فى مكان متقطع كهذا لا يقصده إلا بعض الحجاج . وقد بلغني أن أعرابيا قتل حاجا فلم يجد معه غير ريال واحد فقيل له : من أجل ريال ؟ فقال وهو مرح : الربال أحسن منه "
اسم ١١ = . ذلكم الحج قبل سنيلا ، وأما الحج فى هذا العصر فقد تهيات وسائله وتيسرت مسافاته وامنت سبله . تنقل الحجاج بواخر كبيرة . وحسبك بيواخر شركة مصر التى اعدت لراحة الحجاج وتمكبنهم من أداء فرائض الدين في يسر وطمأنة . فى كل باخرة مصلى تقام فيه الصلوات الخمس ويؤذن لكل وقت . فاذا بلغ الحاج جدة وجد الطوفين فى انتظاره يتكفل المطوف الذى يختاره براحته وإعداد السيارات له فى كل طريق . ويجدون في مكة العناية
براحة الحجيج وصحته . فالحكومة تتخذ الوسائل التى تمنع الزحام ، وتراقب مساكن الحجاج ونلزم اصحابها ان يطهروها وينظفوها فاذا حان وقت الخروج إلى منى وعرفات ، احتاطت الحكومة فمنمت التزاحم فى الطريق وعنيت راحة الحجاج على قدر استطاعتها . وإذا قضى الناس مناسكهم وارادوا السفر إلى المدينة رخص لهم فى السفر على ترتيب قدومهم مكة الاسبق ذاا سبق حتى لا يختل النظام ، ويشتد الزحام ، وحتى لانضيق بهم المدينة . وكذلك يلزم زائرو المدينة . الخروج بعد ثمانية ايام ليفسحوا لغيرهم فلا يجتمع فيها إلا وفود ثمانية أيام طول الموسم
٤-١ - حب والناس في إقامتهم بمكة ، وسيرهم إلي مني وعرفات ، وسفر ، إلى جدة والمدينة برنيحلون بالليل والنهار امنين مطمئنين لا يخافون على نفس ولا مال . وبطفرون بطمأنينة لا يظفرون بمثلها فى البلاد الاخرى ، ولا ينلو في الحق من يقول إن الامن فى بلاد الحجاز اليوم لا يظفر به إنسان فى غيره من بلاد العالم . فاذا خرج الرجل الفرد يملأ جيوبه الذهب يقطع الطريق بين مكة والمدينة نهارا وليلا ليس معه رفيق ولا حارس لم يخش على نفسه ولا ماله ، واحاط به الامن فى يقظته ونومه وليله ونهاره . امر لم نسمع به ولا نسمع به اليوم في قطر من أقطار العالم المتمدن او المتوحش وقد حدثني أحد الحجاج ومحن بمكة انه ذهب إلى المدينة فى رققة فوقعت مهم حقيبة فى الطريق ولم يشعروا بها وتعطلت
- ١ السيارة في الطريق يوما أو يومين . فلما بلغوا المدينة افتقدوا الحقيبة فأخبروا الشرطة فردتها إليهم بعد قليل . وأخيرت أن حاجا آخر كان يطوف بالكمية فسقطت منه ساعة فذهب إلى الشرطة فردوها إليه . وأعرف أن طالبا من طلبة الجامعة سقطت منه ورقة بنك قيمتها جنيه فى سوق مكة ولم يفتقدها إلا بعد ان رجع إلى المدرسة السعودية التى كنا سرزل بها . فلما رجع إلى السوق وجدها حيث سقطت امام الدكان الذي كان يشترى منه . وقد تواترت الأقوال فى أمثال هذه الحوادث حتى لم يبق مكان للشك فيها ، وحتى اطمأن الناس فتركوا امتعتهم الثقيلة فى مساكنهم ليرجعوا إليها بعد قضاء مناسكهم ولم يجدوا حاجة إلى اخذها معهم . فنحن تركنا بعض متاعنا في جدة امام الفتدق المصرى فأرسل إلينا فى أيام مختلفة لم نفقد منه شيئا وقد تأخر
متام بسن الطلبة كثيرا فقلق ؛ فقلت له : ستأتي حقائك لا محالة فان شيئا لا يضيع في هذه البلاد . وكان يسكن إلي قولى حيثا ثم يعتاده الفلق حتى جاءت امتعته كاملة . وأخيرتى مخبر عن رجل من الدين ذهبوا إلى الحجاز انه كان في سيارة ضاقت بأمتعة الراكبين فأخذوا حقيبة عليها اسم صاحبها وتركوها فى الطريق عمدا ليتحققوا ثم طلبوها حينما بلغوا غايتهم فردت إليهم والمسافة بين مكة والمدينة زهاء ٥٠٠ كيلو كانت تقطع في أربعة عشر يوما وقد قطعها ركب المحمل المصرى سنة ١٣١٨ من الهجرة فى ١٢٥ ساعة وخمسين دقيقة فى اربعة عشر يوما . وتقطعها السيارات الكبيرة اليوم فى أربع عشرة ساعة ، ولكن المسافرين يحتاجون إلى الراحة مرات على الطريق فيبيتون ليلة فى بعض المراحل ، والطريق كله غير معبد ، وفيه مسافة قصيرة رملية تسوخ فيها السيارات إن لم يحذر السائق
وقد خرجنا من جدة إلى المدينة بعد المغرب فيبلغنا رابعا بعد سبع ساعات ، وبتنا بها ثم استأنفتا السير ضحى أملين ان نبلغ المدينة فى نهارنا ولكن ساخت بعض السيارات فى الطريق فآثرنا أن نبيت فى مكان اسمه أبيار بني حصان . وخرجنا منها ضحى فيلغنا المدينة بعد العصر . رلكنا فى رجوعنا إلى حدة خرجنا من المدينة ضحى فبلغنا رابعا وقت العشاء بعد أن استرحنا فى الطريق ساعتين ونصفا فى ثلاثة مواضع . وبننا في رابع وتركناها ضحى فبلغنا جدة ظهرا بعد سير خمس ساعات . فكان سيرنا من المدينة إلى جدة ثلاث عشرة ساعة ونصفا . وإذا اصلح الطريق سهل ان تقطع المسافة كلها فى عشر ساعات . وامكن الرا ب المتعجل ان يقطها فى ثمان ساعات او سبع . وما اقرب هذا سفرا وأيسره
ولست أقول إن وسائل الحج بلغت من اليسر والنظام الغاية التى نرجوها ؛ ولا أزعم أن الحرمين الشريفين والحجاز ، فى الحال التى يتمناها مفكرو المسلمين ؛ فلا يزال المسلمون برجون للحجاز نظاما وعمرانا لا يذكر معه ما يسره الله فى السنين الأخيرة من الاملاح والتنظيم . لا يزال مفكرو المسلمين يطمعون في ان بروا فى الحجاز آثار التعاون الاسلامى ، وبذل المال فى سبيل الله
حتى تكون أحوال الحجاز مكافئة لمكانته عند المسلمين ، ومصورة عناية المسلمين به وتقديسهم إياه
لا يزال المسلمون يتمنون أن بروا الحجاز آخذا من ثوة المسلمين وعلوين رنونهم ما تأخذه الأماكن المقدسة الأخرى من الدين يقدسونها
* وما أسعد المسلم النيور على دينه المعنى باقامة شعائره يوم يذهب إلى الحجاز فيرى الطرق ممهدة بين جدة ومكة شني فعرفات وبين جدة فالمدينة ، ويرى فى طريق المدينة فنادق يأوى إليها فيجد راحته وطعامه وشرابه كما يشتهى ، ويجد مواضع للوضوء والصلاة تمكنه من اقاما الشعيرة على خير الوجره
ما أسعده يوم يجد فى منى وعرفات مواضع للطهارة والصلاة ميسرة على وجه يليق بهذه البقاع المطهرة . إن المسلمين يضربون اليوم خيامهم فى منى وعرفات فى امن وسلام ونظام ، ولكن هذه الخيام المتفرقة تقسمهم فلا يجتمعون إلا قليلا . فما أجل ان يهبا فى منى وفى عرفات سكان واسع جامع يسع الناس جميعا فى صعيد واحد يرى بعضهم بعضا فيشعر المسلم بالجماعة الاسلامية ممثله والآخروة الاسلامية مصورة . فاذا اسمع هؤلاء جميعا إلى خطيب او واعظ او داع يتكلم في مجهر فيسمعهم معا ويعظم معا ويدعو فيؤمنون بصوت واحد ويرفعون ايديهم جملة واحدة كان فى هذا من الجمال والروعة ما لا ينساه السلم على مر الزمان وبقيت هذه الصورة فى نفسه حينما سار تذكره بالأخوة الاسلامية
وهل أغلو إذا قلت إن من المسلمين من برحو أن يكون فى منى مدرج ينحت في الجبل يسع مئات الآلاف من الحجاج يجتمعون إذا شاءوا ويتفرقون فى سكون وظمأنينة وسلام فى وقت قليل وحركة يسيرة كما تفعل الأمم الاخرى فى مجامعها التى تضم آلاف كثيرة ؟ ولماذا لا يكون للامم الاسلامية بيت فى بكر أو المدينة يجتمع فيه بعد موسم الحج مثلا ممثلو هذه الاسم ليتشاورا فيما بينهم ويداولوا الاراء فيما يصلح المسلمين ويرفع اخلاقهم ويسعدهم بين الأمم ؟ . لماذا لا يبذل المسلمون من أموالهم وأفكارهم لانشاء المدارس واللاجئ والمستشفيات في الحجاز ، وفي إنشاء المكاتب ونشر الكتب الاسلامية والمجلات تبحث الأمور الاسلامية المشتركة وتقصد إلى التقريب بين التربية الاسلامية والثقانة الاسلامية فى العالم الاسلامي جهد الطاقة . إن الحجاز ينبغي ان يكون ملقى امناات الاسلامية
ثم يرجو كل مسلم أن يصلح المسى بين الصفا والمروة فيفصل من السوق والطريق ويجعل على شاكلة تشعر الساعى انه فى عبادة ينبغي ان تفرغ لها نفسه ، ويتم لها توجهه . وما احوج الحرمين فى مكم والمدينة إلى أن تزحزح عنها الابنية المجاورة ويدور بهما مهبع واسع يظلل الشجر . وهناك بعد هذا اصلاح مذبح منى وحفظ لحوم الاضاحى وجلودها لينتفع بها او بانمانها الفقراء طول العام . ثم تعيشيئة ماء زمزم فى او ان ترسل إلى الاقطار الاسلامية ، وقد اثبت البحث انه ماء نافع مرىء فضلا عما له فى نفوس المسلمين من حرمة . ثم اضاءة مكة والمدينة وسوق الماء إلى دورهما ومساجدهما ، وأمرر غير هذه كثيرة
هذا كله جدير بعناية المسلمين وتعاونهم وبذلهم من أموالهم وأفكارهم واعمالهم . ولن يؤدوا واجبهم ويعربوا عن اهتمامهم يدينهم ويبرءوا من التقصير حتى يحققوا هذا كله بل أكثر منه وقد تحقق الشرط الأول لكل إصلاح وهو الأمن الشامل . والطمأنينة العامة يسرهما الله للحكومة السعودية واستحقت مهما مثوبة الله وشكر المسلمين كافة . فعلى المسلمين جميعا ان يتقد ، و فيتعاونوا جميعا على خطة معينة خالصة لوجه الله يعالجون بها من أمور الحجاز مايجعله صورة لحضارة المسلمين وتآلفهم وتعاونهم ومن أولى من المسلمين بالتعاون والتا خي ودينهم دين الاخوة العامة والتعاون على البر والتقوى . والله يهي للمسلمين من امرهم رشدا ويوفق للخير حكومات الاسلام عامة والحكومة المصرية خاصة وهى التى حملت النصيب الاوفر في امور الحجاز منذ قرقرون كثيرة والتي يؤمل المنون فيها خيرا كثيرا فى رعاية جلالة الملك الصالح " فاروق الأول " حفظه الله
فبلغنا رابعا بعد ثلاث عشرة ساعة ، وقد استرحنا على الطريق ثلاث ساعات وعشرين دقيقة فى ثلاثة منازل . فكان سيرنا بين المدينة ورابغ زهاء عشر ساعات
واستأنفنا السير ضحوة الغد فبلغنا جدة بعد خمس عشرة ساعة وكان توقفنا على الطريق ساعة في منزلين ، فكان مسيريا من طيبة إلى حدة أربع عشر ساعة . والمسافة بينهما نحو خمسمائة كيلو تقطعها السيارات بالسير الوسط فى عشر ساعات ويستطيع المتعجل أن يطوبها فى ثماني ساعات أو سبع فماذا يشكو المسافر من سفر يفدر بالباعات لا الآيام والشهور ثم لا ؟ فيه ظما ولا جوع ولا حر ولا ير ولا خوف ؟
