الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 193 الرجوع إلى "الرسالة"

الحرب، في الأدبين العربي والإنكليزي

Share

حب الحياة والإقبال على متعاتها والرغبة في التكثر من خيراتها  مركب في طبائع الأحياء. وليس لحاجات الحي ورغباته ومطامحه  نهاية، بل تبقى له حاجة ما بقى كما قال الشاعر؛ والنزاع بين الأحياء  على خيرات الحياة من اجل ذلك متصل لا يفتر، وهيهات يفتر وحب  الخلاف والنزاع والجلاد ذاته بعض طبائع الأحياء، والشغف  بالقلب والتخايل بالقوة والزهو بالسيادة من اكبر مطامع الأحياء  والإنسان خاصة ومن ثم عرف الإنسان الحرب من أول عصوره  واشتغل منذ همجيته بمكافحة الأحياء من الوحوش ومن أبناء جنسه،  وتم له النصر من قديم على أمة الوحوش، وما تزال معارك الإنسان  مع أخيه - أو عدوه - الإنسان متصلة تشب بين حين وحين

وقد كابد الإنسان في شتى العصور أهوال الحروب وعلم علم  اليقين عواقبها الوخيمة؛ بيد أنه لم يستطع بعد أن ينبذها، لقيامها على  غرائز في طبعه راسخة متأصلة، ولما تليح به أمام عينه من مزايا  النصر ومغانمه ومجده ولألائه، ومن ثم كانت مهمة دعاة السلم من  أشق المهام ومطالبهم من أبعد المطالب، وقد هبوا في الفترة بعد الفترة  ينددون بالحرب وبلاياها ومغباتها. فكانت صيحاتهم تترك صداها  في نفوس الكثيرين، ولاسيما في أعقاب الحروب الطاحنة التي  أهلكت الحرث والنسل، ثم لا تلبث غرائز الإنسان الفطرية أن  تعاوده على أشدها، وتبدأ الأمم سيرتها الأولى من الطمع والتفاني  وتحكم القوة التي لا يفصل سواها بين المطامع المتضاربة

وللحرب آثارها المشهودة في أدب كل أمة بلا استثناء. ولتلك  الآثار ثلاث نواح: فالحرب أولا من أهم وسائل اتصال الأمم  واختلاط الأفكار وتلاقح الثقافات؛ وهي ثانياً وحي الجم الغفير من  نظم الشعراء ونثر الكتاب الواصفين لوقائعها وسلاحها ورجالها،  الممجدين لأبطالها وانتصاراتهم، المفاخرين بما كان دحر الأعداء  وحماية الدمار وسلامة الشرف الرفيع من الاذى؛ والحرب من  جهة ثالثة أوحت بآثار أدبية شتى في تبغيض القتال، وتسفيه اعتداء

الإنسان على الإنسان، والحض على السلم والدعوة إلى الإخاء والصفاء  وأن كان أثر هذه الدعوة في الأدب اقل كثيراً مما فيه من الترنم بمجد  الانتصار والتغني بالعز والغلب، ولم تكثر آثار تلك الدعوة في  الأدب إلا في العصر الحديث

وكل هاتيك الآثار بينة في الأدبين العربي والإنجليزي،فقد  خبت الأمتان وأوضعتا في مجال الحروب. وكان بين كل منهما وبين  جيرانها وأعدائها ملاحم ومواقع جسام، وشهد أدبها قيام نهضة  حربية عظيمة وتشييد إمبراطورية واسعة، وأنجبت كل منهما  عظماء القادة وحازت مشهود الانتصارات، وأذاقت أحيانا مرارة  الهزيمة، ووقفت مراراً حيال الأخطار الجائحة التي تهدد كيانها  وحريتها وتقاليدها، وشهدت الكثير من أمثال هذا كله يجري بين  الدولة المجاورة والأمم المعاصرة لها، وعلى كثرت ما يحتويه الأدب  الانجليزي من اثار كل ذلك فان ما في الأدب العربى من أكثر،  وذلك لأسباب عديدة:

فأولا ارتقى الأدب العربي وتوطد والأمة العربية ما تزال منشقة  متناضلة، تتفاخر قبائلها بأيامها وانتصارتها، أما الأدب الإنجليزي  فلم يبلغ عظمته إلا في ظل القومية الموحدة، ولم تنشق الأمة على  نفسها ويمتشق بعضها الحسام لقتال البعض إلا مرة واحدة في عهد  الصراع بين الملكية المطلقة والنظام الدستوري، وهي الفترة التي  أنجبت القائد العظيم كرومل، وفيما عدا ذلك يمتاز التاريخ  الإنجليزي بحروبه من الحروب الأهلية

وثانيا كانت الحروب اكثر طروءاً في تاريخ العرب منها في تاريخ  الإنجليز حتى بعد توطيد الإمبراطورية: فان تلك الإمبراطورية  ظلت - مادامت لها قوتها - تجالد أعدائها في الدين من روم ووثنيين،  حتى إذا ما وهنت قوتها انقسمت على نفسها، وكثرت في داخلها  الدويلات والحروب

وثالثا لأن كثيراً من أعلام الأدب العربي كعنترة وقطري بن  الفجاءة والمتنبي وأبي فراس، كانوا جنوداً يشهدون الوغى ويمتدحون  بمآثرهم فيها، وقلة من أدباء الإنجليزية من كان كذلك، بل لقد  ذكر أن المقاتلة في عهد التلاحم بين علي ومعاوية والخوارج كانوا  إذا تهادنوا ليلا تقابلوا تقابل الأصفياء يتناشدون الأشعار

ورابعاً كان جل شعراء العربية المتأخرين متصلين بالأمراء  والقواد فلم يكن لهم ندحة عن وصف أعمال ممدوحيهم الحربية كان العرب في الجاهلية في قتال لا يكاد يهدأ، وكانت بين قبائلهم وأشرافهم ثارات وعداوات لا تكاد تنتهي حتى اضطروا أن يتخذوا

لهم موضعاً حراما ووقتاً حراماً ما تهدأ فيه الخصومات وتغمد  الصوارم وتتصل أسباب الحياة والتعاون، وبالتمدح بالنصر في تلك  الحروب والتفاخر بأيامها والتوعد والتربص، كان أكثر ما قيل  من شعر في الجاهلية. وظلت لهذا الباب من الشعر المسمى بالحماسة  مكانته بعد انقضاء عهد الجاهلية بطويل، وبه بدأ أبو تمام مختاراته  الشعرية وبه سماها، وكثر في الشعر الجاهلي ذكر السيوف والرماح  والخيول وغيرها من وسائل الحرب، وكثرت في العربية أسماؤها  وأوصافها، وارتقى بين العرب البصر بالحروب وتأصلت فيهم  ملكاتها، حتى أخرجت الجزيرة صناديد الإسلام الذين اصطلموا  كتائب قيصر وآل ساسان، ومن الشعر الذي يعرض صور حروب  ذلك العهد ومعلقة عمرو بن كلثوم الذي يقول منها:

على آثارنا بيض حسان  نحاذر أن تقسم أو تهونا

وكنا الأيمنين إذا التقينا   وكان الأيسرين بنو أبينا

وكانت الرسالة النبوية، وكان صاحبها يجمع إلى عبقرياته العظيمة  المتعددة التي لم تجتمع لإنسان، البصر بالحرب والبلاء فيها فتخلف  من أشعار ذلك العهد ولاسيما شعر حسان أثر ما كان بين المسلمين  والكفار من كفاح؛ حتى إذا ما وحد الإسلام قلوب العرب انصرفوا  إلى جهاد أعداء الدين، ومن عجب أن عصر الفتوح الباهر الذي تلا  ذلك لم يترك في الأدب العربي إلا أثراً ضئيلا. وليس امتلاء النفوس  برهبة الدين هو كل السبب في ذلك، بل يرجع ذلك أيضاً إلى جدة  الحالة التي وجد العرب بها أنفسهم: من قتال أمم مخالفة لهم في  الجنس واللسان والمسكن ووسائل القتال، ولعلهم لم يجدوا من اللذة  والغبطة ودواعي الفخار في اجتياح تلك الجيوش المرتبة، ما كانوا  يجدونه في مصاولاتهم البدوية المملوءة بالكر والفر والمساجلات  الفردية.

وأهم من هذا وذاك أنهم لم يتعدوا الفخر بالأعمال القومية،  التي يشترك في فخارها المضرى والبكري والتغلبي، ولم يتعودوا  أن ينضموا القصيد في الفخر على أعجمي، وإنما هم كانوا يترفعون  على الأعجمي ترفعاً بديهياً بسيطاً لا يتكلفون له عناء النظم، ولا  يحتفون بالقول، وآية ذلك حكاية الأعرابي الذي سئل: أتحب أن  تكون ابن أعجمية ولك قصر في الجنة؟ فقال: لا أحب اللؤم بشيء.  قيل: فإن أمير المؤمنين ابن أمة، قال: أخزى الله من أطاعه!

إنما كان الفخر كل الفخر عند العربي في الظفر بعربي مثله ،  من قبيلة معادية لقبيلته، قد توارثت قبيلتاهما العداوة والتراث جيلا  بعد جيل. وما هى إلا أن دبت الفتنة من جديد بين العرب حتى

ظهر أثرها في الشعر: فمهدد لمعاوية وحزبه، ومناصر لبني هاشم أو  مناصب لهم. ومفاخر بكلب أو بتغلب أو معير لهذه أو لتلك، إلى  عهد بشار الذي يتمدح - على كونه من الموالي - بل غضب المضرية التي  تهتك حجاب الشمس؛ وظل الشعراء الذين يمتدحون الخلفاء  والأمراء والقواد ويمدحون بلائهم في الحروب، لا ينسون أن  يذكروا مفاخر قبائلهم من قبل وبلائهم في الوغى، فإذا ما مدح  الشاعر الحجاج ذكر ثقيفاً أو عبد الملك ذكر أمية، وظل الشعر  العربي دائماً يردد ذكر بني مظر وبني شيبان وبني تنوخ وبلاء كل  أولئك في الحروب، وكان التساجل بين الشعوبيين وأنصار العربية  فلم يكد يترك أثراً في الشعر العربي، وحتى المتنبي يحفل شعره بذكر  قبائل من مدحهم على التوالي، رغبة تعصبه للعربية، وطول تألمه من  أن يرى عرباً ملوكها عجم

.. بجانب تلك العاطفة القبلية تمت تدريجا عاطفة أخرى هي الرابطة  الإسلامية، إذ تمكن الإسلام من نفوس معتنقيه ومجتمعهم تمكنا احله محل القومية، وترددت تلك العاطفة في أشعار الشعراء الممجدين  لبلاء الخلائف والأمراء في دفاع أعداء الملة، وكان للإسلام في أول  ظهوره عدوان كبيران: الوثنية وزعيمتها فارس، وقد فرغ من شانها  عاجلا، والنصرانية وممثلتها الدولة الرومانية، وقد ظل جهادها دائما  من أول مهمات الخلفاء وولاة الثغور، وظلت حربها مكن أهم ما يشغل  بال المسلمين ويغذي عاطفتهم المشتركة وشعورهم القومي؛ ويتجلى  اثر تلك الحروب بين الدولتين، أو بين الديانتين، في أشعار أبي تمام  والبحتري والمتنبي؛ ولما أعيت الدولة الرومانية الحيل استنجدت  بغيرها من أمم النصرانية، فكانت الحروب الصليبية، التي ظهر  أثرها في شعر شعراء مصر والشام، ومن ذلك قول البهاء  زهير في  السلطان الأيوبي:

فابلغ رسول الله أن سميه   حمى بيضة الإسلام من نوب الكفر

وأقسم إن ذاقت بنو الأصفر الكرى   فلا حلمت إلا بإعلامه الصفر

وبلغ المسلمون المبالغ في الحرب البرية والبحرية وعنهم  اخذ الصليبيون، ومن لغتهم نقل الغربيون كلمة الأميرال أو أمير  البحر وغيرها من مصطلحات القتال، وحفل شعرهم بوصف المعارك  والجيوش وما توقعه بأرض العدو من دمار، كوصف أبي تمام  لتخريب عمورية؛ ووصف الاساطيل؛ والمتنبي هو اصدق وصافي  الحرب في المتأخرين وأروعهم لأنه كان يصف ما يميل إليه بطبعه  وما يمارسه ويشاهده بنفسه، ولا تكاد ترتوي منه لهفته، ومن ثم  لا تقل أشعاره الحربية عن أشعار الجاهليين والإسلاميين صدقا وفطانة

وتفوق بعضها جزالة وتجويدا ومن جيدها وصفه لخيل سيف الدولة    الذى منه :

رمى الدرب بالجرد الجياد إلى العدا   وما علموا أن السهام خيول

شوائل تشوال العقارب بالقنا   لها مرح من تحته وصهيل

كتائب يمطرن الحديد عليهم   فكل مكان بالسيوف يسيل

ومن جيد وصف الأساطيل قول ابن هانئ الأندلسي:

أنافت بها آطامها وسمالها  بناء على غير العراء مشيد

وليس بأعلى كبكب وهو شاهق  وليس من الصفاح وهو صلود

إذا فرت غيظا قد ترامت بماوج  كما شب من نار الجحيم وقود

ولم يقتصر ذكر الحرب على مواضعها الخاصة بها، ومناسباتها  بين الحين والحين، بل كان أمرها من الشمول والاتصال والحضور  في أذهان الناس بحيث تسرب ذكرها في شتى أبواب الأدب،  واستعيرت صفائها وأحوالها لمختلف الأغراض: ففي النسيب  استعيرت السيوف والسهام للجفون واللواحظ، والقتل لشدة التتيم،  وبالسيف شبه الممدوح صقلا ومضاء وبه جرت الأمثال فقيل: سبق  السيف العذل، وشبه المتنبي المنون بعدو لا تجدي المشرفية والعوالي في  قتاله، ولا تجني السوابق المقربات من خببه، وقرن التمدح بالبلاء  في الحرب بالتشبيب، كما يفعل عنترة، وكما قال أبو عطاء السندي  وهو البيت الذي تمثل به صلاح الدين الأيوبي في بعض رسائله:

ذكرتك والخطى يخطر بيننا   وقد نهلت منا المثقفة السمر

وفي الأدب الإنجليزي أوصاف رائعة للحروب، وتمجيد شائق  لأبطالها، وتفاخر بانتصاراتها وما كسبته الأمة من اعتزاز وهيبة،  ولملتون ومارفيل وكامبيل وتينيسون وكبلنج في ذلك أشعار مأثورة.  وقد كان مجال القول أمام أمثال أولئك الشعراء ذا سعة: فتاريخ  الإمبراطورية حافل بعظائم جنودها. نعم كانت سياسة بناتها دائماً  سلمية لا تلجأ إلى الحرب إلا في الحالة القصوى. ولا تندفع إلى  ميدان القتال لمجرد الرغبة في الظفر والافتخار. ولكن الدولة كانت  دائماً عزيزة في وطنية أبناءها. وقوة اسطولها، وقد كسب لها جيشها  وأسطولها انتصارات باهرة خالدة، ودوخ أبطالها أمثال كرومويل  وملبرا ونلسن وولنجتون الأمم، واعلوا كلمتها فوق كل كلمة.

ولا يستأثر الشعر دون النبر بحديث الحرب ووقائعها وأبطالها  بل هناك كتاب سوذي عن نلسن ومقالات ماكولي عن كليف  وهستنجر وفردريك الأكبر، وتاريخه وتاريخ جيبون، كل هاتيك  حافلة بالوصف الدقيق البليغ لشتى المواقع والحروب، هذا إلى ما في  مختلف القصص من ذلك، ولا يكاد يكون في العربية من مثل ذلك  سوى بعض خطب الإمام علي بن أبي طالب، ورسائل في بعض

الخلفاء إلى ولاتهم ينهوهم أن يؤذوا المسالمين أو يعيثوا في الحرث  والنسل وخطب بعض القواد كتلك المنسوبة إلى طارق بن زياد  والتي تفيض بلاغة وشجاعة. ولا غرو فقد كان للشعر دائماً التقديم  على النثر، وقد ظل طويلا يستأثر دونه بالحفاوة

ولم يقتصر شعراء الإنجليزية على نظم القصيد في تمجيد انتصارات وطنهم وعظائم أبناءه، بل التفوا - كدأبهم في كل فنون القول - إلى الماضي وإلى الخارج، ونظموا في المواقع التاريخية والخرافية ،                                                 إرضاء للفن وتسريحاً للخيال وتنشيطا للفكر، فوصف تينيسون آخر  معارك الملك آرثر وصفا اصبح من ذخائر الأدب المعدودة وآثاره  السائرة، أودعه كل مقدرته على تجسيم الوصف وخلق المنظر الكامل  بدقائقه وألوانه وأصواته، ونظم هاردي قصائد شتى في حروب  نابليون والثورة الفرنسية، وكان له بحروب نابليون غرام كبير لقرب  عهدها منه واشتراك بعض أقربائه فيها، وفي تلك الحروب نظم  ملحمته الكبيرة التي تعد اكبر آثار الشعر الإنجليزي الحديث،  وفيها ينتقل بين شتى المناظر والأوصاف والنظرات والتأملات

ولم يخل الأدب العربي من ذم للحرب ودعوة إلى الإخاء، ومن  آثار ذلك أبيات زهير بن أبي سلمى المعروفة، ومن معلقته حيث   يمدح السيدين اللذين اصلحا بين عبس وذبيان بعد ما تفانوا،  ويستطرد إلى قوله:   (وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم) ، غير أن  ذلك قليل نادر. وقد كان الجهاد دائماً شعار الدولة الإسلامية،  وكان النزاع والغلاب دأب أمرائها، وبذلك تفاخر فرسانها وبه  امتدحهم مادحوهم من الشعراء، وظل السيف والرمح والبنود  والخيول في شعر الشعراء العربية مرادفات للعز والمجد والغلب والسيادة،  ولم يخل الأدب الإنجليزي من محبذين للحرب متغاضين عن مغاباتها  كتنيسون الذي كان يرى الحرب وسيلة لا غنى عنها من وسائل  العمران وتطهير النفوس من شوائب المادية والترف والأنانية، غير  أن الأدب الإنجليزي أغنى بآثار النظرة الإنسانية، التي تغض الحرب  وتصور بشاعتها وبلاياها.

ففي قصيدته   (البطولة)  يقول كوبر معرضاً بملوك فرنسا:  (أيها الملوك الذين يستهويكم المجد وتؤيدون بالدم دعواكم، وتهوون  بالضربة ثم تبررونها بالدفاع عن النفس، المجد بغيتكم والحق ذريعتكم، تسكن عبر النهر الذي يحد ملككم الحق، ويريكم مدى ما يجوز لكم  أن تنشروا عليه حكمكم، أمة لا مطمع لها في تاجكم، حريصة على السلام، سلام جيرانها وسلامها، ولكن يا لشؤم طالع تلك الأمة!  ويا شد ما تتقاضاها جريرتها الوحيدة، جريرة مجاورتها إياكم، أما

هي إلا أن تنطلق الأبواق حتى تزحف كتائبكم إلى الخارج شاقة طريقها وسط المحصول الناضج، يطئون في كل خطوة حياة جماهير  وخبز أمة، فالأرض أمامهم جنة يانعة، وهي خلفهم يباب بلقع)

وفي قصيدته عن موقعة بلنهايم التي كسبها القائد النابغة ملبراء  يصف سوذي شيخاً المانيا جالسا ذات مساء أمام كوخه في أرباض البلدة التي دارت حولها رحى المعركة، بعد جيل من حدوثها ,  وحفيداه يلعبان حوله، فإذا الطفلة ترى أخاها يدحرج شيئا مستديرا قد عثر به بجانب الجدول، فتناول الشيخ ذلك الشيء والطفلان  مشرئبان إليه يريدان أن يعلما ما هو، حتى هز الجد رأسه قائلا. هذه جمجمة مسكين سقط يوم النصر العظيم، وكثيرا ما أعثر بهذه لجماجم في الحديقة) وحين أحرث الحقل كثيرا ما يثيرها المحراث من التربة، ولا غرو فقد سقط آلاف مؤلفة في ذلك النصر العظيم.

فيتساءل الطفلان بفارغ الصبر عن تلك الحرب وسبب تناحر  الفريقين، فيقول جدهما: شتت الإنجليز صفوف الفرنسيين، أما  سبب ذلك فلا أعلمه، بيد أن الجميع يقولون أنه كان نصراً عظيما. ويمضي واصفا كيف أحرقت مزرعة أبيه وألجئ إلى الفرار وكيف هلكت الحبالى والرضع، ثم يردف قائلا: ولكن مثل هذه الأشياء يا ابني تحدث في كل نصر عظيم، فالمجد لدوق ملبرا ولأميرنا الطيب  وجين، فتصيح الطفلة: كيف؟ لقد كان ذلك أمراً إداً! فيراجعها  لشيخ. كلا يا بنيتي بل كان نصرا عظيما. وكل إنسان أطرى الدوق  لذي كسب تلك الموقعة، فيصيح الطفل: وماذا كانت فائدة كل ذلك؟ فيسلم الشيخ تسليم العاجز قائلا: أما ذاك فلا علم لي به،  بيد أنه كان نصراً عظيما.

فآثار الحرب وأحاديثها على مختلف ضروبها ظاهرة محسوسة  في جوانب الأدبين، ولا ندحة من أن تكون ظاهرة محسوسة فالحرب  ناحية من نواحي حياة المجتمع الإنساني جليلة الخطر حاضرة الأهمية  دائما، تتصل برفاهية الأفراد ومستقبل الجماعات ومصائر الدول  والمدنيات، وبالحرب تتعلق كل معاني القوة والحرية والذود عن  الحقيقة، وقد كانت الحرب أحيانا ممهدة لانتشار الحضارة وازدهار  الثقافة، كما كانت إذا استفحلت وبالا على العمران وبلاء على الإنسان  بيد أنها قد تركت في الآداب تلك الأوصاف الممتعة لملابسات  الحروب ومشاهدها وأعقابها، وقد خلدت هذه الآثار الأدبية  الرائقة عبرة ومتاعا للألباب، بعد أن غبرت تلك الحروب وهدأت  تلك المطامع والثارات، وذهب مسعروها ومن اصطلوا بها واستوى  في الترب القاهر منهم والمقهور.

اشترك في نشرتنا البريدية